طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||

ملتقى الخطباء

(486)
1277

سير أعلام الأمهات

تاريخ النشر : 1438/11/11
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

إن نقطة البداية في أعلام الأمهات هي فقههم الأمثل لمفهوم التربية الصالحة وأهميتها وخطورتها في بناء عروش المجد، وحين نقول: التربية الصالحة، فإننا نعني بذلك التربية بمعناها الواسع الذي لا يقف عند حد العقوبة أو الأمر والنهي، كما يتبادر لذهن طائفة من الناس، بل هي معنى أوسع من ذلك، فهي تعني…

“تربية امرأة”:

كثيراً ما نسمع هذه الكلمة في سياق التنقيص من بعض الأشخاص، وإلحاق ما به من خلل أو عيب أو زلل لأصل تربيته على يد أمه! حتى صارت هذه الكلمة تمثل رصيداً سلبياً تراكمياً في الوعي الجمعي للشعوب العربية والمسلمة.

 

وهذا وإن دلّ فإنما يدل على غياب النظرة الصحيحة والفهم الحقيقي لدور الأمهات في بناء الأمم وتربية الأجيال، وليس العيب أن يتربّى الرجل على يد امرأة، فكم من عظماء الرجال تربّوا على أيدي أمهاتهم فأفادوا أمماً لا أمَّة واحدة! ولكن العيب في بعض النساء واهتماماتهن.

 

أثر الأمهات في تربية الأطفال:

إن نقطة البداية في أعلام الأمهات هي فقههم الأمثل لمفهوم التربية الصالحة وأهميتها وخطورتها في بناء عروش المجد، وحين نقول التربية الصالحة فإننا نعني بذلك التربية بمعناها الواسع الذي لا يقف عند حد العقوبة أو الأمر والنهي، كما يتبادر لذهن طائفة من الناس، بل هي معنى أوسع من ذلك فهي تعني إعداد الولد بكافة جوانب شخصيته: الإيمانية، والجسمية، والنفسية، والعقلية.

 

ودون هذا التكامل لن تؤتي عملية التربية ثمارها، وستخرج أجيال متتابعة من المسلمين لا يؤثرون في الحياة والكون من حولهم، يولدون ويكبرون ثم يموتون، لا يشعر بهم أحد، ولا يكون لهم قيمة وإضافة فيمن حولهم.

 

فالأم هي الدائرة الأولى من دوائر التنشئة الاجتماعية، وهي التي تغرس لدى الطفل المعايير التي يحكم من خلالها على ما يتلقاه فيما بعد من سائر المؤسسات في المجتمع، فهو حينما يغدو إلى المدرسة ينظر إلى معلميه نظرةً من خلال ما تلقاه في أمه من تربية، وهو يختار زملاءه في المدرسة من خلال ما نشأته عليه أسرته، ويقيِّم ما يسمع وما يرى من مواقف تقابله في الحياة، من خلال ما غرسته لديه الأسرة، وهنا يكمن دور أمه وأهميتها وخطرها في الميدان التربوي.

 

وبالطبع للأب دور هام لا يقل عن دور الأم، ولكن في المراحل الأولى يكون دور الأم وهو الأم والأبرز.

 

وإذا أردت أن تبحث عن سرّ العمالقة والعباقرة والنوابغ والقادة فابحث عن أمهات هؤلاء والأسر التي تَربَّوا وترعرعوا فيها والبيئة التي نشئوا فيها والأمهات اللاتي قمن بتربيتهم وتعليمهم، فليس هناك من هؤلاء العلماء والنوابغ من نشأ في كنف أم غير سوية أو وحشية أو قاسية القلب أو جاهلة أو خبيثة، لكنهم نشئوا في كنف أم أرضعتهم الحب والحنان والعلم والخير والعطاء بلا حدود، وطبقت معهم أهم وأعظم النظريات التربوية، وذلك قبل أن يكتشفها الغرب بقرون.

 

أم الشافعي:

 

لم أجد سيرة لإمام من أئمة المسلمين بهذا الزخم التربوي ووهج البدايات كما كانت سيرة الشافعي -رحمه الله-، وهذا الكم من الجهاد المتواصل في سبيل النهضة بالنفس منذ نعومة الأظافر إلى أن يشاء الله ويقضي النهاية، ولم أجد من الكلمات المعبرة التي أستطيع بها أن أصف ذكاء تلك النبيلة التي أثارت في أعماقي مبدأ الروية والثقة بالله، وفضيلة العلم الذي أحبت لابنها أن يبلغ فيه مبلغاً وباعاً ليس بالهين، ومكانة مرموقة بين الأذكياء، والحفاظ بإتقان.

 

ولد الشافعي في غزة سنة: 150 ه، أي في نفس السنة التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة -رحمه الله-، وعاش فيها سنتين حتى توفي والده وتركه مع أمه التي رفضت الزواج بعد أبيه قائلة: “يا بني مات أبوك وإننا فقراء وليس لنا مال وإني لن أتزوج من أجلك وقد نذرتك للعلم، لعل الله أن يجمع بك شمل هذه الأمة”.

 

فانتقلت أمُّه به إلى اليمن؛ لأنها كانت من الأزد أكبرِ بطون اليمن، ومكثت به في اليمن عدة سنوات، فخافت عليه ضَيعة نسبه الشريف، فتحوَّلت به إلى مكة، فنشأ بها وترعرع، وأقبل على الرَّمي حتى فاق أهل زمانه في هذا الفن، تم ألقى الله -عز وجل- في قلبه حبَّ الحديث والفقه، وذلك من إرادة الله -عز وجل- الخير له وللأمة، فأقبل على هذا الطريق ينهل منه بكلِّ سبيل.

 

ما فتئت تلك الأم العظيمة تدفع بابنها دفعاً منذ نعومة أظافره، لم يكن لديها مال لترسله إلى الكتاب، لكن ثقتها بالله كانت قوية وحسن ظنها بالله الذي أفاض عليها من لطفه وكرمه كان ديدنها، فقد أرسلته إلى الكتاب ليتعلم القراءة والكتابة ويحفظ القران والتجويد لكن المعلم هناك لم يكن ليأبه به فلا مال عنده كالبقية، ولم يكن في مقدوره دفع مال ثمن تعليمه، فيعود لأمه حزيناً يجهش بالبكاء، رافضاً العودة إلى ذلك المكان فترشده بذكائها الذي ورثه عنها إلى خطة تنجز له ما يريد، دون أن يدفع ثمن وينال من العلم والاهتمام كالذي يناله أصحاب المال فتقول: “يا بني تحايل على المعلم؟ فيجيب: كيف؟ فتقول: إذا وجدت المعلم يعلم أبناء الأغنياء فاجلس بجوار الغني، واستمع دون أن تشعر المعلم بأنك تضيق عليه”، ففعلها الشافعي مرات ومرات، يدخل بأدب فلا يشعر به المعلم، ويستمع حتى يتعلم جميع ما يقوله معلمه ويجيده، ثم إذا قام المعلم يجلس الشافعي مكانه ويشرح للطلاب، ثم يأتي إليه الطلاب فيقولون: “يا شافعي اشرح لنا هذه (وكان عمره خمس سنوات) فيأتي المعلم فينظر إليه فيجده يعلم التلاميذ، فرسخت في ذهن المعلم فكرة أن يدعه يتعلم بلا مال، مقابل أن يساعده في تعليم الأولاد ويتيح له بعض الراحة، فعاد الشافعي إلى أمه يقول: “يا أماه تعلمت الذل للعلم والأدب للمعلم”.

 

استمر الشافعي يطلب العلم ويجاهد في سبيل الحظوة به لكن فقره كان يقف في بعض الأحايين حجرة عثرة في طريقه.

 

كان الشافعي لا يمتلك المال الذي يشتري به الورق الذي يكتب عليه الأحاديث، وظل يترقب حلاً لمشكلة أرقته، فجاءته أمه، فقص عليها فقالت: لا عليك! فكانت تخرج إلى ديوان الوالي لتجمع له الأوراق التي كُتب على أحد وجهيها ورميت في سلال فيأخذه الشافعي ليكتب على الوجه الآخر، ولكن الورق لم يكن ليكفيه، فذهب يطلب الصدقة ورقاً، وأخذته أمه إلى حيث يذبحون الإبل فتأخذ العظام العريضة لأكتاف الإبل وتجففها له ليكتب عليها.

 

وفي نهاية المطاف التربوي تخرج لنا الإمام الشافعي الذي كان أعجوبة الزمان وحسنة الأيام منحه الله منحاً عظيمةً، وأفاض عليه من فضله وعلّمه ما لم يعلم، وألهمه الصواب وقوة الحجة، مجدد القرن الثاني، وحجة في الحديث والأدب والنحو والبلاغة، والشعر، والفقه والتجويد والتفسير والعلوم المتصلة بالقرآن.

 

أم البخاري:

في سنة 194هـ شهدت مدينة بخارى ولادة طفل سيكون له شأن عظيم في الأمة الإسلامية، فرح به أبوه وسماه “محمداً” وكان قد سمى أخاً له من قبل “أحمد” تبركاً باسم النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 

وكان هذا الأب ويسمى “إسماعيل” رجلاً صالحاً ورعاً، حج إلى بيت الله، وزار النبي -صلى الله عليه وسلم-، ورأى إمام دار الهجرة مالك بن أنس، وروى عنه بعض الأحاديث. ولم يلبث أن أدركه الموت قبل أن يشب “محمد” لتتولى الأم العظيمة تربية الطفل محمداً الذي سيكون نجماً في سماء علم الحديث.

 

فقد احتضنت الأم الرءوم طفلها الصغير، وقامت عليهما أحسن قيام، ولكن حصل ما كدر عيشها، وأرق ليلها وأطال همها، فقد ذهب بصر “محمد” ابنها الصغير، وبات لا يرى شيئاً، وما من شيءٍ أقسى على قلب الأم من مرض عارض ينزلُ بأحد أبنائها فكيف بعلة كهذه، قد تلازمُ الإنسان في حياته كلها، وتصرفُهُ عن العلم، وتحولُ بينه وبين حرية الحركة، والحياة الطبيعة كسائر الأطفال.

 

وهنا ألهمها المُلهم الكريم الذي لا تغلق أبوابه، ولا يسدل حجابُه، ألهمها أنْ تلجأ إليه، وتتوسل بكرمه وجوده.

 

واستجابت أم محمد لإلهام ربِّها ونداء قلبها، وكانت إذا أسدل الليل أستاره، وأخلد محمد وأخوه إلى النوم، وحل السكون على بخارى، كانت تقوم فتتوضأ وتقف بين يدي مولاها باكيةً داعيةً شاكيةً إليه ما نزل بعيني “محمد” منْ عمى، وما نزَلَ بقلبها مِن همٍّ، وما نزَلَ بالبيت مِنْ حُزن.

 

ودامتْ على ذلك مدةً، وقد استطابتْ هذه الوقفة بين يدي الله تبثُّه نجواها، وترفع إليه شكواها، وتطرق بابَهُ الكريم، ولا بُدَّ لبابِ الكريم إذا طُرِقَ مِن أنْ يفتح. وذات ليلةٍ قامتْ أمُّ محمد فصلَّتْ ودعتْ، وألحّتْ في الدعاء، ثم أدركتها سِنةٌ من النوم، وإذا بهاتف في منامها يقول: “يا هذه قد ردَّ الله على ابنك بصره بكثرة دعائك” فاستيقظتْ وقلبُها يخفقُ من هذه الرؤيا وبشارتِها ووضوحِها، وعند آذان لصلاة الفجر، وأيقظتْ أمُّ “محمد” ولديها للصلاة، وهنا كانت المفاجأة ورأتْ صدقَ الرؤيا لقد أبصرَ “محمد” وقام يتوضأ وحده، بعدها نذرته أمه لطلب العلم فأقبل عليه وهو ابن العاشرة، ثم أرادتْ أنْ تشكر اللهَ عند بيته، فأخذتْ ولديها وانطلقوا إلى مكة، فحجُّوا وذلك سنة (210هـ)، ورجعت الأمُّ وأحمدُ إلى بخارى، وظلَّ “محمد” هناك يطلبُ العلم.

 

فلم تعترض الأم على غربته في هذا السن المبكرة؛ لأنها قد وهبته ونذرته للعلم، وبعد سنوات طويلة عاد لها الولد الصغير إماماً من كبار أئمة الدين وشيخ الحديث المقدم.

 

أم سفيان الثوري:

كان سفيان الثوري فقيه العرب ومحدثهم، وأمير المؤمنين في الحديث، وسيد من سادات علماء المسلمين، وقال فيه الأوزاعي: “لم يبقَ من تجتمع عليه الأمة بالرضا إلا سفيان”.

 

هذا الإمام العظيم كان وراءه أمٌّ صالحة، تكفلت بتربيته والإنفاق عليه، فكان هو ثمرتها!

 

يصوِّر ذلك هو بنفسه فيقول: “لما أردت أن أطلب العلم؛ قُلتُ: يا ربِّ، لابد لي من معيشة. ورأيت العلم يَدْرُس (أي: يذهب ويندثر)؛ فقلت: أُفرِّغ نفسي في طلبه، قال: وسألتُ الله الكفاية”، يعني أن يكفيه أمر الرزق، فكان من كفاية الله له في ذلك الشأن أن قيَّض له أمه التي قالت له: “يا بُنَيَّ، اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي”!

 

فكانت رحمها الله تعمل بالغزل، وتقدم لولدها نفقة الكتب والتعلُّم؛ ليتفرغ هو للعلم، بل والأكثر من ذلك أنها كانت كثيرًا ما تتخوَّله بالموعظة والنصيحة لتحضَّه على تحصيل العلم، فكان مما قالته له ذات مرة: “يا بني، إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تَرَ ذلك فاعلم أنها تضرك ولا تنفعك”.

 

ومن كنف هذه الأم العاقلة الحكيمة نشأ الإمام سفيان الثوري فملأ الدنيا علماً وورعاً.

 

أم أحمد بن حنبل:

فقد الإمام أحمد ابن حنبل أباه وهو طفل صغير، فقد قال عن نفسه: “لم أرَ جدي ولا أبي”، والمعروف أن أباه مات بعد ولادته، ولا بد أن ذلك كان وهو صغير لا يعي ولا يدرك شيئاً، بدليل أنه نفى رؤيته لأبيه وجده، وقد ذُكر أن أباه مات شاباً في الثلاثين من عمره، ولقد قامت أمه بتربيته في ظل مَن بقي من أسرة أبيه، وكان أبوه قد ترك له ببغداد عقاراً يسكنه، وآخر يغل له غلة قليلة تعطيه الكفاف من العيش، فاجتمع له بتلك الغلة الضئيلة أسباب الاستغناء عما في أيدي الناس.

 

كان صفية أم الإمام أحمد شابة صغيرة في السن عندما ترملت، فتقدم لها الكثير من الخطاب، ولكنها آثرت القعود على تربية ولدها الصغير لما لمحت في عينيه من بريق ولمعان يشع بالذكاء والفهم والصلاح.

 

كانت هي له قدوة ومثالاً يحتذى في الطاعة، تقوم من الليل وتصلي ما شاء الله لها أن تصلي، ثم تسخن الماء وتوقظه، وتوضئه وتذهب به إلى المسجد، ثم تجلس عند الباب تنتظره إلى أن يخرج.

 

أنشأ ذلك في نفس أحمد بن حنبل براً لأمه، فلم يتزوج حتى ماتت، لكي لا يُدخل على الدار سيدة أخرى تنازع أمه السيادة، وكان قد بلغ الثلاثين من عمره.

 

وعندما بدأ الإمام رحلته إلى طلب العلم ونوى أن يرحل إلى الكوفة ولم يكن قد استأذن والدته فرجع إلى أمه ليستأذنها في الرحلة فبارك الله له في طلبه. فلم تتمسك ببقائه بجوارها وهو وحيدها، بل باركت سعيه ودعت له وأظهرت مساندة لمشاريعه العلمية قلما نجدها من أم مع وحيدها.

 

فكان نتاج ذلك الإمام أحمد بن حنبل الذي ملأ الدنيا علماً وفقهاً ومدرسة علمية متميزة في الفقه والحديث.

 

أم ربيعة الرأي:

كثير من يعرف الإمام مالك، ولكن قليل من يعرف أستاذه ومعلمه الأول، إنه ربيعة بن فروخ بن عبد الرحمن الملقب بربيعة الرأي بسبب براعته في القياس والاستنباط.

 

كان أبوه فروخ بن عبد الرحمن من موالي الصحابي الجليل “الربيع بن زياد” أحد قادة الفتح الإسلامي في بلاد المشرق، ورث منه فرخ حب الجهاد والشوق المستمر إليه.

 

فلم يكد يمضي على زواجه سوى شهور حتى لبى داعي الجهاد وخرج إليه تاركاً زوجته الشابة الصغيرة حاملاً في شهورها الأولى، وترك لها كل ثروته التي جمعها من نصيبه في الفيء طوال سنوات جهاده مع الربيع بن زياد، وتبلغ ثلاثين ألف دينار.

 

وطلب منها أن تنفق منها على ولده بالمعروف، إلى أن يحين موعد عودته إن كان قد بقي له في الحياة معهم نصيب.

 

وتوالت الأيام تباعاً، حتى حان خروج الوليد، فسمته أمه “ربيعة” لم يكد يبلغ ربيعة الأعوام القليلة حتى دفعت به أمه إلى من يعلمه القرآن،حتى أتم حفظه وفطنت أمه حينها أن ولدها يمتلك من المواهب ما يجعلها تفكر في أن تذهب به إلى الفقهاء والعلماء لينهل من بحر علمهم، ولم تكن لتبخل على من يقدم لولدها خدمة التعليم، فبذلت من المال وأغدقت في العطاء، لعل الله أن يبلغ ولدها منازل العلماء وينفع به المسلمين.

 

واستمرت في نهجها حتى بلغ ولدها الثلاثين وصار إماماً من أئمة المسلمين وأعلامهم، وذلك في مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

ولما عاد الأب “فروخ” بعد كل هذه السنوات الطويلة وجد ولده قد صار إمام المسلمين، ولم يجد من الثلاثين ألفاً شيئاً، فقالت له الزوجة الصابرة والأم العظيم: فقالت: تلك الثلاثين ألفاً التي تركت أنفقتها عليه، أهي خير أم ما رأيت؟! فسر زوجها بحسن صنيعها، فقد كانت نعم الزوجة والأم المؤمنة.

 

أم الشيخ ابن باز:

ولد الشيخ العلامة ابن باز في الرياض بصيراً، ثم أصابه المرض فضعف بصره ثم ذهب بالكلية عام: 1350 هـ، فعوضه الله بالبصيرة الدنيا.

 

نشأ في بيئة متوسطة في كنف والديه، ثم توفي والده: 1333هـ حين بلغ الثالثة من عمره، فعاش حياة اليتم، في حجر والدته، حيث بدأ في طلب العلم، كان يقول: “أصابني في عيوني مرض يسمى “أبا الرغيد” سنة: 1346هـ، واستمر معي حتى فقدت بصري بالكلية”.

 

وبقي في حضانة أمه بعد وفاة والده، وكان له أخ من أمه موجود معهم في المنزل يدعى: إبراهيم بن سيف، وأخ شقيق يدعى محمد، يقول الشيخ ابن باز: “كانت الوالدة تقوم علينا جميعاً” وكان فضلها كبيراً عليه وعلى أخويه في التربية وغرس الصفات الحميدة في نفوسهم.

 

حنت عليه أمه ووقفت بجانبه، وقرأ القرآن على أحد القراء وهو في الكتاتيب، في حدود العاشرة وما بعدها إلى الثالثة عشرة تقريباً. ثم شرع في حفظه في الرابعة عشرة والخامسة عشرة، وأكمله في السادسة عشرة، ثم بدأ في طلب العلم قبل البلوغ، وبقي في حضانة الوالدة.

 

هذه الأم الصالحة التي بذلت ما في وسعها لتنشئة الشيخ عبد العزيز وأخويه، وإعدادهم لتحمل المسؤولية، فدأبت على الشيخ بأن يتعلم، وبثت فيه عدم اليأس أو الاستسلام للأمراض التي مرت به، في زمن لم يتوفر فيه العلاج الحديث، إذ كان مرضه في أغلى ما يملكه الإنسان “حبيبتيه”، وقد حرصت عليه بقوة إيمانها لكي يتخطى مرحلتين، لعله في إحداهما يحقق ما تصبو إليه نفس الأم وما يطمح إليه وهما: مرحلة العلم، وكسب المعيشة، وقد أنست منه أمه كرماً متأصلاً في نفسه، فصارت تشجعه وتعينه بكل ما يحتاجه طلاب العلم من طعام يتشاركون فيه، أو خياطة لملابسه هو ورفقته.

 

ثم تولد عنده حب العلم؛ لأن محيطه يدفعه إلى ورود حياض العلم، عاش في الرياض الزاخرة بمجالس العلماء ووالدته التي أعانته بالنصح والتوجيه وهيأت له الجو المناسب، وأخوه الأكبر محمد جعل يعمل ويكد ويتكسب لينفق عليه وعلى الأسرة.

 

عاشت والدته زمناً حتى رأت مظاهر النجابة قد برزت في ابنها عبد العزيز، وثمرة جهدها قد أينعت ونضجت، وصارت مجسدة في علاّمة الزمان الشيخ ابن باز -رحمه الله-.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات