طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الأحـداث التاريخية > شخصيات تاريخية > سلسلة أشهر أعداء الإسلام (2) ألفونسو المحارب ملك أرجون

ملتقى الخطباء

(1٬237)
1131

سلسلة أشهر أعداء الإسلام (2) ألفونسو المحارب ملك أرجون

تاريخ النشر : 1437/05/08
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

ألفونسو المحارب كان عدواً خالصاً للإسلام والمسلمين، ظل طوال عمره الذي جاوز الستين في قتال مستمر ضد مسلمي الأندلس، لم يتلذذ بمتع أو ملاذ مثل سائر الملوك، ولم يتنعم بفراش أو قصور، بل قضي عمره كله على صهوة جواده ينتقل من معركة لأخرى، لم يتزوج بعد طليقته أوراكا، ولم ينجب، بل لم يكن يرى لنفسه أي غاية أو مهمة في الحياة سوى قتال المسلمين في كل مكان وخدمة دينه ومعتقده، فياله من رجل لو كان مسلماً، ويا لها من إنجازات وبطولات لو كانت خدمة للإسلام والمسلمين.

 

 

 

تعتبر دولة الإسلام في الأندلس من أطول وأعظم دول وممالك الإسلام عبر التاريخ الإسلامي الممتد لأكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان، فقد مكثت أكثر من ثمانية قرون، مرت خلالها دولة الإسلام بفترات مد وجزر، وقوة وضعف، وتمدد وانكماش، وهجوم ودفاع، كما قامت عدة دول وممالك اتسعت في بعض الأحيان لتضم الأندلس كلها، وانحصرت أحياناً لتقتصر على إقليم أو ولاية أو حتى مدينة كبيرة. وخلال هذه الفترة الطويلة قامت عدة ممالك نصرانية إسبانية وبرتغالية في شمال وغرب الأندلس، وظهرت عدة شخصيات معادية للوجود الإسلامي في الأندلس، بعضهم اشتهر بمعركة أو اثنين، وبعضهم اشتهر بعداوة إقليم أو مملكة معينة في الأندلس، وبعضهم نذر حياته كلها لمحاربة الإسلام والمسلمين والعمل على محو الوجود الإسلامي من بلاد الأندلس بالكلية. ومن هذا النوع الأخير ككل، بطل هذه الحلقة من سلسلة أشهر أعداء الإسلام.

 

أولاً: التعريف به:

 

هو الملك الإسباني الشهير ألفونسو الأول بن سانشو راميرز بن راميرو الأول، والملقب بالملك المحارب، وذلك بسبب استمراره في القتال ضد المسلمين طوال حياته، ولد سنة 1073م وكان الابن الثاني لأبيه الملك سانشو راميرز، وتولى عرش مملكة أرجون بعد وفاة أخيه الملك بيدروا الأول سنة 497هـ / 1104م. وتقع مملكة أرجون في أقصى شمال الأندلس، وكانت أول مملكة تشكلت وقامت بعد الفتح الإسلامي سنة 92هـ حيث لجأ إليها فلول الأسبان القوط بعد هزيمتهم من المسلمين وأسسوا هذه المملكة؛ لتكون فيما بعد نقطة انطلاق لحركة الاسترداد الصليبية ضد دولة الإسلام في الأندلس، وهي الآن تعرف باسم إقليم كتالونيا وهو الإقليم الذي يسعى للاستقلال عن إسبانيا، وينظر مواطنو هذا الإقليم لأنفسهم على أنهم ليسوا أسباناً مثل الأسبان الموجودين حالياً، وأنهم هم أهل أسبانيا الأصليين.

 

نشأ ألفونسو المحارب في جو يضطرم بنزعة دينية عميقة وأجواء تعج بالعداء الصليبي ضد كل ما هو مسلم، فجده راميرو الأول كان أول من وضع مملكة أرجون تحت تصرف كرسي البابويه في روما خدمة لجهودها في محاربة العالم الإسلامي، وقد تعهد راميرو بدفع عشر إيراد مملكته سواء من المال أو المحاصيل إلى كرسي البابوية، وعشر الجزية التي يدفعها ملوك سرقسطة وتطلية المسلمين الضعاف، كما تعهد بتغير طقوس الصلاة القوطية القديمة بالطقوس الرومانية، وهذه النقطة تحديداً كانت موضع خلاف كرسي البابويه مع ملوك إسبانيا، حتى كان راميرو أول من غير هذه الطقوس. أيضاً مما ساعد على تنمية وتعزيز الروح الصليبية العميقة والخالصة في نفس ألفونسو المحارب، والجهود الجبارة التي بذلها أبوه الملك سانشو راميرز في محاربة المسلمين، فقد كان ملكاً صليبياً مخلصا لنصرانيته، فقد ذهب للحج إلى روما سنة 460هـ، وهناك أعلن خضوعه الكامل لبابا روما إسكندر الثاني الذي قام بتشجيع الفرنسيين والطليان على الهجرة إلى مملكة أرجون والاشتراك في قتال المسلمين، وكانت تلك الخطوة فاتحة الحروب الصليبية العالمية في الأندلس والتي أدت معركة الزلاقة -فيما بعد- إلى إزكائها وامتداد لهيبها في كل المواجهات بين المسلمين والأسبان. 

 

ألفونسو المحارب وجماعات فرسان المعبد:

 

جماعات فرسان المعبد تشكلت في الأساس من رهبان فرسان الاسبتارية والداوية، وكان أول ظهور لهما في بيت المقدس كجماعة خيرية ترعى شئون إحدى المستشفيات التي أسسها التجار الطليان ببيت المقدس سنة 432هـ أيام خضوع بيت المقدس لحكم الدولة الفاطمية الخبيثة، وبعد سقوط بيت المقدس بيد الصليبيين سنة 492هـ تحولت هاتان الجمعيتان الخيريتان؛ الداوية والاسبتارية إلى جماعة مقاتلة تنتظم في الحروب الصليبية ضد العالم الإسلامي، وقد استغلت تلك الجماعتان الروح الصليبية العالية بين الأوروبيين الذين نذروا أنفسهم لقتال المسلمين للتطهر من ذنوبهم بفتح باب التطوع للانتظام في سكلهما. وكان لنشأة هاتين الجماعتين كنظام يجمع بين الرهبنة والعسكرية صدى كبير في بلاد الأندلس، ووافق قيامها وذيوع صيتهم ولاية ألفونسو المحارب على أرجون سنة 497 هـ فرحب بهم وعمل على إنشاء فرع لهم بمملكة أرجون، ومنحهم الاقطاعات والضياع والقلاع التي تمثل رافداً مالياً هاماً بالنسبة للمجهود الحربي لهذه الجماعات المحاربة،  بل وفعل ما لم يفعله أبوه وجده، وهو دعوة مواطنيه من أهل أرجون للاشتراك في الحروب الصليبية في الشام على الرغم من صدور مرسوم بابوي يستثني الأسبان من المشاركة؛ لتفريغهم لمحاربة مسلمي الأندلس، حتى إنه قد فكر في احتلال مدن لاردة وطرطوشة وبلنسية في شرق الأندلس؛ لتكون قواعد بحرية يرسل منها الحملات البحرية إلى بيت المقدس.

 

ومن شدة إيمان ألفونسو المحارب بفكرة الحروب الصليبية قام بشيء لم يفعله قبله ولا بعده أحد من ملوك الصليبيين وربما على مر العصور حتى اليوم. فقد قام ألفونسو المحارب بكتابة وصية هي من أعجب الوصايا في تاريخ الصراع بين الإسلام والصليبية، فقد أوصى بتقسيم مملكته بعد وفاته إلى ثلاثة أقسام: الأول يخص السلام وصدقة على روح أبويه وتكفيراً عن زلاته، شريطة أن تكون هذه الصدقة لصالح القبر المقدس -يقصد القبر المزعوم لعيسي -عليه السلام- في الناصرة بالشام- والقسم الثاني للفقراء وفرسان الاسبتارية ببيت المقدس، والثالث لفرسان الداوية باعتبارهم حماة المسيحية في بيت المقدس. فانظر إلى هذا الإخلاص والإيمان العميق بمعاداة المسلمين والعالم الإسلامي حتى إنه قد وهب كل أملاكه لصالح المجهود الحربي ضد العالم الإسلامي.

 

ألفونسو المحارب والحرب الأهلية:

 

تولى ألفونسو المحارب زعامة مملكة أرجون سنة 497هـ، وكان شاباً فتياً يضطرم -كما قلنا- بروح صليبية عميقة ضد المسلمين عامة، ومسلمي الأندلس خاصة، وكان في ذلك الوقت كبير ملوك أسبانيا النصرانية وعاهلها الكبير هو ألفونسو السادس ملك مملكة قشتالة "أسبانيا القديمة" على مشارف الثمانين ولم يعد على مواصلة القتال ضد المرابطين حكام الأندلس في هذه الفترة، فظل ألفونسو المحارب يعمل على تدبير شئون مملكته وهو يفكر ويخطط للهجوم على جيرانه المسلمين في الجنوب ونقصد بهم مدينة سرقطسة العظيمة.

 

هلك ألفونسو السادس سنة 501 هـ ولم يكن وريث ذكر، فأوصى أن تتزوج ابنته الكبرى " أوراكا " من ملك أرجون الشاب الطموح ألفونسو المحارب؛ لتتحد جهود مملكتي قشتالة وأرجون في القتال ضد المرابطين، وكانت هذه الزيجة سياسية من المقام الأول، حاول بها ألفونسو المحارب الحصول على مكانة سلفه ألفونسو السادس ليكون عاهل أسبانيا الجديد.

 

أتت الرياح بما تشتهي السفن، قد كانت هذه الزيجة السياسية من صنع الله -عز وجل- لمسلمي الأندلس حيث أدت اختلاف الطباع بين ألفونسو المحارب وزوجته أوراكا ملكة قشتالة، والرغبة في السيطرة وحب الرئاسة عند الطرفين؛ لاشتعال حرب أهلية بين قشتالة وأرجون استمرت قرابة العشر سنوات تمزقت فيها أسبانيا النصرانية في صراع عطل حرب الاسترداد الصليبية حيناً من الدهر، ولكن للأسف لم يستفد المسلمون من هذه الحرب في تدعيم مواقعهم.

 

ألفونسو المحارب ومملكة سرقطسة:

 

انتهت الحرب الأهلية في أسبانيا بطلاق ألفونسو وأوراكا وتوقيع معاهدات سلام بين قشتالة وأرجون، تفرغ على إثرها ألفونسو المحارب لاستئناف حرب الاسترداد واضعاً نصب عينيه أول أهدافه: مملكة سرقسطة، فأرسل بسفارة إلى بابا روما يطلب منه إعلان الحرب الصليبية على مسلمي الأندلس وفتح باب التطوع للفرسان الفرنسيين والطليان للمشاركة في الحملة الصليبية الجديدة. وكانت سرقسطة تمثل بالأندلس منذ عهد الإمارة – زعامة الأسر العربية  – ، في الثغر الأعلى، واستمرت هذه الزعامة قائمة خلال القرن الخامس الهجري، أولًا في بني هاشم التجيبيين، ثم في خلفائهم بني هود، حتى وضع مقدم المرابطين حدًّا لهذا الوضع القبائلي بالقضاء على ملوك الطوائف، وكانت سرقسطة آخر القواعد التي سقطت في أيدي المرابطين، وذلك في أواخر سنة 503 هـ (1110م). وكان موقع سرقسطة موقعًا خطيرًا حساسًا؛ فقد كانت تلك المملكة المسلمة تقع بين الممالك النصرانية؛ بين إمارة برشلونة من الشرق، ومملكتي أراجون ونافار (نبرة) من الشمال، ومملكة قشتالة من الغرب؛ لذا كان النصارى يتحينون أي فرصة لضعف سلطان المرابطين للاستيلاء عليها ومد نفوذهم على قواعدها الهامة.

 

وفي عهد أمير المسلمين علي بن يوسف استغل النصارى فرصة خلو سرقسطة من والٍ يدير شؤونها بعد وفاة أميرها "أبي بكر بن إبراهيم بن تافلوت"، وانشغال أمير المرابطين "علي بن يوسف" بخوض عدة معارك بالبرتغال، وتورد المصادر الإخبارية أن علي بن يوسف قد عين في النهاية "عبد الله بن مزدلي" والي غرناطة ليكون واليًا لبلنسية وسرقسطة، وذلك في أواخر سنة 511 هـ (أواخر 1117م). ويبدو أن الحاكم الجديد لم يستطع الصمود طويلًا أمام أطماع الممالك النصرانية؛ إذ سرعان ما فرض ألفونسو المحارب حصارًا على سرقسطة، بدأ في شهر صفر سنة 512 هـ، الموافق لشهر مايو سنة 1118م.

 

ولم يكن الجيش المحاصر مكونًا فقط من الأرجونيين، أعداء سرقسطة الأصليين، بل كان يضم طوائف عديدة أخرى من النصارى، والواقع أننا نجد أنفسنا في هذا الموطن أمام حملة صليبية حقيقية، حيث كان عدد الجيش المحاصر لسرقسطة خمسين ألف فارس معظمهم من الفرنسيين والطليان والهولنديين.

 

وقد سارع علي بن يوسف بالكتابة إلى أمراء الأندلس بالمسير إلى أخيه تميم، وكان واليًا على شرق الأندلس؛ ليسيروا معه لاستنقاذ سرقسطة ولاردة، على وجه السرعة، وسار تميم إلى سرقسطة وخاض عدة معارك مع جيش النصارى هناك، حيث اشتبك عند لاردة في موقعة شديدة مع ألفونسو المحارب، وأنزل به هزيمة ساحقة، ولكنه بعد ذلك أدرك استحالة الحفاظ على سرقسطة وصعوبة استردادها في ظل إحاطة جميع الممالك النصرانية بها؛ مما اضطر تميمًا أن يعود على إثر ذلك إلى مقر ولايته بلنسية، ويترك أهل سرقسطة لمصيرهم المحتوم.

 

وقد وقع خلال الحصار الذي استمر سبعة أشهر كاملة معارك شديدة بين المسلمين والنصارى، اشترك فيها عبد الله بن مزدلي، آخر ولاة سرقسطة المسلمين، بقواته في هذه المعارك وأبلى فيها. وفي خلال ذلك الحصار اعتلَّ الأمير "عبد الله بن مزدلي"، فتوفي في رجب، فكتم خبر وفاته أيامًا؛ حتى لا يعلم به ملوك النصارى، ثم أذيع فكان له أثر سيئ على جميع من بالمدينة، ومع نفاد الأقوات، وشدة الحصار، سلمت المدينة بمعاهدة في يوم الأربعاء الثالث من شهر رمضان من عام 512 هـ، والذي يوافق 18 ديسمبر سنة 1118 م على الأرجح.

 

وكان سقوط سرقسطة أول ضربة موجعة حقيقية نالت دولة المرابطين وضعضعت هيبتهم العسكرية وهزت أركانها على يد ألفونسو المحارب، وكانت بداية لزوال ملك المرابطين وانحساره، وجرأة ملوك النصارى على التهام إماراتهم في الأندلس.

 

ألفونسو المحارب وغزوة الأندلس الكبرى:

 

 لم تمض بضعة أعوام عل سقوط سرقسطة حتى قام ألفونسو المحارب بأجرأ وأكبر دعم حربي يقوم به ملك أسباني صليبي في الأندلس على مر تاريخها، والمعروفة تاريخياً باسم "غزوة الأندلس الكبرى".

 

فلم تمضِ بضعة أعوام على سقوط سرقسطة وما حولها من الحصون والقلاع بيد ألفونسو المحارب، حتى سارع الملك المحارب بالهجوم على الإمارات والممالك الإسلامية في قلب الأندلس، في غزوة كبيرة، من حيث اتساع نطاقها، وخطورة العوامل الموجهة لها، وذلك بناء على تحريض النصارى المعاهدين بهذه الممالك الإسلامية.

 

وقد دعمه هؤلاء المعاهدون بالأخبار والتجسس على أحوال تلك الممالك، ووضعوا له الخطط لفتح أغلب تلك الممالك والتغلب عليها، رغم أن طوائف المعاهدين، في ظل هذه الحكومات الإسلامية، كانت تنعم بضروب الرعاية والتسامح، والتمتع بمزاولة شعائرهم وتقاليدهم، والاحتكام إلى قوانينهم وقضاتهم، والتحدث بلغتهم الخاصة، دون حيف أو ضغط متعمد يلحق بهم، ودون مطاردات دينية من أي نوع تعصف بأمنهم وسلامهم، كما أنهم كانوا يشغلون في أحيان كثيرة في القصر وفي الحكومة، مناصبَ النفوذ والثقة.

 

وكان أشد طوائف المعاهدين نشاطًا في تدبير هذه المؤامرة الكبرى: نصارى ولاية غرناطة، وكانوا من أكبر طوائف المعاهدين عددًا، وأغناهم مالًا، وأكثرهم ازدهارًا ومقدرة ونفوذًا، فلما أيقنوا بضعف ولاة المرابطين بعثوا إلى أمراء النصارى بكتبهم ورسلهم المتوالية، يلحون عليهم في غزو الأندلس وافتتاح غرناطة.

 

وبعث أولئك المعاهدون إلى ألفونسو رسالة تشتمل على أسماء اثني عشر ألفًا من أنجد مقاتليهم، على أهبة لمعاونته، وأنه يوجد غيرهم جموع غفيرة مستترة على قدم الأهبة، وبعثوا إليه في نفس الوقت بأوصاف غرناطة، وما تشتمل عليه من الثروات والمحاصيل الجمة، فتهيأ ألفونسو لغزوها وخرج من سرقسطة سنة 519 هـ في قوة مختارة من خمسة عشر ألفا من المقاتلين ومعه كثير من الفرسان الفرنسيين، وخرج معه عدد كبير من الرهبان في مقدمتهم أسقفا سرقسطة ووشقة، وقد تعاهدوا جميعاً على الإنجيل على القتال حتى الموت، وهكذا أصبحت الحملة صليبية وذات طابع ديني خالص، كما هو الحال في كل الحروب التي خاضها ألفونسو المحارب ضد مسلمي الأندلس. وسار مخترقًا شرقي الأندلس وجنوبه مرحلة مرحلة، ومنازلاً سائر قواعده وحصونه، مارًّا بشاطبة، وألش وأوريولة، حتى وصل إلى مرسية، ثم اجتاز منها إلى بيرة، فالمنصورة، فبرشانة، فبسطة، فوادي آش، إلى غرناطة، وفي أثناء ذلك كانت جموع المعاهدين تهرع إلى الانضمام إليه حيثما وجد، حتى اجتمعت له أعداد وفيرة، وكانوا يدلونه على الطرق والمسالك، ويكشفون له مواطن الضعف لدى المسلمين، في المدن والحصون التي يمر بها.

 

اقترب ألفونسو بقواته والجموع الغفيرة التي انضمت إليه من المعاهدين من غرناطة، فتناجى النصارى المعاهدون فيها بقدومه، وحاول أمير غرناطة منعهم من الانضمام إلى ألفونسو، ولكنهم سارعوا بالانضمام إليه، واستعد الجميع لاقتحام غرناطة. وكان والي الأندلس وقتها من قبل المرابطين هو الأمير أبو الطاهر تميم الأخ الشقيق لأمير الدولة المرابطية " علي بن يوسف بن تاشفين " فأرسل بصورة الأمر إلى أخيه قبل وصول ألفونسو إلى غرناطة، فأرسل إليه إمدادات كبيرة من سائر القواعد الأندلسية مثل أشبيلية ومرسية، وأحاطت القوات المرابطية الضخمة بغرناطة من كل اتجاه كالدائرة، واقترب ألفونسو بخمسين ألف مقاتل من المدينة وضرب عليها الحصار، واشتبك مع المرابطين عدة مرات، وكان الطقس بارداً وتساقطت الأمطار مما حال دون الاشتباك المفتوح، والمعاهدون يواصلون إمداده بالمؤن والسلاح، ثم ما لبث أن يأس ألفونسو من اقتحام المدينة بسبب بسالة المسلمين في الدفاع عنها، فعاد بعد أن عاث في طول الأندلس وعرضها نهباً وسلباً وفساداً، وقد وصل إلى مالقة في أقصى جنوب شرقي الأندلس، حيث أنشأ بها مركباً صغيراً، ركبه وصاد من على متنه السمك، ثم أكله، وفاءً لنذر نذره منذ ولايته أن يصل إلى آخر مدن الإسلام في الأندلس ويصطاد من بحرها. ورغم أن هذه الغزوة الجريئة لم تحقق شيئاً يذكر بالنسبة لحركة الاسترداد الأسبانية في الأندلس إلا أنها قد كشفت عن مدى ضعف نظم الدفاع عن الأندلس، وأن خطط المرابطين لم تكن كفيلة بردع عدوان الممالك الصليبية.

 

أيضاً بينت هذه الغزوة حقيقة هامة، وهي أن النصارى المعاهدين الذين يعيشون في ظل الحكومة الإسلامية، ويتمتعون برعايتها لم يكونوا يشعرون نحوها بذرة من الولاء، بل كانوا يمثلون خطرًا داخليًّا على الأندلس، ولا يدخرون وسعًا في الكيد لها، وكان لا بد من عقاب رادع لهذا الجحود، وقد استقبل قضاة المسلمين هذا الفعل بالغضب والتحفز لنصارى الأندلس، مما حمل كبير الجماعة في قرطبة القاضي "أبو الوليد بن رشد"، على أن يعبر البحر إلى المغرب، ثم قصد إلى أمير المسلمين "علي بن يوسف" بمراكش، وشرح له أحوال الأندلس، وما منيت به على يد المعاهدين، وما جنوه عليها من استدعاء النصارى، وما يترتب على ذلك من "نقض العهد والخروج على الذمة"، وأفتى له بتغريبهم ووجوب إجلائهم عن أوطانهم، وهو أخف ما يؤخذ به في عقابهم، فأخذ أمير المسلمين بهذه الفتوى، وصدر عهده إلى جميع بلاد الأندلس بتغريب المعاهدين إلى العُدوة (المغرب)، فنفيت منهم جموع غفيرة، وسيق الكثير منهم إلى مكناسة وسلا وغيرهما من بلاد العدوة، وهلك منهم خلال العبور والسفر عدد كبير، وضم أمير المسلمين علي بن يوسف منهم عددًا إلى حرسه الخاص ـ ولاشك في سوء التدبير والقرار في هذه الخطوة.

 

على أن هذا التغريب لم يكن شاملًا، فقد بقيت في غرناطة وفي قرطبة وفي غيرهما من القواعد جماعات من النصارى المعاهدين، لأسباب مختلفة، لتنمو وتزدهر مرة أخرى، وقد وقع تغريب المعاهدين في شهر رمضان سنة 521 هـ (أواخر سنة 1127 م)، وكانت نكبة بالغة لم يصب المعاهدين مثلها من قبل بالأندلس.

 

 نهاية ألفونسو المحارب:

 

مع غزوة ألفونسو الكبرى على بلاد الأندلس عام 521 هجرية ازدادت أطماعه في ملك شبه الجزيرة الإيبرية وإنهاء حكم المسلمين على ممالك الأندلس، وشجعه على ذلك تخاذل أمراء المرابطين عن مواجهته مواجهة حاسمة تقضي على آماله في تمدد نفوذه في الأندلس، وقد قام ألفونسو عام 528 هـ بحملة جديدة على المسلمين من أجل الاستيلاء على القواعد الإسلامية، الواقعة في مثلث نهري سنكا وسجري، ثم محاولة الاستيلاء على طرطوشة بعدها.

 

وأعد ألفونسو حملة جديدة قوية للبدء في تنفيذ مشروعه، واشترك في هذه الحملة كثير من الأشراف والفرسان الفرنسيين، على غرار ما حدث في حملة سرقسطة، وبدأ ألفونسو بالزحف على مدينة مكناسة الواقعة عند ملتقى نهري سجري وإبرة، وهي قاعدة حصينة، ولكن الدفاع عنها لم يكن ميسورًا؛ لوقوعها في السهل المكشوف، فهاجمها النصارى بشدة، واضطرت إلى التسليم بعد مقاومة عنيفة، وذلك في يونيو سنة 1133م (أواخر سنة 527 هـ).

 

واتجه ألفونسو بعد ذلك إلى الاستيلاء على مدينتي إفراغة ولاردة، وبدأ الزحف على إفراغة، وهي تقع على الضفة اليمنى لنهر سنكا على مسافة قريبة من شمال مكناسة، وكانت مدينة إفراغة شديدة التحصين وتقع على ربوة عالية في نهاية منحدر وعر ضيق، وهرع "الزبير بن عمرو اللمتوني" من قرطبة إلى الثغر الأعلى، في ألفي فارس، ومعه مقادير وفيرة من المؤن، واشترك معه الأمير أبو زكريا يحيى بن غانية والي بلنسية ومرسية، في قوة تقدرها الرواية بخمسمائة فارس، وكان من أعظم وأشجع القادة المرابطين، وكذلك حشد "عبد الله بن عِياض" والي لاردة قواته للدفاع عن إفراغة.

 

وكان أهل إفراغة حينما ضيق عليهم ألفونسو الحصار، وأخذت مواردهم في النضوب، قد كتبوا إلى يحيى بن غانية باعتباره عميد القادة المرابطين، بطلب الإنجاد، وأنذروه في كتابهم، بأنه إن لم يفعل خضعوا لألفونسو، وسلموه المدينة، ولكن ابن غانية لم يكن في حاجة إلى مثل هذا النذير، وكانت مهمة إنجاد إفراغة وإنقاذها تلقى لديه ولدى سائر القادة المرابطين منذ البداية منتهى الاهتمام، ولعل رسالة أهل إفراغة كانت خوفًا من أن يلقوا نفس مصير أهل سرقسطة من التخاذل من أمراء المرابطين حتى وقعت في أيدي النصارى.

 

وفي تلك الأثناء كان ألفونسو قد وصل بقواته إلى إفراغة، وضرب حولها الحصار، فقاومته حاميتها وأهلها بقيادة واليها "سعد بن محمد بن مردنيش" أشد مقاومة، واضطر أن يرفع الحصار غير مرة، ثم يعود إليه، وحملته هذه المقاومة ذاتها على مضاعفة جهوده في التضييق على المدينة المحصورة، والتصميم على أخذها، وأقسم ألفونسو تحت أسوار إفراغة، أن يفتتح إفراغة أو يموت دونها، وأقسم معه عشرون من قادته كذلك، وأمر ألفونسو كذلك أن يؤتى برفات القديسين إلى المعسكر؛ إذكاء لحماسة الجند، وأن يتولى الأساقفة والرهبان قيادة الصفوف.

 

كانت الجيوش المرابطة منقسمة إلى عدة سرايا نظرًا لأنها قدمت من عدة أماكن متفرقة من الأندلس، فوصلت إحدى السرايا مبكرًا عن باقي الجيوش، وأسرعت هذه السرية فاشتبكت مع الصليبيين، فهزمت بسبب الفارق الكبير بين الفريقين، وعندها دب اليأس والوهن في قلوب أهل المدينة وعرضوا التسليم نظير الأمن على النفس والمال والولد، فرفض ألفونسو المحارب هذا العرض وأصر على اقتحام المدينة بالقوة وقتل جميع أهلها وفاءً بيمينه.

 

في هذه الأثناء وصلت باقي الجيوش المرابطية بقيادة (يحيى بن غانيه) الذي وضع خطة ذكية لاستدراج الصليبيين خارج أسوار المدينة، بواسطة قافلة من المؤن، وبالفعل نجحت الخدعة الحربية، وتحرك الصليبيون عن أسوار المدينة، وعندها انقض المرابطون على الصليبيين، ورغم التفاوت الكبير بين الجيشين، إذ كان الصليبيون أضعاف المسلمين، إلا أن المعركة كانت من أشد وأعنف ما عرفه تاريخ القتال بين المسلمين والنصارى في شمال الأندلس، ثم حدث تغير كبير في القتال عندما خرج أهل إفراغة من أبواب المدينة التي ترك الصليبيون محاصرتها وانقضوا على مؤخرة الجيش الصليبي الذي وقع بين فكي كماشة فتاكة، وتمزق الجيش الصليبي ووقعت عليه الهزيمة المروعة في 23 رمضان سنة 528هـ / 25 يوليو 1134م. ويروي مؤرخ أرجوني في وصفه للمعركة أنه حين تمت الهزيمة الساحقة على النصارى، عمد ألفونسو إلى الفرار بصحبة فارسين فقط، ولجأ إلى دير القديس "خوان دي لابنيا" في سرقسطة، وهنالك توفي غمًّا ويأسًا، لثمانية أيام فقط من الموقعة، وذلك في 25 يوليه سنة 1134 م. وبذلك تخلص المسلمون من خصم عنيد كان لديه أمل كبير في إنهاء الوجود الإسلامي في عهد المرابطين، والاستيلاء على جميع مدن الثغر الأعلى لجزيرة الأندلس.

 

ألفونسو المحارب كان عدواً خالصاً للإسلام والمسلمين، ظل طوال عمره الذي جاوز الستين في قتال مستمر ضد مسلمي الأندلس، لم يتلذذ بمتع أو ملاذ مثل سائر الملوك، ولم يتنعم بفراش أو قصور، بل قضي عمره كله على صهوة جواده ينتقل من معركة لأخرى، لم يتزوج بعد طليقته أوراكا، ولم ينجب، بل لم يكن يرى لنفسه أي غاية أو مهمة في الحياة سوى قتال المسلمين في كل مكان وخدمة دينه ومعتقده، فياله من رجل لو كان مسلماً، ويا لها من إنجازات وبطولات لو كانت خدمة للإسلام والمسلمين.

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات