طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الأحـداث التاريخية > شخصيات تاريخية > الإمام الذهبي شيخ التحقيق والإنصاف

ملتقى الخطباء

(1٬106)
1143

الإمام الذهبي شيخ التحقيق والإنصاف

تاريخ النشر : 1438/08/28
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

الشيخ الإمام، الحافظ الهمام، مفيد الشام، ومؤرخ الإِسلام، ناقد المحدثين، وإمام المعدلين والمجرحين، إمام أهل التعديل والجرح، والمعتمد عليه في المدح والقدح..، كان آية في نقد الرجال، عمدة في الجرح والتعديل، عالما بالتفريع والتأصيل، إمامًا في القراءات، فقيها في النظريات، له…

 

 

 

من نعم الله الخفية -تعالى- على عباده الصالحين: أن زيّنهم بالأخلاق الحميدة، والصفات المجيدة التي تممها وأكملها خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق.

 

ومن بين أرفع وأجلّ هذه الأخلاق السامية الرفيعة: خلق "الإنصاف"، وهو خلق رفيع، وعادة سامية، ومبدأ مهم قلما تجده واضح المعالم، واسع الأرجاء، قال سفيان بن عيينة: سئل علي -رضي الله عنه- عن قول الله -عز وجل-: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) [النحل: 90] قال: "العدل الإنصاف، والإحسان التفضل"، وقال الأحنف بن قيس: "الإنصاف يثبت المودة، ومع كرم العشرة تطول الصحبة، وكان يقول: ثلاث خلال تجلب بهن المحبة: الإنصاف في المعاشرة، والمواساة في الشدة والانطواء على المودة".

 

لو كانت حاجة عموم المسلمين للإنصاف هامة في حياتهم ومعاملاتهم اليومية؛ فإن حاجة علمائهم إليه أشد وأكثر أهمية؛ لأن كلامهم مسموع، ورأيهم متبوع، وتقييهم مرموق.

 

وآثار غياب الإنصاف عندهم وخيمة، وأضراره جسيمة.

 

ونحن بين يدي الإمام الكبير صاحب القول المشهور والمثل السائر: "الإنصاف عزيز"؛ الإمام الذهبي شيخ التحقيق والإنصاف، وصاحب أشهر مصنفات التراجم والسير، والذي يعدّ واحد من الأفذاذ القلائل في مسيرة علوم الحديث والرجال والتاريخ الإسلامي، وقد دلت آثاره العلمية واتجاهاته الفكرية على سعة أفقه وعلمه وحفظه، وقدرته الفائقة على نقد الرجال، وتصوير التاريخ، حتى أصبحت أقوال الذهبي فيمن يترجم لهم ويؤرخ، تعتبر عند النقاد والمؤرخين الذين جاؤوا بعده أقصى حدود الاعتبار.

 

التعريف به:

هو الإمام الفذّ، والعلم المقدم، شيخ التحقيق والتدقيق، الناقد البصير، والحافظ الكبير، شيخ المؤرخين، وإمام الجرح والتعديل/ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي، الفارقي الدمشقي الشافعي.

 

ولد في قرية كفر بطنا بالقرب من دمشق في شهر ربيع الآخر سنة: 673هـ/ أكتوبر 1274م، وكان من أسرة تركمانية الأصل، تنتهي بالولاء إلى بني تميم، سكنتْ مدينة "ميافارقين" من أشهر مدن ديار بكر، ويبدو أن جد أبيه "قايماز" قضى حياته فيها.

 

وتوفي سنة: 661 هـ، وقد جاوز المائة، قال الذهبي: "قايماز ابن الشيخ عبد الله التركماني الفارقي جد أبي".

 

أما والده: شهاب الدين أحمد، فقد ولد سنة: 641هـ تقريبا، وعمل بصنعة الذهب المدقوق، فبرع بها، وتميز وعرف بها، ولعله نسب إليه فأطلق عليه معاصروه ومن أرخّ له اسم: "الذهبي".

 

وهو أمر شائع أن ينسب المرء خاصة أهل العلم إلى صنعته ومهنته، مثل البزار، والجصاص، والقفال، والغزالي، وابن الحذّاء، وابن الحداد، وابن الحاجب، وغيرهم كثير من أهل العلم.

 

رحلته العلمية:

كان والد الإمام الذهبي رجلاً صالحاً كما كان رجلاً ميسور الحال، فدفع بولده بعد أن تفرس فيه علامات النجابة والذكاء إلى طريق العلم، خاصة وأن العديد من أسرته رجالاً ونساءً قد سلك طريق طلب العلم من قبله، فعمته: "ست الأهل بنت عثمان" كانت من رواة الحديث، وكذلك خاله: "علي بن سنجر"، وزوج خالته كانا من رواة الحديث، فتنسم الولد من صغره نسائم العلم والحديث، مما جعله طريقه فيه ممهداً.

 

فبدأ صاحبنا في طلب العلم صغيراً بحفظ كتاب الله في إحدى حلقات القراءة في بلدته حتى أتم الحفظ والتلاوة، ونال قدراً من علوم القراءات، فتتلمذ على شيوخ الإقراء في زمانه كـجمال الدين أبي إسحاق إبراهيم بن داود العسقلاني المتوفى، والشيخ جمال الدين أبي إسحاق إبراهيم، وقرأ عليهما القرآن بالقراءات السبع، وقرأ على غيرهما من أهل هذا العلم حتى أتقن القراءات وأصولها ومسائلها.

 

وبلغ من إتقانه لهذا الفن وهو في هذه السن المبكرة: أن تنازل له شيخه محمد عبد العزيز الدمياطي عن حلقته في الجامع الأموي حين اشتد به المرض.

 

في الوقت الذي كان يتلقى فيه القراءات مال الذهبي إلى سماع الحديث الذي ملك عليه نفسه، فاتجه إليه، واستغرق وقته، ولازم شيوخه، وبدأ رحلته الطويلة في طلبه.

 

فخرج في رحلة علمية لطلب الحديث أواخر سنة: 690هـ وعمره: 18 سنة داخل البلاد الشامية إلى حلب، وبيت المقدس والرملة ونابلس، وبعلبك، وطرابلس، وحمص، وحماة، ونابلس، والرملة.

 

وبعد عامين من الرحلة العلمية داخل بلاد الشام توجه إلى الديار المصرية سنة: 695هـ، وكانت من أبرز رحلاته العلمية المبكرة، فرحل إلى القاهرة، والإسكندرية، ودمياط، وسمع بمصر من جماعة كبيرة، من أشهرهم: ابن دقيق العيد، والعلامة شرف الدين الدمياطي، وقرأ على صدر الدين سحنون ختمة لورش وحفص.

 

وكان الذهبي يجهد نفسه في قراءة أكبر كمية ممكنة على شيوخ تلك البلاد.

 

وفي سنة: 698 هـ توجه الذهبي إلى الحجاز لأداء فريضة الحج والسماع من شيوخ وعلماء الحجاز والحرمين، كان يرافقه في حجه جماعة من أصحابه وشيوخه، منهم شيخ دار الحديث بالمدرسة المستنصرية ابن الخراط الحنبلي (ت: 728هـ).

 

وقد سمع بمكة، وعرفة، ومنى، والمدينة من مجموعة من الشيوخ، فأجازوه بمروياتهم ومحفوظاتهم بعد أن أثنوا على حفظه وعلمه وورعه.

 

توسع الإمام الذهبي في علوم الآلة بصورة كبيرة، فقد كانت دراسته وسماعاته متنوعة لم تقتصر على القراءات والحديث، فقد عني بدراسة النحو، فسمع: "الحاجبية" في النحو على شيخه ابن أبي العلاء النصيبي البعلبكي.

 

ودرس على شيخ العربية وإمام أهل الأدب في مصر آنذاك ابن النحاس (ت: 698 هـ).

 

إضافة إلى سماعه لعدد كبير من مجاميع الشعر واللغة والآداب.

 

واهتم كثيراً بالكتب التاريخية، فسمع عددا كبيرا منها على شيوخه، في المغازي، والسيرة، والتاريخ العام، ومعاجم التراجم والطبقات.

 

وقد بلغ شيوخ الذهبي الذين أخذ عنهم في القراءات السبع والحديث والسيرة، وغيرها عدداً كبيراً، فأجاز له أبو زكريا ابن الصيرفي، وابن أبي الخير، والقطن ابن عصرون، والقاسم بن الأربلي.

 

وسمع الذهبي من أحمد بن هبة الله بن عساكر، وابن دقيق العيد، والحافظ أبي محمد الدمياطي، وغيرهم.

 

وقد ذَكر في معجم شيوخه ثلاثمائة وألف شيخ، غير أن الذهبي كان خصيصاً ثلاثة من شيوخ العصر وترافق معهم، وهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان أكثرهم تأثيراً في طريقته ومنهجه العلمي، وجمال الدين أبي الحجاج المزي والقاسم البرزالي.

 

وقد جمع بين هؤلاء الأعلام طلب الحديث، وميلهم إلى آراء الحنابلة ودفاعهم عن مذهبهم.

 

ويذكر الإمام الذهبي أن البرزالي هو الذي حبب إليه طلب الحديث.

 

ونستطيع القول من دراسة كتب الذهبي واهتماماته: أنه عني بالعلوم الدينية عموما، والعلوم المساعدة لها كالنحو واللغة والأدب والشعر والتاريخ والتراجم، غير أن الذهبي قد ولج قلعة العلوم من بابهم الملكي الأثير: باب الحديث، فبرع فيه وتقدم وفاق المعاصرين، وبذّ الأقران حتى صار أشهر علماء الحديث في عصره بلا مدافعة أو منازعة.

 

وظائفه العلمية:

انتقل الإمام الذهبي من مرحلة الطلب إلى مرحلة التدريس والتصنيف بعد إنهاء رحلاته في الطلب والأخذ عن ما يزيد عن الألف من العلماء، اتجه إلى التدريس وعقد حلقات العلم لتلاميذه، وتفرغ في التأليف والتصنيف.

 

وبدأت حياته العلمية في مسقط رأسه: "كفر بطنا" بغوطة دمشق، حيث تولى الخطابة في مسجدها سنة: 703 هـ، وظل مقيمًا بها إلى سنة: 718 هـ.

 

وفي هذه القرية المباركة بأنفاس أهل العلم، فألف الإمام الذهبي خيرة كتبه، وتعد الفترة التي قضاها بها هي أخصب فترات حياته إنتاجًا.

 

نظراً لشهرة الإمام الذهبي ونبوغه في علم الحديث والرجال والعلل، صار ممولو مدارس الحديث وواقفيها من الأثرياء والأمراء والكبراء في الشام يتهافتون على الإمام الذهبي ليتولى التدريس فيها، فتولى أولاً مشيخة: دار الحديث بتربة أم صالح، وكانت هذه الدار من كبريات دور الحديث بدمشق، تولاها سنة: 718 هـ، بعد وفاة شيخها/ كمال الدين بن الشريشي، واتخذها سكنًا له حتى وفاته.

 

ثم أضيفت إليه مشيخة: دار الحديث الظاهرية سنة: 729 هـ، ومشيخة المدرسة النفيسية سنة: 739 هـ بعد وفاة علم الدين البرزالي، ومشيخة دار الحديث والقرآن التنكزية في السنة نفسها.

 

أتاحت له هذه المدارس أن يدرس عليه عدد كبير من طلبة العلم، ووفد عليه لتلقي العلم كثيرون من أنحاء العالم الإسلامي بعد أن اتسعت شهرته، وانتشرت مؤلفاته، ورسخت مكانته لمعرفته الواسعة بالحديث وعلومه، والتاريخ وفنونه، فكان مدرسة قائمة بذاتها، تخرج فيها كبار الحفاظ والمحدثين.

 

وتزخر كتب القرن الثامن الهجري بمئات من تلاميذ الذهبي النجباء من كل المذاهب، وحسبه أن يكون من بينهم: الحافظ ابن كثير، وعبد الوهّاب السبكي صاحب طبقات الشافعية الكبرى، وصلاح الدين الصفدي، وابن رجب الحنبلي، وغيرهم.

 

ثناء العلماء عليه:

أثنى العلماء على الإمام الذهبي ثناءً كثيرا، شهدوا بذلك على فضله وإمامته لا سيما في علم الحديث والتاريخ والرجال، وهذه طائفة من أقوالهم:

 

يقول تاج الدين السبكي: "شيخنا وأستاذنا الإمام الحافظ، محدث العصر، اشتمل عصرنا على أربعة من الحفاظ بينهم عموم وخصوص: المزي والبرزالي والذهبي والشيخ الإمام الوالد "تقي الدين السبكي" لا خامس لهؤلاء في عصرهم..، وأما أستاذنا أبو عبد الله فبصر لا نظير له، وكنز هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمام الوجود حفظًا، وذهب العصر معنى ولفظًا، وشيخ الجرح والتعديل ورجل الرجال في كل سبيل".

 

وقال ابن شاكر الكتبي: "حافظ لا يجارى، ولافظ لا يبارى، أتقن الحديث ورجاله، ونظر علله وأحواله، وعرف تراجم الناس، وأبان الإبهام في تواريخهم والإلباس، جمع الكثير، ونفع الجم الغفير، وأكثر من التصنيف، ووفر بالاختصار مؤونة التطويل في التأليف".

 

وقال السيوطي: "الإمام الحافظ محدث العصر، وخاتمة الحفاظ، ومؤرخ الأعلام، وفرد الدهر، والقائم بأعباء هذه الصناعة..، طلب الحديث وله ثماني عشرة سنة، فسمع الكثير ورحل وعين بهذا الشأن، وتعب فيه وخدمه إلى أن رسخت فيه قدمه، وتلا بالسبع، وأذعن له الناس..، والذي أقوله: إن المحدثين عيال الآن في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزي والذهبي والعراقي وابن حجر".

 

وقال الشوكاني: "وجميع مصنفاته مقبولة مرغوب فيها، رحل الناس لأَجلها وأخذوها عنه وتداولوها وقرأوها وكتبوها في حياته، وطارت في جميع بقاع الأَرض، وله فيها تعبيرات رائقة، وألفاظ رشيقة غالبًا، لم يسلك مسلكه فيها أهل عصره، ولا من قبلهم ولا من بعدهم،                                        وبالجملة فالناس في التاريخ من أهل عصره فمن بعدهم عيال عليه، ولم يجمع أحد في هذا الفن كجمعه ولا حرره كتحريره".

 

وقال مرعي بن يوسف الكرمى المقدسي الحنبلى: "الشيخ الإمام الحافظ الهمام مفيد الشام، ومؤرخ الإِسلام، ناقد المحدثين، وإمام المعدلين والمجرحين إمام أهل التعديل والجرح، والمعتمد عليه في المدح والقدح..، كان آية في نقد الرجال، عمدة في الجرح والتعديل، عالما بالتفريع والتأصيل، إمامًا في القراءات، فقيها في النظريات، له دربة بمذاهب الأئمة، وأرباب المقالات، قائما بين الخلف بنشر السنة ومذهب السلف".

 

مؤلفاته ومنهجه العلمي:

ترك الإمام الذهبي إنتاجًا غزيرًا من المؤلفات بلغ أكثر من مائتي كتاب، شملت كثيرًا من ميادين الثقافة الإسلامية، فتناولت القراءات والحديث ومصطلحه، والفقه وأصوله والعقائد والرقائق، غير أن معظم مؤلفاته في علوم التاريخ وفروعه ما بين مطول ومختصَر ومعاجم وسير.

 

وثلث هذا العدد مختصرات قام بها الإمام الذهبي لأمهات الكتب التاريخية المؤلفة قبله، فاختصر "تاريخ بغداد للخطيب البغدادي"، و "تاريخ دمشق لابن عساكر"، و "تاريخ نيسابور لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري"، و "تاريخ مصر لابن يونس"، و "كتاب الروضتين في أخبار الدولتين لأبي شامة"، و "التكملة لوفيات النقلة للمنذري"، و "أسد الغابة لابن الأثير".

 

وغير المختصرات له كتب في التاريخ والتراجم؛ مثل: "تذكرة الحفاظ"، "ميزان الاعتدال في نقد الرجال"، "معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار"، "المعين في طبقات المحدثين"، "ديوان الضعفاء والمتروكين"، "العبر في خبر من عبر"، "المشتبه في أسماء الرجال"، "دول الإسلام"، "المغني في الضعفاء".

 

أما أشهر مؤلفاته والتي طارت بذكر الإمام الذهبي حتى صار علم التحقيق والإنصاف المقدم لا يعدله في هذا المضمار أحد؛ فكتابي: "تاريخ الإسلام"، و "سير أعلام النبلاء".

 

أولهما: تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام:

وهو أكبر كتب الإمام الذهبي وأشهرها، تناول فيه تاريخ الإسلام من الهجرة النبوية حتى سنة: 700 هـ، وهي فترة مدتها سبعة قرون.

 

ورغم تناول البعض التاريخ البشري كاملا كالحافظ ابن كثير في كتابه: "البداية والنهاية"، ومن قبله شيخ الصنعة "الطبري" وابن الأثير، وابن الجوزي، وغيرهم، ولكن اتساع النطاق المكاني الذي شمل العالم الإسلامي بأسره ميزه.

 

وتضمن هذا العمل الفذ الحوادث الرئيسية التي مرت بالعالم الإسلامي، وتعاقب الدول والممالك، مع تراجم للمشهورين في كل ناحية من نواحي الحياة دون اقتصار على فئة دون أخرى، ويبلغ عدد من ترجم لهم في هذا الكتاب الضخم أربعين ألف شخصية، وهو ما لم يتحقق في أي كتاب غيره.

 

ويعتبر هذا الكتاب الضخم خلاصة الكثير من كتب التاريخ من قبله، ومادته من الكتب التالية: "دلائل النبوة للبيهقي"، و "سيرة النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- لابن إسحاق"، و "مغازيه لابن عائذ الكاتب"، و "الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد"، و "تاريخ أبي عبد الله البخاري"، وبعض "تاريخ أبي بكر أحمد بن أبي خيثمة"، و "تاريخ يعقوب الفسوي"، و "تاريخ محمد بن المثنى العنزي"، و "تاريخ أبي حفص الفلاس"، و "تاريخ أبي بكر بن أبي شيبة"، و"تاريخ الواقدي"، و "تاريخ الهيثم بن عدي"، و "تاريخ خليفة بن خياط"، و"الطبقات" له، و "تاريخ أبي زرعة الدمشقي"، و "الفتوح لسيف بن عمر"، وكتاب "النسب للزّبير بن بكّار"، و "المسند للإمام أحمد"، و "تاريخ المفضل بن غسان الغلابي"، و "الجرح والتعديل ليحيى بن معين"، و "الجرح والتعديل لعبد الرحمن بن أبي حاتم"، و "تاريخ أبي عبد الله الحاكم"، و "تاريخ أبي سعيد بن يونس"، و "تاريخ أبي بكر الخطيب"، و "تاريخ دمشق لأبي القاسم الحافظ"، و "تاريخ أبي سعد بن السمعاني"، و"الأنساب" له، و "تاريخ القاضي شمس الدين بن خلكان"، و "تاريخ العلاّمة شهاب الدين أبي شامة"، و "تاريخ الشيخ قطب الدين بن اليونيني"، و "تاريخه ذيل على تاريخ مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي" وهما على الحوادث والسّنين، و "تاريخ الطبري"، و "تاريخ ابن الأثير"، و "تاريخ ابن الفرضي"، و"صلته لابن بشكوال"، و "تكملتها لابن الأبار"، و"الكامل لابن عدي"، وكتباً كثيرة، وأجزاء عديدة، وكثيراً من: "مرآة الزمان".

 

وقد تبلور منهج الذهبي في هذا الكتاب باعتماده على الأسلوب الخبري تأثراً بشيخه علم الدين البرزالي في سرد الأحداث التاريخية والسياسية والعلمية والاقتصادية للعالم الإسلامي، كما كشف الكتاب الفخم من خلال ترجمته لآلاف العلماء، وعلى مدى القرون الطويلة التي تعرض لها اتجاهات الثقافة الإسلامية، وعناية العلماء بعلوم معينة، وكشف عن طرائقهم في التدريس والإملاء والمناظرة، ودور المدارس في نشر العلم والمذاهب الفقهية في أنحاء العالم الإسلامي.

 

وأسلوب الإمام الذهبي في تأليف هذا الكتاب تبعه فيه الكثيرون من أبرزهم: ابن كثير، ثم المقريزي الذي طور من أسلوب الذهبي، ومزج بينه وبين طريقة ابن خلدون في الاستقصاء والتحليل، ومن تأثر به من المتأخرين الجبرتي في كتابه: "عجائب الآثار في التراجم والأخبار".

 

ثانيهما: سير أعلام النبلاء:

وهو درة الكتب، وقد استخرجه الذهبي من كتابه الضخم: "تاريخ الإسلام"، وهو من أمتع كتب التراجم وأجلها، مما لا يستغني عنها باحث أو قارئ،  فهو الصورة الصادقة لأعلام الأمة على مدار سبعة قرون.

 

بدأ الذهبي في تأليف كتابه: "سير أعلام النبلاء" سنة: 732هـ أو قبيلها بقليل، وأول نسخة من الكتاب قد بدأ الذهبي بنسخها في سنة: 739هـ، وانتهى من المجلد الثالث عشر في أوائل سنة: 743هـ، وهذا يعني أن المؤلف كان قد انتهى من تأليف كتابه سنة: 739هـ، أو قبلها.

 

وقد رتب الذهبي تراجمه على أساس الطبقات التي تعني فترة زمنية محددة، وقد جعلها عشر سنوات في كتابه: "تاريخ الإسلام" فيذكر الحوادث سنة بعد سنة، ثم يذكر في نهاية الطبقة تراجم الوفيات من الأعلام، مع الالتزام بترتيبها على حروف المعجم.

 

في حين جعل الطبقة في "سير أعلام النبلاء" عشرين سنة، ومن ثم اشتمل الكتاب على خمس وثلاثين طبقة.

 

ولكن الذهبي لم يلتزم بهذه المنهجية في التقسيم على طول الخط، وقد وجدنا الذهبي في "سير أعلام النبلاء" كثيرا ما يجمع تراجم الأقرباء في مكان واحد، ولا سيما الإخوة والآباء والأبناء، وهو بعمله هذا إنما راعى الوحدة التاريخية، لكنه في الوقت نفسه كان على حساب "الطبقة" والزمان.

 

فحينما ترجم الذهبي لعاقل بن البكير أحد شهداء بدر أتبعه بتراجم إخوته الثلاثة: خالد بن البكير الذي استشهد يوم الرجيع: سنة أربع، وإياس بن البكير المتوفى سنة: 34 هـ، وعامر الذي استشهد يوم اليمامة، فحينما ترجم للسلطان الهمام صلاح الدين يوسف المتوفى سنة: 589 هـ ترجم معه لأبنائه: العزيز المتوفى سنة: 595 هـ، والظاهر المتوفى سنة: 613 هـ، والأفضل المتوفى سنة: 622 هـ، وهلم جرا.

 

وقد اتبع الإمام الذهبي أسساً وضوابط معينة عند انتقائه للتراجم التي وضعها في سفره الحافل، من أبرزها:

1- العلمية: كان الذهبي قد أورد في "تاريخ الإسلام" جميع المشاهير والأعلام، ولم يورد المغمورين والمجهولين، وقد استعمل الذهبي لفظ: "الأعلام" ليدل على المشهورين جدا بعرفه هو لا بعرف غيره، ذلك أن مفهوم: "العلم" يختلف عند مؤلف وآخر استنادا إلى عمق ثقافته.

 

2- الشمول النوعي: ولم يقتصر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" على نوع معين من الأعلام، بل تنوعت تراجمه فشملت كثيرا من فئات الناس، من الخلفاء، والملوك، والأمراء والسلاطين، والوزراء، والنقباء، والقضاة، والقراء، والمحدثين، والفقهاء، والأدباء، واللغويين، والنحاة، والشعراء، وأرباب الملل والنحل والمتكلمين والفلاسفة، ومجموعة من المعنيين بالعلوم الصرفة.

 

ومع أن المؤلف قصد أن يكون "السير" شاملا لجميع أعلام الناس، إلا أننا وجدناه يؤثر المحدثين على غيرهم، لذلك جاءت الغالبية العظمى من المترجمين من أهل العناية بالحديث النبوي الشريف رواية ودراية.

 

3- الشمول المكاني: وقد عمل المؤلف أن يكون كتابه شاملا لتراجم الأعلام من كافة أنحاء العالم الإسلامي من الأندلس غربا إلى أقصى المشرق، وهو شمول قل وجوده في كثير من الكتب العامة التي تناولت تراجم المسلمين.

 

4- طول التراجم وقصرها: وهذه من الأمور الواضحة لمطالع الكتاب، فقد نجد ترجمة لا تزيد على بضعة أسطر، بينما نجد ترجمة أخرى قد تبلغ صفحات عديدة.

 

إنصاف الإمام الذهبي:

كانت كتب التراجم والطبقات قبل ظهور الذهبي تعاني من سمة عامة، قلما يخلو منها كتاب، هذه السمة هي التعصب للمذهب والطريقة والبلد والمحلة، والتماس الأعذار عند صدور الأخطاء، بالجملة كانت  معظم كتب التراجم طافحة بالغلو والتعصب وغياب الإنصاف حتى ظهر الإمام الذهبي بمدرسته العلمية القائمة على الإنصاف والموضوعية عند التقييم والترجمة حتى مع أشد المخالفين.

 

وقد انتقد الإمام الذهبي الحافظين: أبا نعيم الأصبهاني والخطيب البغدادي، وذنبهما بروايتهما الموضوعات في كتبهما وسكوتهما عنها بسبب التعصب الشديد والتحامل على المخالفين.

 

فالإمام الذهبي يبدأ بالثناء على الرجل يذكر حسناته وأعماله الطيبة، ثم يبين ما وقع فيه من الأخطاء، وتكرر ذلك طول الكتاب، ومن أمثلة ذلك:

1- قوله في ترجمة: "ابن تومرت البربري": "الشيخ، الإمام الفقيه، الأصولي، الزاهد، كان أماراً بالمعروف نهاءً عن المنكر، قوي النفس، زعراً شجاعاً، ذا هيبة ووقار وجلالة في معاملة وتألُّه، انتفع به خلق، واهتدوا في الجملة، وملكوا المدائن وقهروا الملوك،… وكان خشن العيش، فقيراً قانعاً باليسير… إلى أن يقول ذاكراً مصائبه ومعايبه: وكان لهجاً بعلم الكلام، خائضاً في مزالق الأقدام، وربط البربر بادعاء العصمة، وأقدم على الدماء، إقدام الخوارج".

 

2- قال في ترجمة: "عبد الوارث بن سعيد": "وكان عالماً مجوداً، ومن أهل الدين والورع، إلا أنه قدري مبتدع".

 

3- وقال في ترجمة: "الشريف المرتضى": "وكان من الأذكياء الأولين، المتبحرين في الكلام والاعتزال، والأدب، والشعر، لكنه إمامي جلد، نسأل الله العفو".

 

4- وقال في ترجمة: الجاحظ الأديب الفصيح البليغ المعتزلي: "العلامة المتبحر ذو الفنون.. وكان أحد الأذكياء… وكان ماجناً قليل الدين، له نوادر".

 

5- وقال في ترجمة ابن العميد: "كان عجباً في الترسل والإنشاء والبلاغة، يضرب له المثل، ويقال له: الجاحظ الثاني، وقيل: بدأت الكتابة بعبد الحميد، وختمت بابن العميد.. وكان مع سعة فنونه لا يدري ما الشرع، وكان متفلسفاً، متهماً بمذهب الأوائل".

 

6- وقال في ترجمة: قرة بن ثابت: "الصابيء الشقي، الحراني، فيلسوف عصره، وكان يتوقد ذكاءً".

 

7- وقال أيضاً: "قال أبو الحسن الصفار: سمعت أبا سهل الصعلوكي، وسئل عن تفسير أبي بكر القفال، فقال: قدسه من وجه، ودنسه من وجه (أي دنسه من جهة نصره الاعتزال) ثم قال: قد مرَّ موته، والكمال عزيز، وإنما يمدح العالم بكثرة ما له من الفضائل، فلا تدفن الحسنات لورطة، ولعله رجع عنها، وقد يغفر الله له باستفراغه الوسع في طلب الحق ولا قوة إلا بالله".

 

8- قال في ترجمة: السهروردي المقتول: "كان يتوقد ذكاءً، إلا أنه قليل الدين".

 

9- وقال في ترجمة: محمد بن نصر المروزي (بعد أن نقل قوله: "إن الإيمان مخلوق"): "والخوض في ذلك لا يجوز" ثم قال: "ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في أحد المسائل خطأ مغفوراً له قمنا عليه، وبدعناه، وهجرناه لما سلم معنا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما".

 

10- وقال في ترجمة: رأس المعتزلة عمرو بن عبيد: "الزاهد العابد" ثم نقل كلام ابن معين فيه: بأنه كان من الدهرية، فعقب عليه قائلاً: "لعن الله الدهرية فإنهم كفار وما كان عمرو هكذا".

 

11- وقال في ترجمة: بشر المريسي المعتزلي: "ومن كفر ببدعة (وإن جلت) ليس هو مثل الكافر الأصلي، ولا اليهودي، والمجوسي؛ أبى الله أن يجعل من آمن بالله ورسوله، واليوم الآخر، وصام، وصلى، وحج، وزكى (وإن ارتكب العظائم، وضل، وابتدع) كمن عاند الرسول، وعبد الوثن، ونبذ الشرائع، وكفر، ولكن نبرأ إلى الله من البدع، وأهلها".

 

12- وقال في ترجمة الحلاج المصلوب: "ما ينبغي لك يا فقيه أن تبادر إلى تكفير المسلم إلا ببرهان قطعي؛ كما لا يسوغ لك أن تعتقد العرفان والولاية فيمن قد تبرهن زغله، وانهتك باطنه وزندقته؛ فلا هذا، ولا هذا؛ بل العدل أن من رآه المسلمون صالحاً محسناً؛ فهو كذلك؛ لأنهم شهداء الله في أرضه؛ إذ الأمة لا تجتمع على ضلالة، وأن من رآه المسلمون فاجراً أو منافقاً أو مبطلاً؛ فهو كذلك، وأن من كان طائفة من الأمة تضلله، وطائفة من الأمة تثني عليه، وتبجله، وطائفة ثالثة تقف فيه وتتورع من الحط عليه؛ فهو ممن ينبغي أن يعرض عنه، وأن يفوض أمره إلى الله، وأن يستغفر له في الجملة؛ لأن إسلامه أصلي بيقين، وضلاله مشكوك فيه؛ فبهذا تستريح، ويصفو قلبك من الغل للمؤمنين".

 

هذا المنهج لم يعجب المتعصبون والمتحزبون قديماً وحديثاُ، فصار الذهبي -رحمه الله- بجلالته وقيمته العلمية السامقة، ومؤلفاته الضخمة؛ غرضاً لسهام نقدهم اللاذع الذي وصل للسباب والقدح والطعن في العقائد، فقد عرفنا من حياة الذهبي أنه رافق الحنابلة، وتأثر بشيخه ابن تيمية لا سيما في العقائد، فكان شافعي الفروع، حنبلي الأصول، ولذلك عني عند النقد بإيراد العقائد على طريقة أهل الحديث، وبسبب العقائد انتقد الذهبي من بعض معاصريه لا سيما تلميذه تاج الدين عبد الوهاب السبكي: 728 – 771هـ، في غير موضع من كتابه: "طبقات الشافعية الكبرى"، وفي كتابه الآخر: "معيد النعم"، فقال في ترجمته من الطبقات: " كان شيخنا، والحق أحق ما قيل، والصدق أولى ما آثره ذو السبيل شديد الميل إلى آراء الحنابلة، كثير الازدراء بأهل السنة، الذين إذا حضروا كان أبو الحسن الأشعري فيهم مقدم القافلة، فلذلك لا ينصفهم في التراجم، ولا يصفهم بخير إلا وقد رغم منه أنف الراغم. صنف التاريخ الكبير، وما أحسنه لولا تعصب فيه، وأكمله لولا نقص فيه وأي نقص يعتريه".

 

وقد أثارت انتقادات السبكي هذه نقاشا بين المؤرخين، فرد عليه السخاوي، ت: 902ه، حيث اتهم السبكي بالتعصب الزائد للأشاعرة، ونقل قول عز الدين الكناني، ت: 819هـ في السبكي: "هو رجل قليل الأدب، عديم الإنصاف، جاهل بأهل السنة ورتبهم".

 

وقال يوسف بن عبد الهادي، ت: 909هـ في "معجم الشافعية": "وكلامه هذا في حق الذهبي غير مقبول فإن الذهبي كان أجل من أن يقول ما لا حقيقة له، والإنكار عليه أشد من الإنكار على الذهبي لا سيما وهو شيخه وأستاذه فما كان ينبغي له أن يفرط فيه هذا الإفراط".

 

وفاته:

ظل الإمام الذهبي موفور النشاط، يقوم بالتدريس في خمس مدارس للحديث في دمشق، ويواصل التأليف حتى كلّ بصره في آخر حياته، حتى فقد الإبصار تماماً، قبل موته بأربع سنين أو أكثر، بماء نزل في عينيه.

 

وتوفي بتربة أم الصالح، ليلة الاثنين ثالث ذي القعدة قبل نصف الليل سنة: 748 هـ/ 1348م.

 

ودفن بمقابر باب الصغير، وحضر الصلاة عليه جملة من العلماء كان من بينهم/ تاج الدين السبكي.

 

وقد رثاه غير واحد من تلامذته منهم/ الصلاح الصفدي، والتاج السبكي، وغيرهم.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات