طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||

ملتقى الخطباء

(3٬434)
1115

الإمام النووي

تاريخ النشر : 1434/09/17
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

شيخ الإسلام, مفتي الأنام, المحدث المتقن، المدقق النجيب، الحبر المفيد للقريب والبعيد, محرر المذهب، وضابطه ومرتبه, أحد العباد الورعين الزهاد، العلَم العامل, المحقق الفاضل، الولي الكبير, السيد الشهير, ذو المحاسن العديدة، والسير الحميدة، والتصانيف المفيدة, الذي فاق جميع الأقران, وسارت بمحاسنه الركبان، واشتهرت فضائله في سائر البلدان, وشوهدت له…

إمامنا النووي من أوفر العلماء نصيبا من هذه المحبة، ومن ثناء الخلق.

والدارس لترجمته يرى فيه من الزهد والورع, والحرص على طلب العلم النافع, والعمل الصالح, والقوة في الجهر بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخشية والمحبة لله -عز وجل- ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- ما يبين سر هذه المحبة التي تملأ قلوب الخلق.

 

لقد فاق الإمام النووي علماء عصره، ومن المرجح: أنه مات ولم يتعد الخامسة والأربعين عاماً, وترك الآثار العلمية والتقريرات والكتب والمحررات ما فاق به علماء عصره، وأئمة دهره.

 

فهذه ترجمة الإمام النووي أهديها إلى إخواننا من الخطباء لعلها تكون سببا في شحذ هممهم في طلب العلم, والزهد في أعراض الدنيا الفانية، أو الرغبة في الآخرة الباقية.

 

لقد تزوج شيخنا النووي كتب العلم النافع, ورضي بسكنى الأربطة المعدة للطلاب، وقنع بالكعك والتين, حتى يوفر وقته وجهده لخدمة المسلمين.

 

وكان يلبس المرقع من الثياب، ولا يبالي بزينة الدنيا طلبا لرضا الملك الوهاب، فما نال من الدنيا شيئا من زينتها وشهواتها، ولم تنل منه الدنيا شيئاً؛ فكانت حياته كلها لله حتى فارق الدنيا, وهو في طلب العلم والعبادة, والزهادة والتصنيف, والإفادة.

 

فرحمه الله رحمة واسعة، وأدخلناه وإياه جنة عالية, قطوفها دانية، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه.

 

 

التعريف به:

اسمه:

يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن محمد الحوراني الدمشقي الشافعي.

 

كنيته:

أبو زكريا, وهي كنية على غير قياس, وقد استحب ذلك أهل العلم كما قال النووي في المجموع: “ويستحب تكنية أهل الفضل من الرجال والنساء سواء كان له ولد أم لا, وسواء كني بولده أو بغيره, وسواء كني الرجل بأبي فلان أو بأبي فلانة, وسواء كنيت المرأة بأم فلان أو فلانة”.

 

وإنما كني بأبي زكريا؛ لأن اسمه يحيى, والعرب تكني من كان كذلك بأبي زكريا التفاتا إلى نبي الله يحيى وأبيه زكريا, كما تكنى من كان اسمه يوسف بأبي يعقوب، ومن اسمه إبراهيم بأبي إسحاق، ومن اسمه عمر بأبي حفص، على غير قياس؛ لأن يحيى ويوسف مولودان لا والدان, ولكنه أسلوب عربي مسموع.

 

لقبه:

محيي الدين, وقد كان يكره أن يلقب به.

قال اللخمي: وصح عنه أنه قال: لا أجعل في حل من لقبي محيى الدين, وذلك منه على ما نشأ عليه من التواضع، وإلا فهو جدير به لما أحيا الله به من سنن، وأمات به من بدع, وأقام به معروف, ودفع به من منكر, وما نفع الله به المسلمين من مؤلفات, ولكن يأبى الله إلا أن يظهر هذا اللقب له عرفانا وإشارة بذكره، وفي الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من رواية أبي هريرة: “وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله”.

 

مولده:

اتفق المؤرخون على تحديد شهر محرم من عام واحد وثلاثين وستمائة للهجرة لزمن ولادته.

 

صفته:

قال الذهبي: كان أسمر, كث اللحية, ربعة, مهيبا قليل الضحك, عديم اللعب, بل جد صرف، يقول الحق وإن كان مرا لا يخاف في الله لومة لائم.

ووصفه الذهبي أيضا بأن لحيته سوداء، فيها شعرات بيض، وعليه هيئة وسكينة.

 

وأما بزته:

فقال الذهبي في “تاريخ الإسلام”: وكان في ملبسه مثل آحاد الفقهاء من الحورانة, لا يؤبه له, عليه شبخْتانيّة صغيرة.

وقال في “التذكرة”: “وكان يلبس الثياب الرثة، ولا يدخل الحمام، وكانت أمه ترسل له القميص ونحوه ليلبسه”.

 

نشأته وطلبه للعلم:

ما كاد النووي يبلغ سن التمييز إلا وعناية الله ترعاه لتؤهله لخدمة هذا الشرع المطهر المنيف؛ فبينما هو في عامه السابع من العمر إذ هو نائم ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان بجوار والده (كما حكاه ابن العطار عن والده) إذ يكشف له سر من أسرار الله -تعالى- في شهر رمضان المبارك أخفى إدراكه على كثير من خلقه، ألا وهي: ليلة القدر, فانتبه من سباته نحو منتصف الليل وإذا بدارهم ممتلئة نورا، فتعجب منه لما يعهده من الظلام الحالك في هذه الليلة, ولم يكن يدرك لصغر سنه أن هذه الليلة مباركة, وهي أرجى ليالي القدر كما ذهب إليه الجمهور, فأيقظ أباه ليستفسره عن هذا الأمر العجيب الذي رآه على خلاف المعتاد قائلا: يا أبت ما هذا الضوء الذي قد ملأ الدار؟ فاستيقظ أهله أجمعون فلم يروا شيئا من ذلك, غير أن والده عرف أنها ليلة القدر, ولعل الله -تعالى- كشف هذه الليلة له؛ ليكون سببا لإحياء أبويه وأسرته لها بالعبادة والتضرع, فلعل دعوة صالحة متقلبة تصيبه، فتكون سببا لسعادته في الدنيا والآخرة, وقد كان ذلك بتوفيق الله -تعالى- فشعر أبوه بأن لولده هذا شأنا في المستقبل.

فطفق يغرس في فؤاده منبع كل منبع كل خير وفضيلة, ألا وهو القرآن الكريم، فذهب به إلى معلم الصبيان, فكان يتلقاه خير وفضيلة, فكان يتلقاه خير تلق بأذن صاغية، وقلب واع, وما لبث أن شغف بالقرآن حتى لا يحب أن يصرف عن الاشتغال به لحظة واحدة ولم يلهه جماح الصبا، ولا مرح الطفولة عن تلاوته, بل لقد كان يكره كل ما يشغله عن القرآن، فحدث ذات يوم أن الصبيان أكرهوه على اللعب معهم, فحاول الفرار من أيديهم, وهو يبكي لإكراههم على اللعب معهم، ولم يثنه ذلك الحال عن قراءة القرآن الكريم, وإذا بشيخ ظاهر الصلاح يشاهد ذلك الحال منه، فيمتلئ قلبه محبة له لتفرده عن أقرانه بهذا السلوك الفذ, وهو إذ ذاك لم يتجاوز العاشرة من العمر؛ أي السن الذي يكون الطفل فيه لا يطمح لشيء أكثر من طموحه للعب والمرح، وحدث أن جعله أبوه وهو في هذه السن في دكان، فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرآن، فتفرس هذا الشيخ من سلوكه هذا بأنه سيكون له شأن صالح إن كان له فسحة في الأجل, فذهب إلى معلمه ووصاه به قائلا له: هَذَا يُرجى أن يكون أعلم أَهْل زمانه وأزهدهم، وينتفع الناس به, فسأله المعلم: أمنجم أنت؟ فأجاب الشيخ: لا ولكن الله أنطقني بذلك.

 

وقال صاحب “الطبقات الوسطى”: “فلما كان ابن تسع عشرة سنة قدم به والده إلى دمشق, فسكن بالمدرسة الرواحية, وحفظ “التنبيه” في نحو أربعة أشهر ونصف, وحفظ ربع “المهذب”، ولازم الشيخ كمال الدين إسحاق بن أحمد المغربي, ثم حج مع والده ثم عاد.

وكان يقرأ كل يوم اثني عشر درسا على المشايخ, شرحا وتصحيحا، وأصولا ونحوا ولغة، إلى أن برع وبارك الله له في العمر اليسير، ووهبه العلم الكثير.

 

ثناء العلماء عليه:

قال تلميذه “ابن العطار”: “شيخي وقدوتي الإمام ذو التصانيف المفيدة, والمؤلفات الحميدة, وحيد دهره، وفريد عصره, الصوام القوام, الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، صاحب الأخلاق الرضية, والمحاسن السنية, العالم الرباني المتفق على علمه وإمامته، وجلالته وزهده وورعه، وعبادته، وصيانته في أقواله وأفعاله وحالاته, له الكرامات الطامحة، والمكرمات الواضحة, والمؤثر بنفسه وماله للمسلمين, القائم بحقوقهم وحقوق ولاة أمورهم بالنصح والدعاء في العالمين، مع ما هو عليه من المجاهدة لنفسه, والعمل بدقائق الفقه والاجتهاد عن الخروج من خلاف العلماء ولو كان بعيدا، والمراقبة لأعمال القلوب، وتصفيتها من الشوائب, يحاسب نفسه على الخطرة بعد الخطرة.

 

وكان محققا في علمه وكل شؤونه, حافظا لحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, عارف بأنواعه كلها من صحيحه وسقيمه، وغريب ألفاظه, وصحيح معانيه، واستنباط فقهه, حافظا لمذهب الشافعي وقواعده وأصوله وفروعه, ومذاهب الصحابة والتابعين, اختلاف العلماء ورفاقهم, وإجماعهم، وما اشتهر من جميع ذلك, سالكا في كل ذلك طريق السلف, قد صرف أوقاته كلها في أنواع العمل, فبعضها لتصنيف, وبعضها للتعليم، وبعضها للصلاة, وبعضها للتلاوة والتدبر والذكر لله, وبعضها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

وقال الشيخ قطب الدين موسى اليونيني الحنبلي: “المحدث الزاهد، العابد الورع، المفخر في العلوم، صاحب التصانيف المفيدة, كان أوحد زمانه في الورع والعبادة والتقلل من الدنيا والإنكباب على الإفادة والتصنيف مع شدة التواضع, وخشونة الملبس والمأكل, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.

 

وقال الكمال جعفر الأدقوي: “إنه صنف تصانيف مفيدة حصل النفع بها, ودارت عليه الفتوى بدمشق”.

 

قال: “ومآثره غزيرة, ومضى على جميل وسداد”، قال: “وكان فقده من أعظم المصائب, وعدمه بلية رمت العباد بسهم من البلاء صائب, ونفعنا ببركته, وحشرنا معه في آخرته في دار كرامته”.

 

وقال الإمام الذهبي: “الشيخ الإمام القدوة الحافظ الزاهد العابد الفقيه المجتهد الرباني, شيخ الإسلام, حسنة الأنام, محيي الدين, صاحب التصانيف التي سارت بها الركبان، واشتهرت بأقصى البلدان” إلى أن قال: “لازم الاشتغال والتصنيف محتسبا في ذلك، مبتغيا وجه الله, مع التعبد والصوم والتهجد والذكر والأوراد، وحفظ الجوارح, وذم النفس، والصبر على العيش الخشن، ملازمة كلية لا مزيد عليها”.

قال: “وكان ملازمته التامة للعلم ومواظبته لدقائق العمل, وتزكية النفس من شوائب الهوى وسيء الأخلاق, ومحقها من أغراضها، عارفا بالحديث، قائما على أكثر متونه، عارفا برجاله، رأسا في نقل المذهب, متضلعا من علوم الإسلام”.

 

وقال اليافعي: “شيخ الإسلام, مفتي الأنام, المحدث المتقن، المدقق النجيب، الحبر المفيد للقريب والبعيد, محرر المذهب، وضابطه ومرتبه, أحد العباد الورعين الزهاد، العلَم العامل, المحقق الفاضل، الولي الكبير, السيد الشهير, ذو المحاسن العديدة، والسير الحميدة، والتصانيف المفيدة, الذي فاق جميع الأقران, وسارت بمحاسنه الركبان، واشتهرت فضائله في سائر البلدان, وشوهدت له الكرامات، وارتقى في أعلى المقامات, ناصر السنة, ومعتمد الفتاوى, ذو الورع الذي لم يبلغنا مثله عن أحد في زمانه ولا قبله”.

 

قال: “ولقد بلغني أنه كان يجري دمعه في الليل، ويقول:

 

لئن كان هذا الدمع يجري صبابة *** على غير ليلي فهو دمع مضيع

 

قال: “وقد رأيت له مقامات تدل على عظم شأنه, ودوام ذكره لله، وحضوره، وعمارة أوقاته، وشدة هيبته, وتعظيم وعده ووعيده.

 

وقال الحافظ ابن كثير: “الشيخ الإمام العالم العلامة، شيخ المذهب, وكبير الفقهاء في زمانه, ومن حاز قصب السبق دونه أقرانه, وكان من الزهادة والعبادة والتحري والورع والامتنان على الناس، والتخلي لطلب العلم, والتحلي به على جانب لا يقدر عليه غيره, ولا يضيع شيئا من أوقاته”.

 

وقال التاج السبكي: “كان يحيى سيدا وحصورا, وليثا على النفس هصورا، وزاهدا لم يبال بخراب الدنيا، إذا صير دينه ربعا معمورا, له الزهد والقناعة, ومتابعة السالفين من أهل السنة والجماعة, والمصابرة على أنواع الخير، ولا يصرف ساعة في غير طاعة، هذا مع التفنن في أصناف العلوم فقها, ومتون أحاديث، وأسماء رجال, ولغة وتصوفا، وغير ذلك.

 

أسباب نبوغه وتقدمه:

من المستحسن أن يفصل القول في تكوين هذه الشخصية الفذة، وبعد استيعاب ترجمته رأيت أن العوامل التي كونتها تنحصر في نوعين:

النوع الأول: عوامل عادية تجري على أمثاله من طلاب العلم، غير أنها تختلف من شخص لآخر من حيث التطبيق كاختلافهم في المقاصد والغايات, وهي:

– رحلته لطلب العلم.

– حلوله بالمدرسة الرواحية.

– اجتهاده في طلب العلم.

– كثرة دروسه وسماعاته.

– قوة حفظه وكثرة مطالعاته.

– جلالة شيوخه وعنايتهم به.

– توفر الكتب لديه.

– اشتغاله بالتدريس.

 

أما النوع الثاني: فهي عوامل غير عادية, وإنما هي مواهب من الله لمن أراد له من عبادة كما قال تعالى: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء) [البقرة: 269], ولكن رهن إيتاء الحكمة بتقوى الله ومراقبته, حيث قال: (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ) [البقرة: 282].

 

زهده وورعه وعبادته:

والزهد هو الرغبة عن الشيء لاستقلاله واستحقاره، والرغبة فيما هو خير منه.

وإنما ينشأ الزهد من اليقين بالآخرة، ومعرفة قدر التفاوت بين الدنيا والآخرة، وأن الآخرة خير وأبقى من الدنيا.

ولم يكن إمامنا النووي ليغتر بالدنيا وزخارفها وزينتها, وإنما جعل حظه منها كزاد الراكب؛ أسوة بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: “ما لي وللدنيا إنما أنا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها”.

 

وقد رضي الإمام النووي بأقل ما يبلغه من مأكل ومشرب وملبس، فكان يأكل الكعك والتين الحوراني الذي يرسله به أبوه؛ لأنه لا يتكلف وقتا في الطبخ أو الأكل, فكان هذا غالب مطعمه.

ورضي بلبس المرقع من الثياب.

وكان إذا زاره زائر أوسع له من أمكنة الكتب بوضع بعضها على بعض حتى يوفر للزائر مكانا.

ولم يدخل الحمام كما ورد عنه، وهي حمامات عامة يسخن فيها الماء.

وترك أكل الفاكهة كما سيأتي في بيان ورعه؛ فأي زهد يداني هذا الزهد أو يقاربه؟

لم يسع لتزوج امرأة حسناء, أو تملك أمة يتسرى بها، بل كانت حياته كلها بذل للنصيحة، وطلب للعلم, وتعليم له، وتصنيف، وعبادة وزهادة.

والزهد في النفس هو غاية الزهد.

وقد كان الإمام النووي يعرض نفسه للتلف في نصح الحكام, وقد قال في رسالته التي وجهها لابن النجار: “وأنا بحمد الله ممن يود القتل في طاعة الله”.

 

وقال اليونيني: “والذي أظهره وقدمه على أقرانه ومن هو أفقه منه: كثرة زهده في الدنيا, وعظم ديانته وورعه”.

 

أما ورعه:

والورع هو الكف عن المحرمات، واجتناب الشهيات؛ خوفا من الوقوع في المحرمات, وترك ما لا بأس به حذرا مما به بأس.

 

وقد كان الورع ظاهرا في حياة الإمام النووي, فقد وصفه السبكي بقوله: “ما اجتمع بعد التابعين المجموع الذي اجتمع في النووي, ولا التيسير الذي تيسر له, وما ذاك إلا لما كان عليه من الورع الثخين, الذي خرب به دنياه وجعل دينه معمورا”.

 

ووصف ابن كثير ورعه بقوله في معرض الثناء عليه: “والتورع الذي لم يبلغنا عن أحد في زمانه ولا قبله بدهر طويل”.

 

فلقد كان من ورعه أنه لا يأكل من فاكهة دمشق بحجة أنها كثيرة الأوقاف والأملاك لمن هو تحت الحجر شرعا, ولا يجوز التصرف في ذلك على وجه الغبطة والمصلحة, ثم المعاملة فيها على وجه المساقاة، وفيها اختلاف بين العلماء قال: “فكيف تطيب نفسي بأكل ذلك؟”.

 

قال السيوطي: “لقد أتعب نفسه، وأرضى ربه وضميره, وإلا فقد كان يعلم أن الأصل في الأشياء الإباحة, حتى يدل الدليل على التحريم، ويفتي بهذا الأصل ويقرره في كتبه كما قال في تسميته النبات المجهول تسميته؛ حيث قال المتولي: “يحرم أكله”، قال النووي: “الأقرب الموافق للمحكي عن الشافعي الحل”، فكان له هذه القاعدة الفقهية مندوحة لو أراد أن يمتع نفسه بما أحب من فاكهة دمشق, وهي حجة له عند ربه -إن شاء الله تعالى-.

 

غير أن نفسه المرهفة النقية لا تطيب أن تتغذى بشيء ينازع فيه الورع؛ حيث يختلج في صدره عدم وجود القائمين على الأوقاف على الوجه الأكمل, فلذلك هان عليه ترك أكل فاكهة الشام، وهي بستان الفواكه ومعدنها, ورضي أن يقيم صلبه ويسد رمقه بما يرسل به أبواه من كعك يابس، وتين حوراني, أو خبز ما يكفيه جمعه فيأكله, ولا يأكل سوى لون واحد من الإدام دبسا أو خلاً أو زيتا.

 

وحكى اليافعي أنه عوتب في عدم التزوج، وقيل له: هو سنة كبيرة, ولم يبق عليك من السنة إلا هو, وكلك محاسن، فقال: “أخاف أن آتي بسنة, وأدخل في محرمات كثيرة”.

 

أما عبادته:

ومع هذا كان للنووي اشتغال في العبادة، قال البدر بن المسامر: “وكان كثير العبادة”.

وقال تلميذه ابن العطار: “كان كثير التلاوة, كثير الذكر لله”.

وقال القطب اليونيني: “إنه كان كثير التلاوة للقرآن والذكر، معرضا عن الدنيا, مقبلا على الآخرة من حال ترعرعه”.

وقال ابن العطار: “ذكر لنا صاحبنا أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح البعلي الفاضل -نفع الله به في حياة الشيخ- قال: “كنت ليلة في أواخر الليل بجامع دمشق، والشيخ واقف يصلي إلى سارية في ظلمة, وهو يردد قوله تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) [الصافات: 24] مرارا، بحُزنٍ وخشوع, حتى حصل عندي من ذلك ما الله به عليم”.

 

وفي البداية والنهاية لابن كثير: “وكان يصوم الدهر”.

 

وقال اليافعي: “كان كثير السهر في العبادة والتلاوة والتصنيف”.

 

صدعه بالحق وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر:

فمن صدعه بالحق ونصيحته وأمره بالمعروف هذه الرسالة التي أرسلها إلى نائب السلطنة يقول له: “خدمة الشرع العلماء بدمشق المحروسة ينهون أن الله آخذ عليهم العهد بتبليغ الشرع إلى المكلفين, ونصيحة الله وكتابه ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وولاة الأمر بتبليغه شرائع الأحكام، وإرشادهم إلى شعائر الإسلام, بفعلها ونشرها…” إلى أن قال مفندا قول من اعترض على ذلك: “فهذا المخذول مخطئ جاهل, بل إن اعتقد هذا كان كافرا؛ لأن ما فعله رسول الله هو الحق والصواب الذي يجب علي كل مكلف الانقياد له, والمسارعة إلى قبوله، وانشراح الصدر له”, ثم استدل على ذلك بقوله تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) [النساء: 65 ]، ويقول تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [النور: 51].

 

قال: “وكل ما خالف سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو البدعة والضلالة والغباوة والجهالة والسفاهة والرذالة”.

 

قال: “بل هذه طريقة الكفار في مدافعة دين الإسلام: (وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [التوبة: 32].

 

قال: “ويجب على ولي الأمر -وفقه الله لطاعته- إذا سمع هذا الزاعم الجاهل الضال الغاشم المتجاهل وغيره ممن يقول نحو هذا القول في مدافعة الحق والاعتراض على سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يؤدبه تأديبا بليغا ينزجر به هو وأمثاله, ويشهر أمره لينكف أهل الجهالة والضلال عن مثل فعله”.

 

قال: “وليعلم أن المراد بالاستسقاء امتثال أمر الله والاقتداء برسول الله، وهو مصلحة فاخرة، أو سعادة معجلة، ومنة من الله يشكر على التوفيق لها, أما نزول المطر فهو إلى الله”.

وليس المراد بالاستسقاء تيقن من نزول المطر؛ فإن علم الغيب, وإنزال الغيث وغيره من الكائنات إلى رب العالمين” إلى أن قال: “وليعلم أنه ليس للاستسقاء شروط تعتبر في صحته سوى اجتماع الناس والصلاة, وهذا متيسر لا مانع منه، لكن قال العلماء, يستحب لولي الآمر أن يأمر الناس قبل الخروج للاستسقاء بالتوبة من المعاصي، ومصالحة الأعداء، والصدقة, وصيام ثلاثة أيام, ويخرجون في اليوم الرابع صياما”, قال: “وهذا أدب مستحب وليس بواجب ولا شرط, ولو ترك صح الاستسقاء, ومع هذا فهو هين لا كلفة فيه؛ فإن معناه أن ولي الأمر يأمر بعض نوابه أن ينادي في الناس بذلك, وليس معناه أن يحكم على قلوبهم بفعله, فإن ذلك لا يقدر عليه إلا رب العالمين”.

 

إلى أن قال: “لا سيما وقد منّ الله -وله الحمد والنعمة- على المسلمين بما وفق له السلطان زاده الله فضلا وخيرا وتمكينا، وعلوا ونصرا، وأدامه ظاهرا على أعداء الدين، وسائر المخالفين، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكرات, مبطلا للحوادث، مظهرا للمحاسن والخيرات, بما فعله من إزالة هذا المنكر العظيم الفاحش الجسيم الذي لم يسبق إلى إزالته: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ) [الحج: 40].

 

قال: “فهذه نصيحة الخدمة أنهوها إلى الأمير، وهم راجون من فضل الله مسارعته إلى هذه المصلحة, وقد ضاق الوقت عن تأخيرها، وهذه المصلحة لا تحصل بفعل آحاد الناس, بل اجتماع الناس كلهم, ومنهم العلماء والصالحون، والصغار والضعفاء والمساكين والمضطرون”. قال: “وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟”.

 

والله يوفق الأمير لكل مكرمة ويديمه آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، حاثا على الاهتمام بشعائر الدين، ومصالح المسلمين, والحمد لله رب العالمين، وسلام على عباده الذين اصطفى، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين”.

 

ولما وصلت الرسالة إلى ولي الأمر فعل ما أمره به, ثم سقوا بعد ذلك بسبعة أيام سقيا عامة, وترادفت أمطار كثيرة بعد أن حصل لكثير من الناس قنوط, وسقيت كذلك في الوقت المذكور البلدان التي أمر فيها الوالي بإقامة الاستسقاء في اليوم الذي يستسقي فيه أهل دمشق.

 

ومن ذلك ما ورد: أن الظاهر بيبرس لما أراد قتال التتار بالشام أخذ الفتاوى من العلماء بجواز أخذ مال من الرعية يستنصر به على قتالهم, فكتب له فقهاء الشام بذلك, فأجازوه، فقال: هل بقي أحد؟ فقيل له: نعم، بقي الشيخ محيي الدين النووي”، فطلبه فحضر، فقال له: اكتب خطك مع الفقهاء، فامتنع، فقال: ما سبب امتناعك؟ فقال: أنا أعرف أنك كنت في الرق للأمير “بندقار”، وليس لك مال, ثم منّ الله عليك، وجعلك ملكا، وسمعت أن عندك ألف مملوك, كل مملوك له حياصة من الذهب، وعندك مائتا جارية, لكل جارية حق من الحلي, فإذا أنفقت ذلك كله، وبقيت مماليكك بالبنود والصرف بدلا من الحوائص، وبقيت الجواري بثيابهم دون الحلي, أتيتك بأخذ المال من الرعية”، فغضب الظاهر من كلامه، وقال: اخرج من بلدي (يعني دمشق)، فقال: السمع والطاعة, وخرج إلى نوي، فقال الفقهاء: “إن هذا من كبار علمائنا وصلحائنا, وممن يقتدي به؛ فأعده إلى دمشق؟”، فرسم برجوعه, فامتنع الشيخ، وقال: لا أدخلها والظاهر فيها, فمات بعد شهر.

 

مكانة النووي عند علماء الشافعية:

يقول الأستاذ عبد الغني الدقر: “هذا وقد أخذ النووي الفقه الشافعي عن كبار علماء عصره كما رأيت ذلك في شيوخه في الفقه, وبفترة وجيزة حفظ الفقه وأتقنه, وعرف قواعده وأصوله, وفهم مخابئه وألغازه, وبرع في معرفة أدلته حتى عرف بذلك بين العامة والخاصة, ثم قفز فتساوى مع شيوخه, ولم يمض وقت كبير حتى كان أعلم علماء عصره، وأحفظهم للمذهب، وأتقنهم لأقوال علمائه, وأعرفهم بعلم الخلاف, وأحقهم بأن يكون محرر المذهب. وانتشر في الآفاق ذكره, وتعلق الطلبة والعلماء يتآليفه, فانتفعوا بها, وما يزال الناس ينتفعون بكتبه ويؤثرونها.

 

وهاك طرفا مما قاله العلماء في فقهه:

يقول الأسنوي في طبقاته: “وهو محرر المذهب ومنقحه ومرتبه, سار في الآفاق ذكره، وعلا في العلم محله وقدره”.

ويقول ابن كثير عنه: “شيخ المذهب, وكبير الفقهاء في زمانه”.

ويقول الذهبي: “وكان رأسا في معرفة المذهب”.

ويقول قاضي صفد محمد عبد الرحمن العثماني عن النووي: “شيخ الإسلام, بركة الطائفة الشافعية, محيي المذهب ومنقحه, ومن استقر العمل بين الفقهاء فيه على ما يرجحه”.

 

ويقول الشهاب أبو العباس بن الهائم في مقدمة “البحر العجاج شرح المنهاج”: “الإمام العلامة الحافظ الفقيه النبيل، محرر المذهب مهذبه وضابطه ومرتبه”.

ويقول تلميذه ابن العطار: “كان حافظا للمذهب الشافعي وقواعده وأصوله وفروعه، ومذاهب الصحابة والتابعين، واختلاف العلماء ووفاقهم وإجماعهم، وما اشتهر من ذلك جمعية، وما هجر سالكا في كلها طريقة السلف” إلى أن قال: “وقد يختلف قول النووي قليلا في كتاب من كتبه عن كتاب، فالظاهر أن المرجح هو آخر أقواله؛ لأن القاعدة أن المتأخر ينسخ المتقدم”.

 

مصنفاته:

لم يمض على الإمام النووي كبير وقت في الطلب حتى أحس في نفسه أهلية التأليف، فشرع في الإسهام بالمؤلفات النافعة، ابتداءً من عام ستين وستمائة، تلبية لما قرره أهل العلم حيث ندبوا للطالب أن يشتغل بالتصنيف إذا تأهل له, فقد قال الحافظ ابن الصلاح في النوع الثامن والعشرين نقلا عن الخطيب ما نصه: “وليشغل بالتخرج والتأليف, والتصنيف إذا ما استعد لذلك، وتأهل له؛ فإنه يثبت الحفظ, ويزكي القلب، ويشحذ الطبع, ويجيد البيان, ويكشف الملتبس, ويكسب جميل الذكر ويخلده إلى آخر الدهر, وما يمهر في علم الحديث ويقف على غوامضه ويستبين الخفي من فوائده إلا من فعل ذلك”.

 

وهذا ما فعله صاحبنا فإنه كما قال الجمال الإسنوي: “لما تأهل للنظر والتحصيل رأى في المسارعة إلى الخير أن جعل ما يحصله ويقف عليه تصنيفا قال ينتفع به الناظر فيه, فجعل تصنيفه تحصيلا, وتحصيله تصنيفا قال وغرض صحيح, وقصد جميل, قال: “ولولا ذلك لم يتيسر له من التصنيف ما تيسر له”.

 

والإسنوي يشير بهذا إلى كثرة مؤلفاته التي عجت به المكتبات, وحققت رغبة أولى الرغبات, ولا ريب فقد قاربت مؤلفاته على الخمسين مؤلفا, هذا ما ذكر منها، ولعل ما لم يذكر منها أكثر, وقد قيل: “إن تصنيفه بلغ كل يوم كراستين أو أكثر”، فقد حكى عنه تلميذه ابن العطار: أنه أمره ببيع نحو ألف كراسة كان قد كتبها بخطه بعد أن يقف على غسلها في الوراقة، وخوفه إن خالف أمره, قال: فما أمكنني إلا طاعته، وإلى الآن في قلبي منها حسرات”.

 

مؤلفاته في الحديث:

– شرح مسلم المسمى بالمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج.

– رياض الصالحين.

– الأربعين النووية.

– خلاصة الأحكام من مهمات السنن وقواعد الإسلام.

– شرح البخاري، كتب منه جزءًا يسيرا ولم يستكمله.

– الأذكار المسمى بحيلة الأبرار الأخيار في تلخيص الدعوات والأذكار.

 

وفي علوم الحديث:

– الإرشاد.

– التقريب.

– الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات.

 

في الفقه:

– روضة الطالبين:

– المجموع شرح المهذب, ولم يستكمله, وقد أكمله السبكي والمطيعي.

– المنهاج.

– الإيضاح.

– التحقيق.

 

التربية والسلوك:

– التبيان في آداب حملة القرآن.

– بستان العارفين.

 

التراجم والسير:

– تهذيب الأسماء واللغات.

– طبقات الفقهاء.

 

اللغة:

– القسم الثاني من تهذيب الأسماء واللغات، وتحرير التنبيه.

 

وقد حازت كتبه كلها القبول والرضا لدى الكافة والجميع من أهل العلم ينهل من معينها, ولا ترى أحدا يأنف من الرجوع إليها، وبل أن من رجع إليها فقد عضد رأيه، وقوي حجته، وما من إنسان يقف على مؤلفاته إلا لهج بمدحه، والثناء، والترحم عليه, جزاء خدمته للعلم وأهله بتلك المصنفات المتقنة, فرحمه الله رحمة واسعة.

 

وفاته:

وكما كان حظ إمامنا النووي من الدنيا قليلا فلم ينل منها، ولم تنل منه, وكانت حياته كلها للعلم والعبادة والتصنيف والزهادة، وكذلك كان بقاؤها في الدنيا قليلا, فلم يعمر طويلا، ولم يبن الدور، ولا سكن القصور, وإنما عاش على الكفاف والعفاف وسط الكتب، وفي مدارس العلم الشرعي يفيد ويستفيد إلى أن أدركته منيته، ولم تتحقق أمنيته، ولم يشبع نهمته من العلم النافع والعمل الصالح, وكانت آماله في التصنيف والإفادة أطول من سنين عمره, فلم يستكمل كثيرا من الكتب التي شرع فيها، وخاصة المجموع شرح المهذب, ومن أكمله لم يبلغ علمه وإتقانه وإحسانه, فرحم الله الجميع، ولا غرو في ذلك, فالدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.

فنسأل الله أن يرفع درجة إمامنا النووي فوق كثير من خلقه, وأن ينفعه بما ترك من علم نافع، وسلامة سريرة، وحسن سيرة.

 

قال ابن العطار: فبلغني مرضه, فتوجهت من دمشق لعيادته, فسر بذلك, ثم أمرني بالرجوع إلى أهله, فودعته بعد ما أشرف على العافية في يوم السبت العشرين من رجب، فلما كانت ليلة الثلاثاء في الرابع والعشرين منه سنة ست وسبعين وستمائة للهجرة انتقل إلى جوار ربه -تعالى-.

 

قال ابن العطار: “وكان قبل قوله أذن لي في السفر بأيام يسيرة أرسل إليه فقير إبريقا فقبله, وقال: قد أرسل إلي فقير آخر زنبيلا, قال: وهذا إبريق وذلك آلة السفر.

 

وقال التاج السبكي في “الطبقات الوسطى” ونقله السخاوي: إنه قبل ظهوره إلى نوى رد الكتب المستعارة من الأوقاف جميعها.

 

وحكى اللخمي عن غير واحد من العلماء بدمشق أنه لما خرج منها إلى نوى خرج معه جماعة من العلماء وغيرهم لظاهر دمشق، وسألوه متى الاجتماع؟ فقال: بعد مائتي سنة، فعملوا أنه عنى القيامة.

 

وقال القطب اليونيني: ولما وصل الخبر بوفاته لدمشق توجه قاضي القضاة عز الدين محمد بن الصائغ وجماعة من أصحابه إلى نوى للصلاة على قبره.

 

يقول الذهبي: “ورثاه غير واحد يبلغون عشرون نفسا بأكثر من ستمائة بيت”.

 

فممن رثاه الصدر الرئيس الفاضل أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن مصعب, وأول قصيدته:

 

أكتم حزني والمدامع تبديه *** لفقد امرئ كل البرية تبكيه

 

وممن رثاه الأديب المحدث أبو الحسن علي بن إبراهيم بن المظفر الكندي, وأول مرثيته:

 

لهفي عليه سيدا وحصورا *** سندا لأعلام الهدى وظهيرا

 

وممن رثاه الشيخ أبو محمد إسماعيل البسيطي بقصيدة تعدادها واحد وثلاثون بيتا، أولها:

 

رزية محيي الدين قد عمت الورى*** فلست ترى إلا حزينا مفكرا

 

وممن رثاه بقصيدة تعدادها عشرة أبيات تلميذه الفقيه المقرئ أبو العباس أحمد الضرير الواسطي الملقب بالخلال, وأولها:

 

لقد ذهب الخير الجليل الموفق *** وعدنا حيارى والدموع تدفق

 

وممن رثاه بعض المحبين (كما يقول العطار) بقصيدة تعدادها أربعون بيتا أولها:

 

وجدت عليك شرائع الإسلام *** أسفا يلازمها مدى الأيام

 

_________

المراجع والمصادر:

– تاريخ الإسلام.

– تذكرة الحفاظ.

– تهذيب الكمال.

– شذرات الذهب.

– البداية والنهاية.

– طبقات الشافعية.

– مقدمة شرح صحيح مسلم.

– من أعلام السلف.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات