طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الأحـداث التاريخية > شخصيات تاريخية > السلطان “تيبو” نمر ميسور

ملتقى الخطباء

(832)
1330

السلطان “تيبو” نمر ميسور

تاريخ النشر : 1439/02/05
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

كان “تيبو” بجانب جنديته وشجاعته وموهبته الفطرية في القيادة ومواجهة الخصوم؛ كان أديباً يحب الشعر، ويجيد عدة لغات منها الإنجليزية والفرنسية، مولعاً بالهندسة والاختراعات الحديثة، خاصة في السلاح وفنون القتال، حتى أن “تيبو” يعتبر أول…

السلطان “تيبو” نمر ميسور آخر عظماء الهند:

لا تزال بلاد الهند بتاريخها وأساطيرها وحكاياتها وعبق أحداثها الكبرى سحراً يستهوي الكثيرين من الباحثين والمؤرخين من الشرق والغرب، فبلاد الهند كانت مسرحاً لحضارات متتالية من أقدم وأعرق وأكبر الحضارات الإنسانية، وشهدت تفاعلات بشرية مثيرة، وصدامات أممية كبرى، فالتوسط الجغرافي الفريد، والتنوع العرقي والديني الواسع، والتضاريس المتنوعة، والضخامة المساحية جعلت بلاد الهند هدفاً مستمراً لكل الأمم والدول والحضارات، ومنهم بالطبع الأمة والحضارة الإسلامية.

 

وقد عرف العرب بلاد الهند قبل الإسلام وخبروها جيدًا للروابط التجارية بين الطرفين، فلما تشرَّف العرب بالإسلام، وحملوا أمانة التكليف ومسؤولية نشر الرسالة والدعوة في أرجاء المعمورة، فحملوا سيوفهم على عواتقهم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وكان أمام المسلمين عقبة كؤود قبل الوصول إلى بلاد الهند، وهي عقبة الدولة الفارسية، لذلك لم يكد المسلمون أن يقضوا على هذه العقبة حتى يمموا نواصي خيولهم ناحية بلاد الهند.

 

وصل المسلمون إلى بلاد الهند ووطئوا أرضها في أيام الراشدين وتحديدًا سنة 15 هـ أيام الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عندما أغار الحكم بن أبي العاص الثقفي على مدينة: “تانه” شمال مدينة بومباي، ومن يومها أخذ المسلمون يغيرون على أطراف الهند مرة بعد مرة ولا يستقرون بأي بلد يغيرون عليه حتى استقرت أوضاع الدولة الأموية بعد صراعات داخلية طويلة.

 

وفي سنة 89 هـ بدأت أولى الحملات الكبرى على بلاد الهند حيث استطاع القائد محمد بن القاسم أن يفتح بلاد السند وقتل ملكها الغادر “داهر”.

 

في أيام الدولة العباسية اهتزت مكانة المسلمين في الهند بسبب انتشار الأفكار الهدامة والعصبية القبلية التي اجتاحت بلاد ما وراء النهر، وقامت عدة إمارات مستقلة داخل الهند معظمها من الباطنية الإسماعيلية، واستمر هذا الوضع المفكك حتى ظهور الدولة الغزنوية وسلطانها الكبير محمود بن سبكتكين سنة 391 هـ، وقد نذر نفسه للجهاد في سبيل الله، فدخل بلاد الهند عن طريق ممر خيبر الشهير ففتح بلادًا واسعة لم يفتحها المسلمون من قبل، وهدم معبد: “سومنات” وثن الهنود الأكبر، وظلت الدولة الغزنوية تحكم الهند حتى سنة 555 هـ.

 

ثم قامت بعدها الدولة الغورية وهي التي فتحت بلاد البنغال ودهلي، وأسسوا أول سلطنة إسلامية مستقرة وثابتة بالهند سنة 602 هـ.

 

ثم تعاقبت الدول الإسلامية على حكم بلاد الهند مثل دولة “إيلتمش” 607 هـ – 664 هـ، ثم دولة “بلبن” 664هـ – 689 هـ، ثم دولة الخلج 689 هـ – 720 هـ، ثم دولة آل تغلق 720 هـ – 815 هـ، ثم دولة آل خضر 815 هـ – 855 هـ، ثم دولة اللودي من سنة 855 هـ – 932 هـ، ولم تكن تلك الدول كلها تحكم بلاد الهند جميعًا ولكن قامت العديد من الإمارات الموازية في مناطق وأقاليم الهند الواسعة مثل كشمير والملتان والكوجرات والبنغال وجانبور وهضبة الدكن، وحكم الإسلام للهند في تلك الفترة أشبه ما يكون بحكم ملوك الطوائف بالأندلس، وقد لاقت تلك الدول نفس مصير دولة الطوائف بالأندلس، إذ ظهرت الأسرة المغولية بقيادة محمد بابر شاه سنة 932 هـ، ووحدت الهند تحت راية واحدة، وقامت دولة المغول الإسلامية في الهند، وهي التي ظلت تحكم البلاد حتى سقوطها في قبضة الاحتلال الإنجليزي الصليبي.

 

تاريخياً؛ الإنجليز هم أساتذة المكر والدهاء وأخطر المحتلين لبلاد الإسلام، نظرًا لاتباعهم سياسات خبيثة ومتنوعة في احتلال البلاد مكنتهم من إقامة إمبراطورية ضخمة يضرب بها المثل السائر أنها إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، على الرغم من صغر مساحة إنجلترا وقلة عدد سكانها وفقرها الشديد في الموارد الطبيعية، ولكن بالمكر والخداع والصبر وطول النفس سيطروا على أجزاء كبيرة من المعمورة، وذلك في القرنين الثامن والتاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين الميلادي.

 

دخل الإنجليز لأول مرة بلاد الهند على هيئة شركات تجارية لنقل البضائع من الهند إلى أوروبا، وقد اجتمع كبار تجار إنجلترا مع محافظ مدينة لندن سنة 1008 هـ، وقرروا تأسيس شركة تجارية تتعامل مع حكومة الهند “سلطان المغول” مباشرة دون وساطة البرتغاليين، فأرسلت ملكة إنجلترا وقتها إلى السلطان جلال الدين أكبر تستأذنه في ذلك، فأذن لهم، فتكونت شركة تجمع كبار التجار الإنجليز، وهي التي ستصبح بعد فترة من الزمان شركة الهند الشرقية، المشهورة في التاريخ بأنها واجهة الاحتلال الإنجليزي في المنطقة بأسرها.

 

رحب أهل البلاد بالإنجليز في بادئ الأمر كراهية منهم للبرتغاليين شديدي الصليبية وأنشأت المراكز التجارية في سورات وجوكوندا ومدراس وكلكتا، فلما تولى السلطان نور الدين محمد جهان كير السلطنة سنة 1014 هـ / 1605 م أراد الاستفادة من دخول الإنجليز سواحل الهند، فأغراهم بالبرتغاليين فاشتبكوا معهم في أعالي البحار، وأنزلوا بهم هزائم كبيرة أسعدت سلطات الهند فأعطاهم حقوقًا على سواحل الهند مهدت لهم السبيل للسيطرة على البلاد كلها فيما بعد.

 

أدرك الإنجليز بأن سلطنة المغول الإسلامية وسلطان دهلي القوة الحقيقية والفاعلة في الهند، فساروا على خطة التقرب من سلاطين دهلي ومحالفتهم ضد خصومهم من البرتغاليين والإمارات الهندوسية في جنوبي الهند، وفي المقابل توسع سلاطين دهلي في الاعتماد على القوة الإنجليزية نظير منح الامتيازات التجارية وبناء المراكز التجارية التي ستصبح فيما بعد قواعد الاحتلال الإنجليزي للبلاد.

 

أخذ الضعف يدب في سلطنة المغول في الهند، وتصارع أمراؤها على الحكم، وأخذ الهندوس يرفعون رؤوسهم في هضبة الدكن والبنغال، وأخذت عرى الدولة الكبيرة في الانفصام، الإقليم تلو الإقليم، وأخذ ولاة الأقاليم والقادة الكبار في الانفصال بأجزاء السلطنة، وذلك بسبب ضعف السلطة المركزية عن التصدي لثورات الهندوس والسيخ والمراتها.

 

ومن أبرز الإمارات التي ظهرت في تلك الفترة: إمارة نظام الملك في حيدر آباد الدكنية، وإمارة ميسور في جنوب شرق الهند، وتلك الإمارات هي التي ستتولى محاربة الإنجليز والهندوس وقيادة الجهاد المسلح ضدهم.

 

وفي إمارة ميسور كانت قصة واحد من أكبر قادة الهند المخلصين وعظمائهم في الطور الأخير لدولة الإسلام في الهند، ونقصد به آخر سلاطين المسلمين الكبار السلطان “تيبو” بن حيدر علي سلطان إمارة ميسور، والملقب ب “نمر ميسور” لكثرة ما أثخن في المحتل الإنجليزي.

 

التعريف به:

هو السلطان العظيم والبطل المجاهد والنمر الضاري والأسد العادي باد شاه نسيب الدولة فاتح علي خان بن الأمير الكبير حيدر علي خان، سلطان ميسور وآخر رجال الهند الأقوياء والذي دوخ الإنجليز وقهرهم لسنوات طويلة حتى لقبوه بنمر ميسور من شدة فتكه بالجيوش الإنجليزية خلال حكمه لجنوب شرق الهند.

 

ولد “تيبو” في 10 نوفمبر سنة 1750 م في إمارة ميسور في جنوب شرق الهند في بيت دين وجهاد واعتزاز، فأبوه الأمير حيدر علي خان كان قائداً عسكرياً في جيش ميسور، فلما ضعفت السلطة المركزية لدولة سلاطين المغول فكر الهندوس -وكانوا أغلبية في ميسور- في الاستقلال بميسور، ولكن قبل أن يضربوا ضربتهم أسرع أحد قادة المسلمين واسمه “حيدر علي خان”، واستلم السلطة بالقوة وقضى على معظم زعماء الهندوس، وأحكم قبضته على “ميسور”، وأخذ في توسيع بلاده حتى ضم معظم جنوب الهند، ووصلت حدود دولته إلى بلاد مدراس على ساحل خليج البنغال.

 

ظل الأمير حيدر على خان يحارب الإنجليز وحلفائهم الهندوس عدة سنوات ويوقع بهم الهزائم المتتالية حتى تعرض لخيانة من جانب الفرنسيين الذين وعدوه بالسلاح في معركته الأخيرة ضد الإنجليز، فهُزم هزيمة شديدة مات بعدها من الحزن والغم، فخلفه ولده البطل “تيبو” وكان وقتها شاباً يافعاً في الثامنة عشر من العمر.

 

مواهب “تيبو” واختراعاته وإصلاحاته:

كان “تيبو” بجانب جنديته وشجاعته وموهبته الفطرية في القيادة ومواجهة الخصوم، كان أديباً يحب الشعر، ويجيد عدة لغات منها الإنجليزية والفرنسية، مولعاً بالهندسة والاختراعات الحديثة خاصة في السلاح وفنون القتال، حتى أن “تيبو” يعتبر أول من اخترع واستخدم الصواريخ القتالية.

 

يعتبر كلاً من حيدر علي و”تيبو سلطان” روادا في استخدام المدفعية كتقنية صاروخ وقود صلب أو كقذائف للاستخدام العسكري.

 

قام “تيبو” سلطان ووالده حيدر علي بتطوير تكتيكاً عسكرياً، حيث كان يستخدم الهجمات العشوائية بألوية الصواريخ على تشكيلات المشاة.

 

كتب “تيبو” سلطان كتيباً إرشادياً عسكرياً يسمى: فتح المجاهدين، والذي خُصص فيه 200 رجل صواريخ لكل كاشون -لواء بالجيش الميسوري-.

 

كان لدى ميسور من 16 إلى 24 كاشون مدفعية.

 

المناطق التي كانت تصنع فيها الصواريخ والألعاب النارية من البلدة كانت تسمى: “تاراماندال پت” أو “سوق المجرة”، ولم تصل هذه التقنية إلى أوروبا إلى بعد وفاة “تيبو”.

 

وكان بدء ترسانة وول‌ ويتش الملكية في برنامج بحث وتطوير الصواريخ العسكرية عام 1802 كان معتمداً على التقنية القادمة من ميسور.

 

كان رجال الصواريخ مدربين على إطلاق صواريخهم بزاوية محسوبة من قطر الإسطوانة وبعد الهدف.

 

بالإضافة إلى ذلك كانت منصات إطلاق الصواريخ المثبتة على عجلات قادرة على إطلاق من خمس إلى عشر صواريخ في وقت واحد تقريباً عند استخدامها في الحرب.

 

كانت تلك الصواريخ مختلفة في الحجم، لكنها كانت عادة ما تحتوي أنبوب من الحديد المطروق اللين بطول 8 بوصات تقريباً وقطر 1½ – 3 بوصة، قريبة من إحدى طرفي الأنبوب ومثبتة بعمود خيزران بطول 1 متر تقريباً.

 

كان الأنبوب الحديدي يعمل كغرفة احتراق ويحتوي على مادة دافعة عبارة عن مسحوق أسود مغلف.

 

يحمل الصاروخ ما يقارب طن من المسحوق، ويمكن أن يصل مداه إلى 1.000 ياردة.

 

في المقابل لم تكن الصواريخ في أوروبا مغلفة بالحديد، ونتيجة لذلك، ولم يكن في قدرتها الوصول لمسافات طويلة.

 

أما في المجالات الأخرى، فقد سعى “تيبو” لتأسيس مملكة على الطراز الحديث فأدخل إصلاحات إدارية وتنظيمية واسعة في المجال الاقتصادي والزراعي وأيضا الاجتماعي، فقد كانت منطقة ملبار وجنوب شرق الهند مليئة بالبدع والخرافات والعادات الموروثة من الثقافة الهندوسية، فلما تولى “تيبو” وكان ذا عاطفة إسلامية جياشة قام بمحاربة هذه البدع والضلالات والشركيات ومنعها بقوة.

 

كما حارب الاستغلال الاقتصادي الذي انتشر في ربوع الهند كلها بسبب السياسات الاستعمارية للإنجليز وذراعها الاقتصادي الشهير: شركة الهند الشرقية.

 

قسّم “تيبو” إمارة ميسور لسبع أقاليم إدارية ووضع نظاماً مالياً مستقلاً، ونظّم الضرائب على الأراضي والتجارة بصورة قضت على احتكار كبار الملاك، وأنشأ شركة تجارية كبيرة لتنافس شركة الهند الشرقية الإنجليزية، وجعل هذه الشركة ملكاً وطنياً لعموم سكان ميسور بعد أن قسّم رأس مالها إلى أسهم وطرحها للاكتتاب كما يحدث في بورصات اليوم، كما توسع في بناء المصانع خاصة مصانع النسيج والأخشاب للاستفادة من الثروة الطبيعة لهذه الخامات في بلاده، وشجع المواطنين على العمل بهذه المصانع، وكان يهدف من وراء ذلك تأسيس قاعدة شعبية منتجة وقادرة على التصنيع والابتكار، وسك العملة، حتى عمّ الرخاء في أيامه على الرغم من الحروب المستمرة بينه وبين الإنجليز والهندوس.

 

عداء “تيبو” للهندوس والإنجليز:

كما قلنا من قبل كان “تيبو” يتمتع بعاطفة إسلامية جياشة وقوية، وكان ينظر للاحتلال الإنجليزي على أنه احتلال صليبي يستهدف المسلمين في المقام الأول، فلقد كان السلطان “تيبو” مجاهدًا باسلاً مخلصًا يبتغي من جهاده وجه الله -عز وجل- ويخطط لطرد الإنجليز من عموم البلاد ليس من البنغال وميسور فقط، ولكنه كان أمام واقع قائم في ميسور شديد الالتباس، فكثير من سكان ميسور من الهندوس أعوان الإنجليز وأعداء المسلمين، وكانوا شديدي العداوة ل”تيبو” بسبب حماسته الدينية ومحاربته لبدع وضلالات البراهمة، وإبطاله لكثير من عاداتهم وطقوسهم، فثاروا عليه عدة مرات، وقام هندوس البيهار في جنوب الهند بمحاربته عدة مرات، وكانوا يمثلون مع الإنجليز فكي الكماشة ضد “تيبو” وميسور.

 

لذلك كله ولخيانات الهندوس المتتالية، وقبل أن يتحرك “تيبو” نحو محاربة الإنجليز ألزم الهندوس في بلاده الإسلام وإلا الطرد أو القتل.

 

وهذا الأمر ليس من باب إكراه الناس على الدين، ف”تيبو” كان يؤسس دولة إسلامية، ودولة الإسلام كما لا تقبل إكراه أحد على الإسلام، لا تقبل أبدًا وبأي حال من الأحوال وجود مشركين أو وثنيين تحت مظلتها، فإما الإسلام وإما أهل الكتاب، وما عدا ذلك مرفوض تمامًا داخل الدولة المسلمة.

 

جهاد “تيبو” ضد الإنجليز:

ميسور كانت تمثل في أواخر القرن الثامن العشر العقبة الكؤود أمام الاحتلال الإنجليزي لبلا الهند، فقد كانت معقل الثورة وموئل المسلمين المجاهدين، وحصن الإسلام الأخير في بلاد طالما حكمها المسلمون وأقاموا على أرضها حضارة عظيمة، لذلك اختص الإنجليز ميسور بحروب متتالية عرفت تاريخياً باسم “حروب ميسور”، وكانت ثلاثة حروب استمرت أكثر من عشرين سنة متصلة من أيام الأمير حيدر خان والد “تيبو” حتى استشهاد البطل المغوار “تيبو”.

 

بعد انتصار الإنجليز في حربهم الأولى ضد ميسور سنة 1782 م / 1196 هـ، ظن الإنجليز أن الساحة قد خلت لهم لتوغلهم داخل مملكة ميسور الواسعة، ولكنهم اصطدموا بنمر ميسور الجديد “”تيبو”” الذي قرر مواصلة الجهاد ضد المحتل الإنجليزي، فشن حرباً ضارية ضد معسكرات الإنجليز في الأماكن التي احتلوها من مملكة ميسور، فهاجم قلعة سيرا، وانتصر على حاكم مالابار المتحالف مع الإنجليز، واستعاد مدن كورج وبدنور وكرناتيك وترافنكور، ونجح بفضل الله -عز وجل- ثم صواريخه الجديدة أن يطرد الإنجليز من كل البقاع التي احتلها الإنجليز.

 

وقد عرفت هذه الحرب باسم حرب الانجلو ميسور الثانية، وذلك سنة 1784 م، وأجبر الإنجليز على توقيع معاهدة صلح مذلة مع السلطان “تيبو” الذي رفض التصالح معهم في بادئ الأمر، وعندما وردت عليه رسل الإنجليز للتصالح بعد الحرب الثانية رد عليهم رداً تاريخياً يعتز به كل مسلم على مر العصور حيث قال: “والله لا أصالحهم أبداً حتى يخرجوا من الهند كلها، وتعود بلاد الهند إلى سالف عهدها، كلها لله خالصة”.

 

والأكثر من ذلك أن السلطان “تيبو” فكر في التحالف مع إمارة حيدر آباد وكانت إمارة كبيرة وقوية وثرية وحاكمها مسلم، ولكنه من طراز حكام اليوم يؤثر التحالف مع الإنجليز على التحالف مع جيرانهم المسلمين، ورسالته إلى نظام على خان حاكم حيدر آباد تكشف عن نفسية مؤمنة صادقة، إذ قال له محفزاً له على الاشتراك معه في قتال الإنجليز: “إني أريد أن تكون للمسلمين قوة وغلبة في الهند، وأريد أن أضحي بنفسي ومالي في سبيل الله وفي سبيل الإسلام، وأقصى غايتي أن أجمع شمل المسلمين، فيجب على المسلمين أن يعاونوني في هذا دون أن يكونوا ظهيرا للكفار”، ولكن هيهات هيهات أن تؤثر مثل هذه الكلمات البليغة في قلوب ملئت بحب الدنيا وكراهية الموت.

 

عند ذلك قام “تيبو” بغزو الولايات المجاورة، كما أنهى التمرد الذي كان يحدث في مقاطعاته واضعًا السكان كافة في الحبس في منطقة سيرنجاباتام، وظل جيشه صامدًا أمام جيش البريطانيين حتى تجدد التصادم مرة أخرى؛ فأقدم “تيبو” على غزو حلفاء البريطانيين في مدينة ترافنكور في عام 1798 م.

 

كان هذا الهجوم إيذاناً باندلاع الحرب الانجلو ميسوري الثالثة، فحشد الإنجليز أمهر قادتهم وتحالفوا مع نظام علي خان أمير حيدر آباد الخائن لدينه ووطنه، والهندوس في مليبار والبنغال للهجوم المشترك على “تيبو” وجيوشه من الشمال والجنوب، وبالفعل أثمر تحالف الغدر والخيانة عن هزيمة كبيرة ل”تيبو” واضطر للانسحاب من نصف أراضيه.

 

العلاقة بين نابليون بونابرت والسلطان “تيبو”:

انتصارات “تيبو” الساحقة ضد الإنجليز وابتكاراته القتالية وصواريخه المرعبة دفعت نابليون بونابرت للتفكير في التحالف معه لطرد الإنجليز من الهند.

 

فقد كانت أحد دوافع نابليون لغزو مصر كان إنشاء ارتباط مع الهند ضد البريطانيين.

 

طمح نابليون لتأسيس وجود فرنسي في الشرق الأوسط، وكان حلمه الأقصى هو الارتباط مع السلطان “تيبو”، فقد جاء في مذكرات نابليون قوله: “أنه بمجرد فتحه مصر، فسوف يقيم العلاقات مع الأمراء الهنود، ومعهم سوف يهاجم الإنجليز في ممتلكاتهم”.

 

وحسب تقرير في 13 فبراير 1798 من: “أما وقد احتللنا مصر وحصناها، فسوف نرسل قوة من 15,000 رجل من السويس إلى الهند، لتنضم لقوات “تيبو” -صاحب ويطرد الإنجليز”.

 

إلا أن طموحات نابليون ذهبت أدراج الرياح بعد هزيمته في مصر والشام.

 

ومعنى ذلك: أن “تيبو” لم يسع لهذا الحلف إنما عُرض عليه فقبله للاستفادة من الخلاف التاريخي بين إنجلترا وفرنسا، وليس معنى هذا الكلام أن “تيبو” أيد احتلال فرنسا لمصر، ذلك لأن “تيبو” كان على علاقات طيبة مع الدولة العثمانية التي كانت مصر وقتها إحدى ولاياتها.

 

استشهاد السلطان “تيبو”:

بعد الانتصارات الكبيرة التي حققها الإنجليز وحلفاؤهم من خونة المسلمين وكفار الهندوس، وفقدان “تيبو” لكثير من أراضيه قرر الإنجليز القضاء نهائياً على السلطان وتصفية مركز المقاومة في ميسور ولكنهم فوجئوا بكثافة جيوش “تيبو” واستعداده الدائم لمواجهتهم إضافة لتطويره صواريخ جديدة أوقعت خسائر كبيرة بالهندوس عند تمردهم ضد “تيبو” آخر مرة.

 

فقرر الإنجليز اللجوء إلى سلاحهم المفضل الذي يجيدونه أكثر من غيرهم؛ سلاح الغدر والخيانة والعمالة.

 

فبعد حرب الانجلو ميسور الثالثة انصرف “تيبو” إلى تدبير أمور دولته ومعالجة مواطن الخلل فيها، أمر أن اللغة الفارسية اللغة الرسمية في مملكته، وبنيت المساجد في كل قرية ومدينة في حكمه وعين المؤذن والقاضي، كما أن السلطان أقبل على تعليم المسلمين، فعين المدرسين في المساجد لتعليم أطفال المسلمين، وكان السلطان يصل ليله بنهاره في العبادة وفي تلاوة كلام الله، وكان يكره الذين يخالفون تعاليم الإسلام، ويقترفون الذنوب.

 

بداية الخلل حدث عندما جعل السلطان “تيبو” “مير صادق” وزيره بل رئيس الوزراء والمسيطر على الأمر كله، وكان مير صادق رجلا خائنا غدارا يعمل لحساب الإنجليز في الخفاء، وكان أحد أسباب الهزيمة الأخيرة التي لحقت ب”تيبو”، وقد كلفه الإنجليز بالعمل على تخريب الجبهة الداخلية للسلطان “تيبو”، فكانت مشورة مير صادق واقتراحاته وقراراته كلها تصب ضد مصلحة “تيبو” وميسور.

 

فقد اقترح على السلطان أن يخرج جماعة المهدويين الذين لم يزالوا يجاهدون مع السلطان، وكان لهم أيادي بيضاء في قتال الإنجليز، كما اقترح عليه عزل أكثر الأمراء القدماء دون تفكير، وقرر الوظائف والمناصب للأمراء الذين قد عزلوا من قبل، أما أبوه حيدر على فإنه كان إذا عزل أحدا لم يعطه منصبا قط، ولكن “تيبو” كان يسخط على أمير ويعزله، ثم إذا ذهب عنه السخط أعاده إلى منصبه، وهكذا كانت مشورة الخائن واقتراحاته السيئة.

 

ومن ثمار الخيانة: أن مير صادق قد تمكن في الحكومة من تنظيم جماعة كبيرة من الخونة فأحلهم مناصب كبيرة ومنحهم أموالاً كثيرة، فقد كان مير ميران، قمر الدين، ومير صادق هم أكبر سبب لهزيمة سلطان “تيبو” وقتله بأيدي الإنجليز.

 

فقد اقترح الفرنسيون على السلطان أن يحول عاصمته إلى مدينة أخرى في مملكته، وكان السلطان مستعدا لذلك ولكن مير صادق الخائن حال دون ذلك، وقال هذا ما يسبب للعسكر الجبن والخور ويذهب بحماستهم فامتنع السلطان عن هذا.

 

وفي النهاية عثر السلطان على خيانة مير صادق وغدره لكن بعد فوات الأوان وفي وقت لم يكن له حيلة بتدبيره؛ لأن الأعداء قد أحاطوا بقاعته من كل مكان بعد أن أخبرهم مير صادق بوجوده في هذه القلعة.

 

فهاجم الإنجليز سور القلعة حتى هدموه بنيران المدفعية، وفلما أخبر السلطان بأن الإنجليز دخلوا في القلعة نفسها، أمر السلطان عساكره للجهاد، وأرد أن يخرج من بعض أبواب القلعة، ولكن مير صادق ذهب وأغلق الباب نفسه؛ كي لا تنجح حيلة السلطان في الهرب، فلو هرب السلطان لكان له نجاح باهر؛ لأن كثيرا من عساكره كانت في مدن أخرى، وكانت رقعة مملكته واسعة تحتوي كثيرا من المدن والقرى.

 

أما “تيبو” سلطان فإنه لما رأى عسكر الإنجليز قادما نحوه هجم عليهم وقتل اثنين أو ثلاثة منهم وظل يقاتلوهم وهملا يعرفون أنه السلطان من ضراوة قتاله حتى خر صريعاً رحمه الله، بعد أن أبت عليه كرامته وعقيدته أن يقع أسيراً بيد الإنجليز، واستشهد رحمه الله في سبيل الإسلام، والتمس الإنجليز جثته وجمعوا أسرته فتبينوا أن هذا هو جثمان السلطان ودفنوه بكل كرامة في جانب قبر أبيه حيدر علي.

 

كان قتله يرادف القضاء على حكم المسلمين في الهند كلها، وكان السلطان يرى أن الواجب على المسلمين في الوقت الحاضر أن يجمعوا أمرهم ويجاهدوا لإعلاء كلمة الله في هذه الأرض، وكتب كتابا إلى محمد بيك الهمداني قال فيه: “على المسلمين أن يتحدوا في هذا الوقت على جند الكفار والمشركين، ويجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم حتى يكون الدين كله لله، إن حكومة دهلي قد اضمحلت وذهبت قوتها وروعتها، فلو اتحد المسلمون للجهاد في سبيل الإسلام لم يندم المسلمون على ما فرطوه في جنب الله أمام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم القيامة”.

 

فتأمل في أفكاره الدينية وعواطفه الإسلامية وحماسته للإسلام والمسلمين.

 

إن مملكته كانت مملكة إسلامية فقد فتح للمسلمين مناصب جليلة، ولم يكن لغير المسلمين تدخل في حكومته، وكان يقضي أكثر أوقاته في العبادة والتلاوة والتسبيح، وما إلى ذلك، ولكن غدر أمرائه وخيانتهم ساقت الحكومة إلى الهزيمة والانهيار، ولا شك أن الغدر والخيانة من مرضى المسلمين في البلاد كلها، ومن أجل ذلك وحده خسروا شأنهم وفقدوا قيمتهم، وأصبحوا بحيث لا ينظر إليهم العدو إلا بنظرة كلها شك وكلها ارتياب، ولكن “تيبو” نمر ميسور لم يزل بطل الحرية والإسلام في تاريخ الهند الزاهر.

 

وليس جزار أو قاطع رؤوس كما يصوره المؤرخون الإنجليز والهندوس بسبب عداوتهم له، وما لاقوه من هزائم وانكسارات على يد هذا البطل العظيم.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات