طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||

ملتقى الخطباء

(2٬304)
1145

إمام الحنفاء يحرق بالنار !!

تاريخ النشر : 1429/10/27
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

صاحت السماء والأرض وما فيها من الخلق إلاّ الثقلين إلى الله صيحة واحدة: أي ربّنا إبراهيم ليس في أرضك من يعبدك غيره يحرق بالنار !!!

لما أراد الله عز وجل أن يبعث إبراهيم حجة على خلقه ورسولاً إلى عباده ولم يكن فيما بينه وبين نوح نبيّ إلا هود وصالح، فلمّا تقارب زمان إبراهيم أتى أصحابُ النجوم نمرود فقالوا له: إنها نجد غلاماً يولد في قريتك هذه يقال له إبراهيم يفارق دينكم ويكسّر أصنامكم في شهر كذا من سنة كذا، فلمّا دخلت السنة التي ذكروا حبس نمرود الحبالى عنده إلاّ أم إبراهيم فإنه لم يعلم بحبلها لأنه لم يظهر عليها أثره، فذبح كلّ غلام ولد في ذلك الوقت، فلمّا وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلاً إلى مغارة وكانت قريبة منها فولدت إبراهيم وأصلحت من شأنه ما يصنع بالمولود ثم سدّت عليه المغارة ثم سعت إلى بيتها راجعة، ثمّ كانت تطالعه لتنظر ما فعل، فكان يشبّ في اليوم ما يشبّ غيره في الشهر، وكانت تجده حيّاً يمصّ إبهامه جعل الله رزقه فيها.
وكان آزر قد سأل أمّ إبراهيم عن حملها فقالت: ولدتُ غلاماً فمات، فصدّقها، وقيل: بل علم آزر بولادة إبراهيم وكتمه حتى نسي الملك ذكر ذلك ، فقال آزر: إنّ لي ابناً قد خبأته أفتخافون عليه الملك إن أنا جئت به؟ فقالوا: لا، فانطلق فأخرجه من السرب، فلما نظر إلى الدواب وإلى الخلق، ولم يكن رأى قبل ذلك غير أبيه وأمه، جعل يسأل أباه عما يراه، فيقول أبوه: هذا بعير أو بقرة أو غير ذلك، فقال: ما لهؤلاء الخلق بدّ من أن يكون لهم ربّ …
وكان آزر يصنع الأصنام التي يعبدونها ويعطيها إبراهيم ليبيعها، فكان إبراهيم يقول: من يشري ما لا يضرّه ولا ينفعه؟ فلا يشتريها منه أحد، وكان يأخذها وينطلق بها إلى نهر فيصوّب رؤوسها فيه ويقول: اشربي استهزاء بقومه، حتى فشا ذلك عنه في قومه، غير أنّه لم يبلغ خبره نمرود، فلمّا بدا لإبراهيم أن يدعو قومه إلى ترك ما هم عليه ويأمرهم بعبادة الله تعالى دعا أباه إلى التوحيد فلم يجبه، ودعا قومه فقالوا: من تعبد أنت؟ قال: ربّ العالمين، قالوا: نمرود؟ قال: بل أعبد الذي خلقني، فظهر أمره، وبلغ نمرود أنّ إبراهيم أراد أن يري قومه ضعف الأصنام التي يعبدونها ليلزمهم الحجّة، فجعل يتوقّع فرصة ينتهي بها ليفعل بأصنامهم ذلك، فنظر نظرة في النجوم فقال: إنيّ سقيم، أي طعين، ليهربوا منه إذا سمعوا به، وإنما يريد إبراهيم ليخرجوا عنه ليبلغ من أصنامهم، وكان لهم عيد يخرجون إليه جميعهم، فلما خرجوا قال هذه المقالة فلم يخرج معهم إلى العيد وخالف الى أصنامهم وهو يقول: (وتالله لأكيدنّ أصنامكم) فسمعه ضعفاء الناس ومن هو في آخرهم، ورجع إلى الأصنام وهي في بهو عظيم بعضها إلى جنب بعض كلّ صنم يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو وإذا هم قد جعلوا طعاماً بين يدي آلهتهم وقالوا: نترك الآلهة إلى حين نرجع فتأكله، فلما نظر إبراهيم إلى ما بين أيديهم من الطعام قال: (ألا تأكلون؟) فلما لم يجبه أحد قال: (مالكم لا تنطقون؟ فراغ عليهم ضرباً باليمين) ، فكسرها بفأس في يده حتى إذا بقي أعظم صنم منها ربط الفأس بيده ثمّ تركهنّ.
فلما رجع قومه ورأوا ما فعل بأصنامهم راعهم ذلك وأعظموه وقالوا: (من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا: سمعنا فتىً يذكرهم يقال له إبراهيم) يعنون يسبّها ويعيبها، ولم نسمع ذلك من غيره وهو الذي نظنّه صنع بها هذا، وبلغ ذلك نمرود وأشراف قومه، فقالوا: (فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون) ما نفعل به، وقيل: يشهدون عليه، كرهوا أن يأخذوه بغير بيّنة، فلما أُتي به واجتمع له قومه عند ملكهم نمرود وقالوا: (أأنت فعلت هذا بآلهتنها يا إبراهيم؟ قال: بل فعله كبيرهم هذا، فاسألوهم إن كانوا ينطقون) ، غضب من أن يعبدوا هذه الصغار وهو أكبر منها فكسرها، فارعووا ورجعوا عنه فيما ادّعوا عليه من كسرها إلى أنفسهم فيما بينهم فقالوا: لقد ظلمناه وما نراه إلاّ كما قال، ثم قالوا، وعرفوا أنها لا تضرّ ولا تنفع ولا تبطش: (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) ، أي لا يتكلمون، فتخبرنا من صنع هذا بها وما تبطش بالأيدي فنصدّقك، يقول الله تعالى: (ثم نكسوا على رؤوسهم) في الحجة عليهم لإبراهيم، فقال لهم إبراهيم عند قولهم (ما هؤلاء ينطقون): (أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم أُفّ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون) .
ثم إنّ نمرود قال لإبراهيم: أرأيت إلهك الذي تعبد وتدعو إلى عبادته ما هو؟ قال: (ربي الذي يحي ويميت) ، قال نمرود: أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم: وكيف ذلك؟ قال: آخذ رجلين قد استوجبا القتل فأقتل أحدهما فأكون قد أمته وأعفو عن الآخر فأكون قد أحييته، فقال إبراهيم: (إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت) عند ذلك نمرود ولم يرجع إليه شيئاً، ثمّ إنه وأصحابه أجمعوا على قتل إبراهيم فقالوا: (حرقوه وانصروا آلهتكم) .
قال عبد الله بن عمر: أشار بتحريقه رجل من أعراب فارس، قيل له: وللفرس أعراب؟ قال: نعم، الأكراد هم أعرابهم، قيل: كان اسمه هيزن فخسف به فهو يتجلجل فيها الى يوم القيامة.
فأمر نمرود بجمع الحطب من أصناف الخشب حتى إن كانت المرأة لتنذر بأن بلغت ما تطلب أن تحتطب لنار إبراهيم، حتى إذا أرادوا أن يلقوه فيها قدّموه وأشعلوا النّار حتى إن كانت الطير لتمرّ بها فتحترق من شدّتها وحرّها، فلمّا أجمعوا لقذفه فيها صاحت السماء والأرض وما فيها من الخلق إلاّ الثقلين إلى الله صيحة واحدة: أي ربّنا إبراهيم ليس في أرضك من يعبدك غيره يحرق بالنار فيك فأذن لنا في نصره قال الله تعالى: إن استغاث بشيء منكم فلينصره وإنه لم يدعُ غيري فأنا له، فلما رفعوه على رأس البنيان رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهمّ أنت الواحد في السماء وأنت الواحد في الأرض، حسبي الله ونعم الوكيل، وعرض له جبرائيل وهو يوثق فقال: ألك حاجة يا إبراهيم؟ قال: أما إليك فلا.
فقذفوه في النّار فناداها فقال: (يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم) ، وقيل: ناداها جبرائيل، فلو لم يتبع بردها سلام لمات إبراهيم من شدة بردها، فلم يبق يومئذٍ نارٌ إلاّ طفئت ظنت أنها هي، وبعث الله ملك الظلّ في صورة إبراهيم فقعد فيها إلى جنبه يؤنسه.
فمكث نمرود أياماً لا يشكّ أن النار قد أكلت إبراهيم، فرأى كأنه نظر فيها وهي تحرق بعضها بعضاً وإبراهيم جالس إلى جنبه رجل مثله، فقال لقومه: لقد رأيتُ كأنّ إبراهيم حيّ ولقد شبّه عليّ، ابنوا لي صرحاً يشرف بي على النار، فبنوا له وأشرف منه فرأى إبراهيم جالساً وإلى جانبه رجل في صورته، فناداه نمرود: يا إبراهيم كبيرٌ إلهك الذي بلغت قدرته وعزّته أن حال بينك وبين ما أرى، هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم، قال: أتخشى إن أقمت فيها أن تضرك؟ قال: لا، فقام إبراهيم فخرج منها، فلما خرج قال له: يا إبراهيم من الرجل الذي رأيت معك مثل صورتك؟ قال: ذلك ملك الظل أرسله إليّ ربي ليؤنسني، قال نمرود: إني مقرّب إلى إلهك قرباناً لما رأيت من قدرته وعزّته وما صنع بك حين أبيت إلا عبادته.
فقال إبراهيم: إذاً لا يقبل الله منك ما كنت على شيء من دينك، فقال: يا إبراهيم لا استطيع ترك ملكي، وقرّب أربعة آلاف بقرة وكفّ عن إبراهيم ومنعه الله منه، وآمن مع إبراهيم رجال من قومه حين رأوا ما صنع الله به على خوف من نمرود وملئهم، وآمن له لوط بن هاران، وهو ابن أخي إبراهيم، وكان لهم أخ ثالث يقال له ناخور بن تارَخ، وهو أبو بتويل، وبتويل أبو لابان وأبو ربقا امرأة إسحاق بن إبراهيم أمّ يعقوب، ولابان أبو ليا وراحي زوجتي يعقوب، وآمنت به سارة، وهي ابنة عمّه، وهي سارة ابنة هاران الأكبر عمّ إبراهيم، وقيل: كانت ابنة ملك حرّان فآمنت بالله تعالى مع إبراهيم. وللقصة تتمة بإذن الله تعالى…

بتصرف من اللجنة العلمية
وللاستزادة انظر الكامل لابن الأثير (1/82)

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات