طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الأحـداث التاريخية > وقائع تاريخية > الأمم السابقة > الأمراض الحضارية.. المسلم وغياب معاني الكفاءة – الجزء الأول

ملتقى الخطباء

(668)
1154

الأمراض الحضارية.. المسلم وغياب معاني الكفاءة – الجزء الأول

تاريخ النشر : 1438/08/18
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

وهذا يدل على أن بداية سقوط سلم القيم والمعاني في حياة الأمة الإسلامية يؤدي إلى خراب المعيشة، وزوال الخير، فالاندراس التام الذي يشير إليه الحديث، يُؤدي إلى الفناء البشري كما تبين نهايته، والحديث نفسه يشير إلى أن اندراس هذه الفرائض بنسبة معينة يقابله خراب يساوي تلك النسبة..

 

 

 

يسير الكون وفق سنن كونية لا تتغير ولا تتبدل، وأهم ميزة فيها هي أنها تسري على جميع البشر مهما كانت هُويّتهم، فمن نجح في معرفتها والأخذ بها تسيّد الحياة، وكان نظامه هو الفاعل على الأرض، في المقابل يؤدي إهمالها إلى دخول المُهمل لها في نفق من التيه الحضاري، الخروج منه صعب، وضريبته ضخمة، إلى درجة أن الحرب قد تكون آخر حلّ لتغيير الواقع الرافض لأخذ بالسنن الكونية.

 

ويمكن تسمية الظواهر التي ينتجها التخلف عن الإمساك بالسنن الكونية والتاريخية والاجتماعية بالأمراض الحضارية الفتاكة؛ وهي متعددة الصور، ولعلّ أبرز ما أشارت إليه السنة النبوية مرض غياب الكفاءة، إلى درجة.

 

فالمسلم يعتقد جازما أن الحياة قد تصبح عبثا إذا اختلت موازين الكون وانهارت القوانين الطبيعية التي وضعها الله في هذه الحياة، كانهيار نظام الوقت في الكون، والمتمثل في شروق الشمس من مغربها وغروبها من مشرقها، وهذا جانب مادي محسوس سيراه الناس يوما ما، بينما تؤكد نصوص أخرى على أن الانهيار المعنوي يسبق الانهيار المادي الكبير، فقد جاءت نصوص كثيرة تحدث عن حقيقة كبرى، وهي: أن غياب الخير من الأرض، واختفاء الصالحين موجب لنهاية العالم، وفناء الحياة الدنيا. كقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق هم شر من أهل الجاهلية.." (رواه مسلم)، ويأتي دليل آخر يؤكد هذا المعنى وهو أن ذا السويقة يهدم الكعبة، والتي هي رمز الخير والتوحيد، ولعل حديث انهيار القيم يعد أخطر حديث في الباب، عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة.." (سنن ابن ماجه).

وهذا يدل على أن بداية سقوط سلم القيم والمعاني في حياة الأمة الإسلامية يؤدي إلى خراب المعيشة، وزوال الخير، فالاندراس التام الذي يشير إليه الحديث، يُؤدي إلى الفناء البشري كما تبين نهايته، والحديث نفسه يشير إلى أن اندراس هذه الفرائض بنسبة معينة يقابله خراب يساوي تلك النسبة.

 

وحتى لا يظن ظان أن موضوع الحديث: آخر الزمن وعلاماته، وحتى لا يستغرب آخر سبب ربط الأمراض الحضارية بما سبق، فإن المتبصر يدرك أن لكل شيء مقدمات سابقة، وقد تحدثت نصوص السنة عن صورها المختلفة، وكان أبرزها الحديث الذي ربط فيه النبي -عليه الصلاة والسلام- بين نهاية الحياة وبين غياب الأمانة والكفاءة، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة قال كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" (رواه البخاري)، الحديث هنا واضح في دلالته على أن غياب الكفاءة أو تغييب الكفاءات سبب مباشر لضياع البشر، وحلول الدمار، ونزول الأزمات والمحن.

 

القرآن يتحدث عن الكفاءات:

تحدث القرآن صراحة عن الكفاءة كضرورة حياتية، لا تصلح الحياة من دونها، ففي الحديث عن يحي عليه السلام- يذكر القرآن مبدأ القوة، يقول الله تعالى: "يا يحي خذ الكتاب بقوة"، والمقصود هنا الأخذ بتلابيب المعاني بحزم وصرامة، فالضعف لا يبني مجتمعا، ولا يقوّم إنسانا، إنما المعاني كزورق في بحر لجي من الفوضى، لا يمكنه الإبحار فيه إلا بالقوة والسرعة والاستقامة، وكذلك نشر المعاني وإحياؤها في المجتمع الذي ألف الشرّ، وصار عنده عادة، فإنه لا يمكن مجابهته بالضعف المادي والمعنوي، بل يجب أن تُحمل المعاني على أكف مادتها الكفاءة، ويؤكد القرآن الكريم هذا المعنى مرّة أخرى في قصة طالوت، فحينما طالب بنو اسرائيل قائدا يقودهم، اعترضوا عليه، بعد أن غيّبوا المعاني الكبرى للكفاءة وربطوا الأمر كله بالمال، فجاء الرد حاسما ومبينا لحقيقة الكفاءة: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ? قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ? قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ? وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة:247]، وفي الآية إشارة هامة إلى أن الله اختار لهم الأصلح والأكفأ، وعلى البشر أن يتلبسوا هذا المنهج الرباني الخالد. وبعد أن بيّن أهمية اختيار الصفوة، حدد الركائز التي يبنى عليها هذا الاختيار، فربط بين معنيين هامين، العلم، والذي يمثل هنا العلم النافع الذي محوره الحقائق الموافق للفطرة، والمؤيدة بالدين، والمعنى الثاني هو القوة، فلا يمكن أن يكون للحقائق وجود في الواقع دون قوة وعزم يحميها، وفي المقابل لا يمكن للقوة أن تكون نافعة دون توجيه صحيح، والتوجيه السليم والمضمون هو ما كان حظه من العلم النافع كمثل حظه من القوة، فالآية واضحة في الدلالة على أن نظام الكفاءات هو صمام الأمان في كل مشاريع الحياة السلمية والعسكرية.

 

المؤشرات العليا للكفاءات في القرآن:

للكفاءة مؤشرات عليا، أولا تشير نصوص الوحيين إلى حقيقة خطيرة وهي أن إشاعة العمل بل وتقديسه مقدمة ضرورية للحديث بعد ذلك عن الكفاءات، فقد حث القرآن الكريم على العمل بصورة قاطعة: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) [التوبة:150]، وأما السنة النبوية فقد أشارت إلى أهمية الكفاءة فيه فقد جاء في الحديث: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه" (صححه الألباني)، فلا يمكن الحديث إطلاقا عن نظام الكفاءات والقاعدة التي يقوم عليها مهلهلة أو هشة الوجود؛ لذلك يصبح الحديث عن الكفاءة في ظل مجتمعات لا تهتم بالعمل، بل تحتقر أنواعا كثيرة منه، ضربا من العبث وإضاعة للوقت والجهود، فالحقيقة التي يجب تقريرها هنا هي: أنّ نظام الكفاءات ثمرة من ثمار تقديس نظام العمل في الحياة.

 

ولعل من أبرز ما نعانيه اليوم غياب حبّ العمل والاهتمام به الاهتمام اللائق، والمتأمل في حياتنا ومشاريعنا يجد أن أغلب المشاريع التي تُنجز في العالم العربي -الذي هو خاصة العالم الإسلامي- يجد أن جلها إن لم نقل كلها قد أُنجزت بأيادي غير محلية، وهذا مؤشر خطير جدا، ينبغي الاهتمام به اهتماما خاصا وعميقا وطويلا في مداه.

 

ومادمنا هنا قد أشرنا إلى حقيقة العلاقة بين تقديس العمل ونظام الكفاءات، فإن ضرب الأمثلة الواقعية مما يزيد في وهج حقيقة هذه المعادلة، ومن أبرز ما يمكن أن نقدمه هنا: المثال الياباني والألماني من جهة، والروسي والإندونيسي من جهة أخرى.

 

فقد خرجت اليابان مدمرة بعد الحرب العالمية الثانية، لكنها تمكنت في عقود قليلة من إعادة بناء نفسها، والسبب في ذلك تقديس هذا الإنسان للعمل كقيمة حياتية ضرورية، لا يمكن العيش من دونها، وإن كان فهمه لطبيعة دور العمل في الحياة، وتحقيقهم للنهضة في حياتهم، فإن إدراكهم لقيمة الكفاءة إلى جانب العمل هو التفسير الوحيد لنيلهم الريادة في مجالات صناعية كثيرة، ونفس الشيء يذكر بالنسبة للألمان، فعندما وضع المهندس الألماني الشهير شاخت خطةً لنهوض ألمانيا، كان يدرك تماما أن أهم عامل لنجاحها هو وجود وعي جمعي بأهمية العمل، وقد وضع الخطة وخزائن ألمانيا يومها فارغة تماما، لتصبح بعد عقد من الزمن الدولة التي تحتل أوروبا، وتقرع أبواب موسكو، وما يهمنا هنا هو الإشارة إلى قيمة العمل المتوشح بزينة الكفاءة عند هذا الإنسان في هذه الدولة، وأكبر دليل على أن الوعي بقيمة العمل المربوط بالكفاءة في حياة الشعب الألماني، هو معاودته النهوض بشكل سريع بعد الحرب العالمية الثانية التي دمرت بلده تدميرا لا مثيل له.

 

على عكس ألمانيا واليابان عرفت إندونيسيا تجربة مثيرة، فبعد أربع سنوات من استقلالها سنة 1945، استدعت المهندس الألماني شاخت ليضع لها خطة لنهوض حضاري حاسم في تاريخها، لكن نهاية هذا المشروع تعد بحق نهاية مثيرة، فهذه الدولة التي تتفوق على أوروبا في مواردها الطبيعية، تخفق في النهوض، بل تتعرض إلى انهيار اقتصادي وإفلاس مالي، ولا يحتاج الأمر إلى دراسات طويلة، فالسبب الذي جعل ألمانيا تنهض هو نفسه السبب الذي جعل إندونيسيا تفشل، إنه الإنسان، فالإنسان الإندونيسي لا يتملك تلك الروح الوثابة التي تطارد قيم العمل أينما وجدت، بل إن الاتكالية والكسل هي ثياب إرادته.

 

مما سبق نصل إلى نتيجة سلسلة وهي أنه لا يمكن القفز على الحقائق التي ذكرها الإسلام في تجاوز التخلف، ومحاولة النهوض الحضاري، فالإسلام يوضح بشكل باهر أن العمل قيمة ضرورة لأي نجاح حضاري، وأن الحديث عن الكفاءة ثرثرة إذا لم يستند إلى حقيقة وجود قيم العمل في المجتمع. ولا غنى لأحدهما عن الآخر، فالوصول إلى الريادة يستلزم وجود خطين متوازيين الأول يسمى بخط العمل، والثاني بخط الكفاءة، وأي انحراف في الخطين فإنه ينتج نتائج غير سليمة.

 

المبشرون بالجنة والكفاءة:

تحدثنا عن مثاليين معاصرين عن أهمية الكفاءة المربوطة بقيم العمل، وحتى نؤكد على أهمية المعادلة التي وضعها في مجال صناعة الحضارة، فإننا هنا نورد أمثلة واقعية وتاريخية، إلى ما يمكن أن تصنعه هذه القيم التي يحفل بها الكتاب العزيز، فعند التأمل في حياة العشرة المبشرين بالجنة نجد حقائق غاية في الأهمية، فقد كان أغلبهم من أغنياء الصحابة، حيث يذكر الشاطبي أن ابا بكر الصديق -رضي الله عنه- أفلس أربع مرات بسبب تصدقه بكل ما يملك، وقد قبل منه النبي –عليه الصلاة والسلام- ذلك لأنه يدرك طبيعة هذا الرجل العظيم، فقيم العمل والكفاءة التي تضاف إليه قوة إيمانه وصبره تشكل سندا قويا لعودته إلى حالة الغنى، وإشارة النبي عليه الصلاة والسلام- إلى دخول أبي بكر الصديق الجنة من أبوابها الثمانية دليل قاطع على أن الكفاءة في حياته كان من أبرز خصاله، وحتى لا يظن أن هذا في صحابي واحد فقط، فإن المتأمل في حياة عثمان بن عفان يجده أهم ممول للأوقاف والغزوات، وأما عبد الرحمن بن عوف فكان نجاحه في مجال الأعمال والمال عجيبا، والأرقام التي جاءت في سيرته باهرة بحق، فمثلا أعتق ثلاثين ألف بيت، وتصدق عام الرمادة بمئة وعشرين ألف رأس من الماشية؛ ومن الأقوال التي تبيّن كفاءته ما جاء في كتاب "فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب" في الفصل الذي يتناول سيرة عبد الرحمن بن عوف، قال طلحة بن عبد الله بن عوف: "كان أهل المدينة عيالًا على عبد الرحمن بن عوف: ثلث يقرضهم ماله، وثلث يقضي دينهم، ويصل ثلثًا" ولاشك أن رجلا جاء إلى المدينة مهاجرا وقد سلب منه قومه كل ما يملك ثم يصبح أحد أغنى أغنياء زمانه رجل تحققت فيه قيمة الكفاءة.

 

أما طلحة بن عبيد الله فيكفي ذكر بعض ترجمته عند الذهبي في سير أعلام النبلاء حيث يقول: "كان طلحة ذو ثراء فكان غلته كل يوم ألف ألف، فكان غلته بالعراق أربع مائة ألف، وغلته بالسراة نحو عشرة آلاف دينار، وبالأعراض له غلاّتٌ، ولما مات ترك ألفي ألف درهم ومائتي ألف درهم، ومن الذهب مائتي ألف دينار، وثلاث مائة حمل من الذهب، وقوام أصوله وعقاره ثلاثين ألف ألف درهم".

 

إن ذكر هذه النماذج يهدف إلى ضبط حقيقة لطالما اشتكى الكثير من المصلحين من تغييبها عند تربية الناشئة، فالصورة النمطية التي اختزلت فيها حياة الصحابة الكرام –رضوان الله عليهم- أنهم كانوا زهادا وفقط، مع التركيز على المعنى السلبي للزهد الذي يعني ترك الدنيا، بينما المعنى الذي عهد عن الصحابة المرضي عنهم، أن معناه ترك الحرام، وعدم التفاخر بالأعمال. بينما تشير كتب السير إلى أن الصحابة وخاصة المبشرين بالجنة كانوا مثالا في النجاح، والإسلام دين يسعد بالمؤمن القوي في مجاله، والناجح في دنياه، الذي لا يكون عالة على المجتمع، ولم تأت مصائبنا الكبرى إلا من كثرة من يعتبرون عالة على المجتمع، فكل فرد فاشل في المجتمع البشري يشكل قنبلة عنقودية تحمل في طياتها آفات خطيرة، واستعدادات نفسية هائلة لأحداث الفساد في دنيا الناس.

 

 وبعد هذا العرض فإننا ندعو الخطباء في العالم الإسلامي إلى مخاطبة الناس حول أهمية الكفاءة في حياة الفرد والمسلم، خاصة أنهم يواجهون يوميا وكل أسبوع مختلف فئات المجتمع المسلم، وليخبروهم أن الإسلام بأحكامه ومنظومته الكاملة يسعى إلى صناعة الفرد الناجح في الدنيا والآخرة، ويعطي للعمل بعدا عميقا، وقداسة معروفة، ودليل ذلك تشجيعه على العمل حتى لو قامت الساعة.

 

.. يتبع

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات