طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||
ملتقى الخطباء > الأحـداث التاريخية > شخصيات تاريخية > الإمامُ المبارك عبدُ الله بنُ المبارك (2/2) جهاده وشجاعته

ملتقى الخطباء

(3٬027)
1107

الإمامُ المبارك عبدُ الله بنُ المبارك (2/2) جهاده وشجاعته

تاريخ النشر : 1434/07/12
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

ولا شكَّ أنَّ هذه المحبة, رزقٌ من الله, والله عزَّ وجلَّ: (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لمنْ يَشَاءُ ويَقْدِرُ) [الرعد: 26], وهي الَّتي وعد بها عباده؛ الَّذين آمنوا, وعملوا الصالحات, كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً) [مريم:96]، وهي كذلك المقصودةُ بالحديث: “إذا أحبَّ اللهُ عبداً؛ قال لجبريلَ: أحببتُ فلاناً؛ فأحِبَّه, فيُحبُّه حبريل, ثم يُنادي في أهل السَّماء: إنَّ الله أحبَّ فلاناً؛ فأحِبُّوه, فيُحِبُّه أهلُ السماء, ثم يُوضع له القَبول في الأرض”.

 

 

 

 

ومع علمه, وزهده, وكرمه, وعبادته, كان من مشهور سجاياه؛ جهادُه, وشجاعتُه.

 

روى الخطيب, بسنده عن عبدة بن سليمان –يعني المروزي– قال: "كنَّا في سريَّة, مع عبدالله بن المبارك, في بلاد الرُّوم, فصادفنا العدوَّ؛ فلما التقى الصفان, خرج رجلٌ من العدوِّ, فدعا إلى البراز, فخرجَ إليه رجلٌ فقتله, ثم آخرُ فقتله, ثم دعا إلى البراز, فخرج إليه, فطارده ساعةً, فطعنه فقتله, فازدحم إليه الناس, فكنت فيمن ازدحم إليه؛ فإذا هو يلثم وجهه بكُمِّه, فأخذت بطرف كُمِّه, فمددته, فإذا هو عبدالله بن المبارك, فقال: وأنت يا أبا عمرو, ممَّن يُشنِّع علينا؟!".

 

وعن عبدالله بن سنان, قال: "كنت مع ابن المبارك, والمعمر بن سليمان بطرسوس, فصاح النَّاس: النفيرَ النفيرَ, قال: فخرج ابن المبارك, والمعتمر, وخرج الناس, فلما اصطفَّ المسلمون, والعدوُّ, خرج رجلٌ من الروم, يطلب البراز, فخرج إليه مسلمٌ, فشد العلجُ على المسلم, فقتل المسلمَ, حتى قتل ستةً من المسلمين مبارزةً, فجعل يتبختر بين الصَّفَّين, يطلب المبارزة, لا يخرجُ إليه أحدٌ, قال: فالتفتُّ إلى ابن المبارك؛ فقال: يا عبدالله, إن حدث لي حدثُ الموت؛ فافعل كذا, قال: وحرَّك دابَّته, وخرج العلج, فعالج معه ساعة, فقتل العلجَ, وطلب المبارزةَ, فخرج إليه علجٌ آخر, فقتله, حتى قتلَ ستة من العلوج مبارزةً, وطلب البراز, فكأنَّهم كاعوا عنه, فضرب دابته, ونظر بين الصفين, وغاب فلم أشعر بشيء؛ إذا أنا بابن المبارك, في الموضع الذي كان ,فقال لي: يا عبدالله, لئن حدَّثتَ بهذا أحداً, وأنا حيٌّ –فذكر كلمة-, قال: فما حدَّثت به أحداً, وهو حيٌّ".

 

وكما اشتهر بالشجاعة, والمرؤة, والمشاركة في الجهاد؛ فقد كان يدعو إليه أيضاً بأقواله وأشعاره.

 

وعن محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة, قال: "أملى عليَّ عبدالله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس, وودعته للخروج, وأنفذها معي إلى الفضيل بن عياض, في سنة سبعين ومائة, وفي حديث أبي الغنائم, سنة سبع وسبعين:

 

يَا عَابِدَ الحَرَمِيْنِ لَوْ أَبْصَرْتَنَا *** لَعَلِمْتَ أَنَّكَ فِي العِبَادَةِ تَلْعَبُ

مَنْ كَانَ يَخْضِبُ جِيْدَهُ بِدُمُوْعِهِ *** فَنُحُوْرُنَا بِدِمَائِنَا تَتَخَضَّبُ

أَوْ كَانَ يُتْعِبُ خَيْلَهُ فِي بَاطِلٍ *** فَخُيُوْلُنَا يَوْمَ الصَّبِيْحَةِ تَتْعَبُ

رِيْحُ العَبِيْرِ لَكُمْ وَنَحْنُ عَبِيْرُنَا *** رَهَجُ السَّنَابِكِ وَالغُبَارُ الأَطْيَبُ

وَلَقَدْ أَتَانَا مِنْ مَقَالِ نَبِيِّنَا *** قَوْلٌ صَحِيْحٌ صَادِقٌ لاَ يُكْذَبُ

لاَ يَسْتَوِي وَغُبَارُ خَيْلِ اللهِ فِي *** أَنْفِ امْرِئٍ وَدُخَانُ نَارٍ تَلهبُ

هَذَا كِتَابُ اللهِ يَنْطِقُ بَيْنَنَا *** لَيْسَ الشَّهِيْدُ بِمَيِّتٍ لاَ يُكْذَبُ

 

فلقيتُ الفضيل بن عياض, في المسجد الحرام, بكاتبه, فلما قرأه, ذرفت عيناه, ثم قال: صدق أبو عبدالرَّحمن, ونصحني, ثم قال: أنتَ ممن يكتب الحديث, قلت: نعم, يا أبا عليٍّ, قال: فاكتب هذا الحديث؛ كراءُ حملك كتابَ أبي عبدِالرحمن إلينا, وأملى عليَّ الفضيل: أخبرنا منصور بن المعتمر, عن أبي صالح, عن أبي هريرة: أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله, علَّمني عملاً؛ أنال به ثواب المجاهدين في سبيله, فقال له النبيُّ -صلى لله عليه وسلم-: "وهل تستطيعُ أن تُصلِّيَ فلا تفتر, وتصومَ فلا تُفطر", قال: يا نبيَّ الله, أنا أضعفُ من أن أستطيعَ ذلك, ثم قال له النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "فوالَّذي نفسي بيده, لو طوَّقتَ ذلك؛ ما بلغتَ فضلَ المجاهدين في سبيل الله، أما علمت أنَّ فرس المجاهدين, لَيَسْتَنُّ –أي: يلعب ويمرح وحده- في طِوَلِهِ -في حبله-, فتُكتب بذلك حسناته؟!".

 

ثناء العلماء عليه

 

ومِن عاجلِ بشرى المؤمنِ ثناءُ الخلق, ومحبة الخلق, قيل للنبيِّ -صلى لله عليه وسلم-: "الرجلُ يعملُ العمل, يرجو به وجهَ الله؛ فيُحبُّه الخلق, وفي رواية: فيُثني عليه الخلق, فقال: "تلك عاجلُ بشرى المؤمنين", وقد نال عالمنا ,وعالم الدنيا؛ عبدالله ابن المبارك, أوفرَ الحظ من ذلك, وقد تقدَّم قولُ الفضيل: "أما إنِّي أُحِبُّه؛ لأنَّه يخشى الله".

 

وقال الذهبيُّ: "واللهِ, إنِّي لأُحِبُّه في الله, وأرجو الخيرَ بحبه؛ لما منحهُ الله من التَّقوى, والعبادة, والإخلاص, والجهاد, وسعةَ العلم, والإتقان, والمواساة, والفُتوَّة, والصِّفات الحميدة".

 

ولا شكَّ أنَّ هذه المحبة, رزقٌ من الله, والله عزَّ وجلَّ: (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لمنْ يَشَاءُ ويَقْدِرُ) [الرعد: 26], وهي الَّتي وعد بها عباده؛ الَّذين آمنوا, وعملوا الصالحات, كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً) [مريم:96]، وهي كذلك المقصودةُ بالحديث: "إذا أحبَّ اللهُ عبداً؛ قال لجبريلَ: أحببتُ فلاناً؛ فأحِبَّه, فيُحبُّه حبريل, ثم يُنادي في أهل السَّماء: إنَّ الله أحبَّ فلاناً؛ فأحِبُّوه, فيُحِبُّه أهلُ السماء, ثم يُوضع له القَبول في الأرض".

 

أما حظُّ الإمام من ثناء الخلق؛ فأوفرُ الحظِّ, وأطيبُه؛ فلا يكاد يذكر حتى يثنى عليه, بأحسن الثناء, وهذا طرف من أقوال العلماء؛ على سبيل الإشارة, ليس الحصر :

 

عن شعيب بن حرب, قال: "ما لقي ابنُ المبارك رجلاً, إلا وابنُ المبارك أفضل منه".

 

وقال المعتمر بن سليمان: "ما رأيتُ مثل عبدالله بن المبارك؛ نُصيب عنده الشيء, الذي لا يُصاب عند أحد".

 

وعن عبدالوهاب بن الحكم, قال: "لما مات ابن المبارك, بلغني أنَّ هارون؛ أمير المؤمنين, قال: مات سيِّدُ العلماء".

 

وقال عبدالرحمن بنُ زيد الجهضميُّ: "قال الأوزاعيُّ: رأيتَ ابن المبارك؟ قلت: لا, قال: لو رأيتَهُ لقرَّت عينُك".

 

عن عُبيد بن جناد, قال: "قال عطاء بن مسلم: يا عبيد, رأيتَ عبدالله بن المبارك؟ قلت: نعم, قال: مارأيتُ مثله, ولا يُرى مثله".

 

وقال عبدالرحمن بن مهدي: "ما رأت عيناي, أنصحَ لهذه الأمة؛ من عبدالله بن المبارك".

وقال يحيى بن معين –وذُكر عنده ابنُ المبارك– فقال: "سيّد من سادات المسلمين".

 

وعن أحمد بن عبدة, قال: "كان فضيل, وسفيان, ومشيخة جلوساً في المسجد الحرام, فطلع ابن المبارك من الثنية, فقال سفيان: هذا رجلُ أهل المشرق, فقال الفضيل: هذا رجلُ أهل المشرق, وأهل المغرب, وما بينهما".

 

وعن شفيع بن إسحاق, قال: "قلت لسعيد بن منصور: ما لك لم تكتب حديث شعبة, وسفيان؟ فقال: إنِّي لقيتُ ابن المبارك, فلمَّا رأيتُه هان عليَّ الناسُ".

 

وقال عليُّ بن المدينيّ: "انتهى العلمُ إلى رجلين: إلى عبدالله بن المبارك, ومن بعده يحيى بن معين".

 

وقال خارجةُ لإخوانه: "من شاءَ منكم أن ينظرَ إلى رجلٍ؛ كأنَّه من الصَّحابة؛ فلينظر إلى عبدالله بن المبارك".

 

وقال عبدُ الله بن الحسن:

إذا سار عبدُ الله بن مرو ليلةً *** فقد سارَ منها نورُها وجمالهـا

إذا ذُكـر الأحـبارُ في كل بلدة *** فهم أنجمٌ فيها وأنت هلالهـا

 

وقال إبراهيم بن موسى: "كنتُ عند يحيى بن معين, فجاءه رجلٌ, فقال: يا أبا زكريا, من كان أثبتَ في معمر؛ عبدُالرازق, أو عبدُالله بن المبارك؟ وكان متَّكئاً فاستوى جالساً، فقال: كان ابن المبارك خيراً من عبدالرازق, ومن أهل بيته".

 

وقال شعيب بن حرب: "قال سفيان: إنِّي لأشتهي من عمري كلِّه؛ أن أكون سنةً واحدة؛ مثلَ عبدِ الله بن المبارك, فما أقدرُ أن أكونَ ولا ثلاثة أيام".

 

وقال يحيى بنُ آدم: "كنت إذا طلبتُ الدَّقيق من المسائل, فلم أجده في كتب ابن المبارك أيِستُ".

 

وقال أسود بن سالم: "كان ابن المبارك إماماً يُقتدى به، كان من أثبت الناس في السنة, إذا رأيت رجلاً يغمز ابن المبارك, فاتَّهمه على الإسلام".

 

من أقواله وأشعاره

 

وهذه دُرَرٌ من أقواله, ونُتَفٌ من أشعاره؛ تدُلُّ على كمال عقله, وارتفاع رتبته, فإنَّ العبد إذا تهذَّبت نفسُه, واكتملت مروءته, نطقَ بالحكمة, وفصل الخطاب.

 

فمن مأثور أقواله:

 

"من بخل بالعلم، ابتُلي بثلاثٍ: إمَّا بموت, أو نِسيانٍ, أو لَحِقَ بسلطان".

 

قال أبو وهب المروزيُّ: "سألت ابن المبارك, عن الكِبْرِ, فقال: أن تزدريَ الناس, وسألته عن العُجب؛ فقال: أن ترى أنّ عندك شيئاً, ليس عند غيرك".

 

وعن رستة الطلقانيُّ, قال: "قام رجل إلى ابن المبارك, فقال: يا أبا عبد الرحمن, في أيِّ شيءٍ أجعل فضل يومي؟ في تعلُّم القرآن, أو في طلب العلم, فقال: هل تقرأُ من القرآن؛ ما تُقيم به صلاتَك؟ قال: نعم, قال: فاجعله في طلب العلم, الَّذي يُعرف به القرآن".

 

قال بشر بن الحارث: "سأل رجلٌ ابن المبارك, عن حديثٍ وهو يمشي، قال: ليس هذا من توقير العلم, قال بشرٌ: فاستحسنته جداً".

 

وعن إبراهيم بن شماس قال: "قال ابن المبارك: إذا عرَّفتَ الرجلَ قدرَ نفسه, يصيرُ عند نفسِهِ أذلَّ من الكلب".

 

وعن عبدِ الله بن خبيق، قال: "قيل لابن المبارك: ما التواضع؟ قال: التَّكبُّر على الأغنياء".

 

وعن عبد الله بن عمر السَّرَخسيُّ, قال: "قال لي ابنُ المبارك: ما أعياني شيءٌ كما أعياني أنِّي لا أجد أخاً في الله -عزَّ وجلَّ".

 

وعن سعيد بن يعقوب الطلقانيُّ, قال: "قال رجلٌ لابن المبارك: هل بقي من ينصح؟ قال: وهل تَعرف من يقبلُ؟".

 

قال أبو بكر بن عبد الله بن حسن: "قال ابنُ المبارك: طلبنا العلم للدِّين؛ فدلَّنا على ترك الدُّنيا".

 

وقال أحمد بن الزِّبْرِقَان: "سمعتُ عبد الله بن المبارك يقول: إنَّ الصالحين فيما مضى؛ كانت أنفسُهم تواتيهم على الخير عفواً, وإن أنفسنا لا تكادُ تواتينا إلا على كُرهٍ؛ فينبغي لنا أن نُكْرِهَهَا".

 

ومن أشعاره:

      ومن البلاءِ وللبلاءِ علامةٌ *** أن لا يُرى لك عن هواك نُزوعٌ

     العبد عبد النفس في شهواتها *** والحر يشبع مرة ويجــوع

 

ومن أشعاره :

 

كَيْفَ القَرَارُ وَكَيْفَ يَهْدَأُ مُسْلِمٌ *** وَالمُسْلِمَاتُ مَعَ العَدُوِّ المُعْتَدِي؟

الضَّارِبَاتُ خُدُوْدَهُنَّ بِرَنَّةٍ *** الدَّاعِيَاتُ نَبِيَّهُنَّ مُحَمَّدِ

القَائِلاَتُ إِذَا خَشِيْنَ فَضِيحَةً *** جَهدَ المَقَالَةِ: لَيْتَنَا لَمْ نُولَدِ

مَا تَسْتَطِيْعُ وَمَا لَهَا مِنْ حِيْلَةٍ *** إِلاَّ التَّسَتُّرُ مِنْ أَخِيْهَا بِاليَدِ

 

وعن أبي أميَّة الأسود، قال: "سمعت ابن المبارك يقول: أحِبُّ الصالحين, ولستُ منهم, وأبغضُ الطالحين, وأنا شرٌّ منهم".

 

وكان يقول:

الصَّمْتُ أَزْيَنُ بِالفَتَى *** مِنْ مَنْطِقٍ فِي غَيْرِ حِيْنِهِ

وَالصِّدْقُ أَجْمَلُ بِالفَتَى *** فِي القَوْلِ عِنْدِي مِنْ يَمِيْنِهِ

وَعَلَى الفَتَى بِوَقَارِهِ *** سِمَةٌ تَلُوحُ عَلَى جَبِيْنِهِ

فَمَنِ الَّذِي يَخفَى عَلَيـ *** ـكَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى قَرِيْنِهِ

رُبَّ امْرِئٍ مُتَيَقِّنٍ *** غَلَبَ الشَّقَاءُ عَلَى يَقِيْنِهِ

فَأَزَالَهُ عَنْ رَأْيِهِ *** فَابْتَاعَ دُنْيَاهُ بِدِيْنِهِ

 

وانشد سلم الخواص, عن ابن المبارك:

 

رَأَيتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ *** وَقَد يُورِثُ الذُّلَّ إِدمَانُهَا

وَتَركُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ القُلُوبِ *** وَخَيرٌ لِنَفسِكَ عِصيَانُهَا

 وباعوا النُّفوسَ فلم يربحوا *** وفي البيعِ لم تغلُ أثمانُها

لقد وقعَ القومُ في جيفةٍ *** يَبينُ لذي العقلِ إنتانُها

 

وقال محمد بن حاتم المروزي: "أنشدنا سويد بن نصر, لعبدالله بن المبارك":

 

أيا ربِّ يا ذا العرشِ أنت رحيمٌ  وأنتَ بما تخُفي الصُّدور عليمُ

فيا ربِّ هبْ لي منك حِلماً فإنني *** أرى الحِلمَ لم ينَدم عليه حليمُ

وَيَا رَبِّ هَبْ لِي مِنْك عَزْمًا عَلَى *** التُّقَى أُقِيمُ بِهِ مَا عِشْت حَيْثُ أُقِيمُ

أَلَا إنَّ تَقْوَى اللَّهِ أَكْرَمُ نِسْبَةً *** تَسَامَى بِهَا عِنْدَ الْفَخَارِ كَرِيمُ

إذا أنتَ نافستَ الرّجالَ على التُّقى *** خرجتَ من الدُّنيا وأنت سليمُ

أراكَ امرءاً ترجو من الله غفوةً *** وأنتَ على ما لا يُحبُّ مقيمُ

 

وقال صالح الفراء: سمعت ابن المبارك يقول :

المرءُ مثلُ هلالٍ عندَ رؤيتِه *** يبدو ضئيلاً تراه ثم يتَّسقُ

حتى إذا ما تراهُ ثمَّ أعقبه *** كرُّ الجديدينِ نقصاً ثم يُمحقُ

 

وفاته

 

روى ابنُ عساكر بسنده عن ابن المدينيِّ، قال: "مات خيارُ الأرض جميعاً, في سنة واحدة, مالكٌ, وحماد, وخالد, وسلام بن سليم, أبو الأحوص, وعبدالله بن المبارك, سنةَ تسع وسبعين ومائة".

 

ووهَّم هذا القول, ثم قال: "والمحفوظ ما ذكره عبدان بن عثمان, قال: خرج عبدالله إلى العراق, أولَ ما خرج سنة إحدى وثمانين ومائة".

وقال الحسن بن الربيع: "شهدت موت ابن المبارك, مات سنة إحدى وثمانين ومائة, في رمضان لعشرٍ مضين منه, مات سحراً, ودفنَّاه بهيت".

و"هيت" ناحية في العراق, لواء الديلم، عندما كانت القوافل تقطع الفرات في طريقها بين بغداد, وحلب, وبالقرب منها ينابيع النَّفط.

وعانات أو عانة: بلد مشهور بين الرملة وهيت.

 

وقال الحسن: "وسألت ابن المبارك, قبل أن يموت, قال: أنا ابنُ ثلاث وستين", وقال صالح بن أحمد: "حدَّثني أبو عبدالله, قال: لما احتضر ابن المبارك جعل رجلٌ يلقِّنه، قل: لا إله إلا الله، وأكثر عليه، فقال: لستَ تحُسن، وأخافُ أن تؤذيَ مسلماً بعدي، إذا لقنتني فقلت: لا إله إلا الله، ثم لم أحدث كلاماً بعدها فدعني، فإذا أحدثتُ كلاماً بعدها فلقِنِّي حتى تكون آخرَ كلامي".

 

وقيل: "فتح عبدالله بن المبارك عينيه عند الوفاة, فضحك وقال: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) [الصافات:61].

 

وقال محمد بن سعد: "مات بهيتَ منصرفاً من الغزو, سنة إحدى وثمانين ومائة, وله ثلاث وستون سنة, وُلد سنة ثماني عشرة ومائة, وطلب العلم, وروى رواية كثيرة, وصنَّف كتباً كثيرة؛ في أبواب العلم, وصنوفه, حملها عنه قوم, وكتبها الناس عنهم, وقال الشعر في الزهد, والحث على الجهاد, وقدم العراق, والحجاز, والشام, ومصر, واليمن, وسمع علماً كثيرا ً, وكان ثقةً, مأموناً, إماماً, حجةً, كثيرَ الحديث".

 

وغربت شمس العلم والعمل، شمسٌ لطالما أضاءت الدنيا بضوئها الباهر، ووارى الترابُ جسداً أضناهُ صاحبه بين ساحات العلم, والتعليم, والجهاد, والبذل, والإحسان, والحجِّ, والعمرة, وقضاءِ حاجات المسلمين, وبقي من ورائه ذكرٌ طيِّبٌ, ومحبةٌ تملأُ قلوب المسلمين, لما أسداه للإسلام وأهله من الخير العظيم، ولما جسّده في حياته من مثالٍ فريد صارت الدُّنيا كلُّها من خلاله والحياةُ ساحةً للعبادة والذّكر والجهاد.

 

 

المراجع والمصادر:

 

سير أعلام النبلاء.

صفة الصفوة.

تهذيب الكمال.

البداية والنهاية.

المنتظم.

الطبقات.

حلية الأولياء.

تاريخ بغداد.

تهذيب الأسماء والصفات.

تذكرة الحفاظ.

طبقات الحفاظ.

شذرات الذهب.

وفيات الأعيان.

من أعلام السلف.

 

 

الإمامُ المبارك عبدُ الله بنُ المبارك (1/2) جامعُ الخيرات

 

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات