طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الأحـداث التاريخية > شخصيات تاريخية > الإمام أبو حنيفة النُّعمان

ملتقى الخطباء

(6٬451)
1087

الإمام أبو حنيفة النُّعمان

تاريخ النشر : 1433/06/12
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

وعلى الرَّغم من نبوغ أبي حنيفة في العلم وانشغاله بتلقَّي العلم ودروسه، إلا أنَّه كان من أعبد النَّاس في زمانه، يُطيل صلاته جداً مع الخشوع والسكينة حتى لُقِّب بالوتد لطول صلاته، وكان مَّمن قرأ القرآن كله في ركعة واحدة، وكان يُحيى الليل كلَّه تضرُّعاً وصلاة ودعاء، وقد تواتر هذا الأمرُ عند أهل زمانه ..

 

 

 

 

حياتُه وعصرُه ومدرستُه ومحنتُه وآراؤه

التَّعريف بالإمام أبي حنيفة

إمام مدرسة الرأى، فقيه الأمَّة، العلم العلامة، البحر الفهَّامة، الإمام المتبوع، وأحد الأئمَّة الأربعة الكبار وأولهم، الإمام أبو حنيفة النُّعمان بن ثابت بن زُوْطَى التَّيميُّ الكوفيُّ، لم يكن أصلاً من العرب، بل هو من أبناء الفرس، ومن موالي بني تيم الله بن ثعلبة، ولد سنه 80هـ في خلافة عبد الملك بن مروان الأمويّ بالكوفة، في حياة صغار الصحابة، ولكن لم تثبت له أية رواية عن أحد منهم.

أما عن صفته فقد كان رَبعةً إلى الطُّول أقرب، تعلوه سمرة، جميلاً حسن الوجه، عليه جلال العلم وهيبته، طويلُ الصَّمت، لا يتكلم إلا جواباً، حسن الثِّياب، بهيُّ الطلعة .

رحلتُه العلميَّة

طلب أبو حنيفة العلم صغيراً، ولازم دروس العلم منذ نعومة أظافرة، حتى لقَّبوه بأبي حنيفة لملازمته للدواة المسماة: حنيفة بلغة العراق، وقد لزم حلقة حماد بن أبي سليمان ثماني عشرة سنة، وكان أخص تلاميذه وأقربهم إلى قلبه، وقد آلى أبو حنيفة على نفسه ألا يفارق حماداً حتى يموت بعد أن رأى في سَعة علمه وفقهه ما أخذ بمجامع فؤاده، ولكنه في نفس الوقت جلس لغيره من علماء الوقت مثل عطاء بن أبي رباح عالم مكة وفقيهها، وعامر الشعبيّ عالم العراق، وعبد الرحمن بن هرمز عالم المدينة، ونافع مولى ابن عمر، وعلقمة، والزهريُّ محدِّث الزمان، ومحمد بن المنكدر، وهشام بن عروة، ولم يكن يأنف أن يرويَ أو يطلب العلم من أحد حتى ولو كان أصغر منه، فلقد روى عن شيبان النحوي وهو أصغر منه، وعن مالك بن أنس وهو كذلك أصغر منه، وهكذا شأن كل من طلب المعالي وسلك سبيل الربانيين.

ولما مات حماد بن أبي سليمان سنة120هـ جلس أبو حنيفة مكانه في حلقة الدرس بجامع الكوفة، وكان وقتها في الأربعين من عمره، وقد بلغ حدَّ الكمال العلميّ والذهنيّ، فتصدر وهو كهل، وكان تاجراً يعمل في بيع الخزِّ، فإذا قضى حاجته من التجارة جلس للعلم والتدريس والإفتاء، حتى فاق أهل زمانه جميعاً ،وصار علماً مقدماً في الفقه، وقد أرسى دعائم مدرسة الرأي في الفقة، وصار أستاذ القياس الأول بلا منازع .

براعته الفقهية

برع أبو حنيفة في الفقه براعة لا يدانيه فيها إلا القليل من علماء الأمة، وقد شهد له أقرانه من علماء عصره بالرِّيادة والإمامة في الفقه، وهذه طائفة من أقوالهم :

قال يحيى بن سعيد القطان: لا نكذب الله، ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة".

وقال عليُّ بن عاصم: "لو وُزن علم أبي حنيفة بعلم أهل زمانه لرجح عليهم".

وقال حفص بن غياث: "كلام أبي حنيفة في الفقه أدقُّ من الشَّعر، ولا يعيبه إلا جاهل".

وسئل الأعمش عن مسألة فقال: "إنَّما يُحسن هذا النعمان بن ثابت الخزاز، وأظنُّه بورك له في علمه".

وقال ابن المبارك: "أبو حنيفة أفقه الناس".

وقال الشافعيُّ : "الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة".

وقد علق الإمام الذهبيُّ على تلك الأقوال قائلاً : "الإمامة فى الفقه ودقائقه مسلَّمة إلى هذا الإمام، وهذا أمر لا شك فيه" ثم أنشد:
وليس يصحُّ في الأذهان شيءٌ إذا احتاجَ النَّهارُ إلى دليل

أخلاقه وخصاله وعبادته

كان الإمام أبو حنيفة النعمان من رجالات الكمال في العلم والعمل، موصوفاً بالفضائل، عالماً عاملاً، جمع بين العلم والعبادة، حليماً وقوراً هيوباً، معرضاً عما لا يعنيه، شديد الورع والتحرز عن مواطن الشبهات، مجافياً لأبواب السلاطين، يفر منهم قدر استطاعته، قال عن ورعه ابن المبارك: قدمتُ الكوفة فسألت عن أورع أهلها؛ فقالوا : أبو حنيفة، وقال مكيُّ بن إبراهيم: جالست الكوفيين، فما رأيت أورع من أبي حنيفة، كان يبيع ثياب الخزِّ، فإذا كان بأحدها عيب بيَّنه للمشتري وأظهره، وكان إذا نسي أن يبين تصدَّق بثمن الثوب كله، ولعلَّ ورعه هذا الذي أورثه محنته الشديدة مع أبي جعفر المنصور.

كما كان أبو حنيفة كثير الصلة والإنفاق في سبيل الله، كثير الأفضال على إخوانه، يتعاهد طلبة العلم وينفق عليهم، ويكفيهم مؤونة الحياة ليتفرَّغوا لطلب العلم، وكان إذا أنفق على عياله نفقةً تصدَّق بمثلها.

وعلى الرَّغم من نبوغ أبي حنيفة في العلم وانشغاله بتلقَّي العلم ودروسه، إلا أنَّه كان من أعبد النَّاس في زمانه، يُطيل صلاته جداً مع الخشوع والسكينة حتى لُقِّب بالوتد لطول صلاته، وكان مَّمن قرأ القرآن كله في ركعة واحدة، وكان يُحيى الليل كلَّه تضرُّعاً وصلاة ودعاء، وقد تواتر هذا الأمرُ عند أهل زمانه:

عن بشر بن الوليد، عن القاضي أبي يوسف، قال: "بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة، إذ سمعت رجلاً يقول لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، فقال أبو حنيفة: والله لا يتحدث عني بما لم أفعل، فكان بعدها يحيى الليل كله صلاة وتضرعاً ودعاء، ومسألة صلاته الصبح بوضوء العشاء تواترت عنه عند أهل زمانه".

قال الفضل بن دكين: "رأيت جماعة من التابعين وغيرهم، فما رأيت أحسن صلاة من أبي حنيفة، ولقد كان قبل الدخول في الصلاة يبكي ويدعو".

وقال ابن أبي رواد: "ما رأيت أصبر على الطواف والفتيا بمكة منه، إنما كان كل الليل والنهار في طلب الآخرة والنجاة، ولقد شاهدته عشر ليال، فما رأيته نام بالليل، ولا هدأ ساعة من نهار، من طواف وصلاة أو تعليم".

وقال سفيان بن عينية: "ما قدم مكة رجل في وقتنا أكثر صلاةً من أبي حنيفة".

كما كان أبو حنيفة مشهوراً بالعفو عمن ظلمه والصفح عمن أساء إليه، وتعرض لكثير من الانتقادات بسبب توسُّعه في العمل بالقياس والرأي، ومع ذلك كان كافاً لسانه عن النيل من معارضيه، معرضاً عن زلات الآخرين، لا يجاري أحداً فيما لا ينفع ولا يغني، وقد جعل على نفسه إن حلف بالله صادقاً أن يتصدق بدينار.

ثناء العلماء عليه

يعتبر أبو حنيفة أحد الأئمة الأعلام وأحد الفقهاء الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة والباقية حتى الآن، وكان أقدم الأئمة الأربعة، لذلك لقبوه بالإمام الأكبر والأعظم على الرغم من وجود علماء فحول فطاحل في زمانه ربما يفوقونه علماً ورواية، إلا أنه استطاع أن يُرسي دعائم مدرسة فقهية خاصة به، كتب الله عز وجل لها البقاء والانتشار في ربوع الأرض حتى صار المذهب الحنفيُّ هو أكثر المذاهب الفقهية شيوعاً وأتباعاً خاصة بعد أن أعلنته الدولة العثمانية مذهباً رسمياً لها.

قال عنه ابن المبارك: "لولا أن الله أعانني بأبي حنيفة وسفيان كنت كسائر الناس، وما رأيت رجلاً أوقر في مجلسه ولا أحسن صمتاً وحلماً من أبي حنيفة".

قال الشافعيُّ: "الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة".

قال مالك للشافعي : "رأيت رجلاً –يعني أبا حنيفة– لو كلَّمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته".

قيل للقاسم بن معن: "ترضى أن تكون من غلمان أبي حنيفة؟ قال: ما جلس الناس إلى أحد أنفع من مجالسة أبي حنيفة".

قال عليُّ بن عاصم: "لو وُزن علم الإمام أبي حنيفة بعلم أهل زمانه لرجح عليهم".

قال حفص بن غياث: "كلام أبي حنيفة في الفقه أدق من الشعر ولا يعيبه إلا جاهل".

سئل يزيد بن هارودن : "أيُّهما أفقه، الثوريّ أو أبو حنيفة؟ فقال : أبو حنيفة أفقه، وسفيان أحفظ للحديث، وما رأيت أحداً أعلم من أبي حنيفة".

قال الذَّهبىُّ: "كان أبو حنيفة من أذكياء بني آدم، جمع الفقه والعبادة والورع والسخاء، وكان لا يقبل جوائز الدولة".

قال الفضيل بن عياض: "كان أبو حنيفة رجلاً فقيهاً، معروفاً بالفقه، مشهوراً بالورع، واسع المال، معروفاً بالأفضال على من يُطيفُ به، صبوراً على تعليم العلم بالليل والنهار، كثير الصَّمت، قليل الكلام، حتى تردَ مسألة في حلال أو حرام، فكان يُحسن أن يدلُّ على الحق، هارباً من مال السلطان، كان إذا وردت عليه مسألة فيها حديث صحيح اتبعه وإن كان عن الصحابة والتابعين، وإن قاس فأحسن القياس".

أبو حنيفة بين الجرح والتعديل

أبوحنيفة –رحمه الله– إمامٌ فحلٌ صاحب مدرسة فقهية كبيرة لها وقعها الكبير قديماً وحديثاً. و قد اختار ابن تيمية كثيراً من أقواله، خاصة في باب الزكاة. وهو من أذكياء العالم، لا يستريب في هذا أحد! وأبو حنيفة هو إمام علم في الفقه والاستنباط، وإمام في الزهد والورع. ولا يَعيبه أن تكون بضاعته في الحديث مُزجاة، أو أنه لم يُذكر في عداد أهل الصناعة والدِّراية. ومن قال ذا يعيبه؟ فهذا الشأن لكل من انصرف لفن دون آخر.

وأما كونه ضعيفاً في الحديث فلا يجرح في إمامته في الفقه والدين. فكم من فقيه جليل لا يُعتدُّ بروايته للحديث، كما أنه كم من محدث جليل لا يقيم الفقهاء لرأيه واستنباطه وزناً. وكل علمٍ يُسأل عنه أهله. وإذا كان الراوي أحياناً يكون ثقة في روايته عن شيخ، وضعيفاً في روايته عن شيخ آخر، أو يكون ثقة في روايته عن أهل بلد، وضعيفاً في روايته عن أهل بلد آخر، فكذلك يكون الرجل ثقة في روايته لعلم، وضعيفاً في روايته لعلم آخر.

قال الذهبي في السير (5|260) في ترجمة عاصم: "وما زال في كل وقت يكون العالم: إماماً في فن، مقصراً في فنون. وكذلك كان صاحبه حفص بن سليمان ثبتاً في القراءة واهياً في الحديث. وكان الأعمش بخلافه: كان ثبتاً في الحديث، ليّناً في الحروف. فإن للأعمش قراءة منقولة في كتاب "المنهج" وغيره، لا ترتقي إلى رتبة القراءات السبع، ولا إلى قراءة يعقوب وأبي جعفر، والله أعلم" .

والأحناف في كل كتاب حديث تقريباً يضيعون مساحة شاسعة منه للدفاع عن أبي حنيفة وإثبات أنه ثقة. بل ويغيرون كل علم الجرح والتعديل حتى يحصلوا على تعديل إمامهم. وكل من جرح أبا حنيفة يصبح متعنتاً أو مجروحاً، والعكس بالعكس.

توثيق أبي حنيفة

لم أجد من وثَّق أبا حنيفة من المحدثين إلا ابن معين (ولم يصح) وابن المديني، وسائر ما يذكر في ترجمته من الثناء، إنما هو في علمه وفضله ورأيه. وقد جاء عن ابن معين وابن المديني تضعيفهما لأبي حنيفة، وإليكم كلامهما:

ففي تهذيب التهذيب (1|401)، قال محمد بن سعد العَوْفي (ضعيف) سمعت ابنَ معين يقول: "كان أبو حنيفة ثقةً لا يُحدِّث بالحديث إلا بما يحفظه، ولا يُحدِّث بما لا يحفظ". وقال صالح بن محمد الأسدي (مجهول): سمعت يحيى بن معين يقول: "كان أبو حنيفة ثقة".

وقال ابن عبد البر في "الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء": قال عبد الله بن أحمد الدَّورقي (مجهول): سئل يحيى بن مَعين وأنا أسمع عن أبي حنيفة؟ فقال ابنُ مَعين: "هو ثقةٌ ما سمعتُ أحداً ضعَّفه (!!). هذا شعبةُ بن الحجاج يكتب إليه أن يُحدِّث، ويأمُرُه. وشعبةُ شعبة". وهذا الدورقيُّ قد قال ابن حزم عنه في (حجة الوداع): "لا أعرفه" ، نقل هذا الذهبي في (ميزان الاعتدال) (8|132) مقراً له. وقال الحسينيُّ في الإكمال (1|237): "فيه جهالة". والمقولة منكرة لما نعلم من ذم شعبة لأبي حنيفة.

فإذا عرفنا أن توثيق ابن معين لأبي حنيفة لم يصح، نذكر أنه قد صح عنه تضعيف حديث أبي حنيفة، قال ابن أبي مريم –كما في الكامل لابن عدي (8|236)–: سألت يحيى بن معين عن أبي حنيفة، فقال: "لا يكتب حديثه" وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة –كما في الضعفاء للعقيلي-: سمعت يحيى بن معين وسئل عن أبي حنيفة، قال: "كان يضعف في الحديث". وقال محمد بن حماد المقرئ – كما في "تاريخ بغداد"، وسألت يحيى بن معين عن أبي حنيفة، فقال: "وأيش كان عند أبي حنيفة من الحديث حتى تسأل عنه؟!".

وعلى فرض صحة روايات التوثيق "وقد رأيت أنها لا تصح مطلقاً"، فيُجاب عليها بأن ابن معين مشهور في ميله لأبي حنيفة واستحسانه لرأيه، ولعلَّ هذا التوثيق كان في أول أمر يحيى بن معين، ثم اطَّلع بعد ذلك على ما له من أوهام وأخطاء فضعفه في الحديث.

قال الإمام علي بن المديني: "أبو حنيفة روى عنه الثوري وابن المبارك، وهو ثقة لا بأس به". وقد جاء عنه التضعيف كذلك. إذ قال عبد الله بن عليِّ بن عبد الله المديني، كما في تاريخ بغداد: وسألت –يعني أباه– عن أبي حنيفة صاحب الرأي، فضعفه جداً، وقال: "لو كان بين يَدَيّ ما سألته عن شيء وروى خمسين حديثاً أخطأ فيها". انتهى.

قال المعلميُّ في التنكيل (1|358) جواباً عن توثيق عليِّ بن المدينيّ لأبي حنيفة: "كان من دعاة المحنة حنفيَّةٌ، وكانوا ينسبون مقالتهم التي امتحنوا الناس فيها إلى أبي حنيفة، ويدعون إلى مذهبه في الفقه، كما مرت الإشارة إلى طرف منه في ترجمة سفيان الثوري، فكأنهم استكرهوا ابن المديني على أن يُثني على أبي حنيفة ويوثقه فاضطر إلى أن يوافقهم، وقد يكون ورّى فقصد بكلمة "ثقة" معنى أنه لم يكذب، ثم لما سأله ابنه أخبره بما يعتقد".

أهم الكتب التي ذكرت جرح أبي حنيفاً مسنداً هي:

1-تاريخ بغداد للخطيب.

2-المجروحون لابن حبان.

3-الكامل لابن عدي.

4-السنة لعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل.

وأظنها استوعبت الجرح كله، وبخاصة الأول. وبعض تلك الأقوال منصف وكثير منها غير منصف.

وخلاصة القول في مسألة تجريح الإمام أبي حنيفة يمكن حصرها في أمرين أخذهما عليه مخالفوه، أولهما صحيح والآخر لا يصح مطلقا :

الأمر الأول : تجريحه في رواية الحديث.

هذا أمر صحيح أجمع عليه علماء الحديث قاطبة، وذكروا أدلته، وسبب ذلك أنه كان اهتمامه منصباً على الفقه والاجتهاد والعبادة، وإذا روى الحديث رواه بالمعنى على أسلوب شيخه حماد. وقد اعترف الإمام به بنفسه، إذ أخرج الإمام ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل عن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، عن أبي عبد الرَّحمان المقرئ، قال: كان أبو حنيفة يُحدِّثنا، فإذا فرغ من الحديث، قال: "هذا الذي سمعتم كلُّه ريحٌ وباطلٌ". وقال الترمذي: سمعت محمود بن غيلان، يقول: سمعت المقرئ، يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: "عامة ما أحدِّثكم خطأ"، وهذا سند صحيح كالشمس. وهو موافقٌ لكلام النقاد، واعترافٌ من الإمام بأنه ليس ضابطاً لحديثه، وهذا حمله عليه ورعه ومعرفته بقدر نفسه في الحديث، لأنه ليس من فرسان الأسانيد والعلل.

وقد اعترف الإمام الزَّيلعيُّ -وهو من أكبر الحفاظ الحنفية- بضعف أبي حنيفة في حديث "نهى عن بيع وشرط".

الأمر الثَّاني : تجريحه في باب العقائد

وهذا باطل، ولم يخالف أبو حنيفة السَّلف الصالح إلا في مسألة الإرجاء، إذ وافق شيخه حماد فيما يسمى بمذهب مرجئة الفقهاء في الإيمان، وقد أوضح شيخ الإسلام أن هذا كان في ذلك الوقت خلافاً لفظيًّا فحسب، ثم تطوَّر لاحقاً على يد الماتريديَّة والأشاعرة فصار حقيقياً، و والله تجد اليوم أقواماً غالَوا في الإرجاء الحقيقي مع الحكام الطواغيت، بل فاقوا الجهميَّة أنفسهم، ومع ذلك يَلمزون الإمام أبا حنيفة، ولا نقول إلا: رمتني بدائها وانسلَّت.

يقول شيخ الإسلام في كتاب الإيمان (ص337): "إنَّه لم يكفر أحد من السلف من مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا بدع العقائد، فإن كثيراً من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنَّة هو الصواب". وقال في مجموع الفتاوى (7|297): "ومما ينبغي أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنَّة في هذه المسألة هو نزاع لفظي، وإلاَّ فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء -كحماد بن أبي سليمان وهو أول من قال ذلك، ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم- متفقون مع جميع علماء السنَّة أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد وإن قالوا: إن إيمانهم كامل كإيمان جبريل، فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقاً للذم والعقاب كما تقوله الجماعة. ويقولون أيضاً: إن من أهل الكبائر من يدخل النار كما تقوله الجماعة" . وبه قال الذهبي وابن أبي العز إذ قال في شرح العقيدة الطحاوية (ص362): "الاختلافُ الذي بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السُّنَّة صُوريٌّ، فإنَّ كون أعمال الجوارح لازمةٌ لإيمان القلب أو جزء من الإيمان، مع الاتفاق على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان، بل هو في مشيئة الله إن شاء عذَّبه وإن شاء عفا عنه، نزاعٌ لفظيٌّ لا يترتب عليه فساد اعتقاد".

لكن القوم أصروا على أن يفتروا عليه أقوالاً ومسائل بهدف التشنيع، وظاهرها الكفر والضلال. قال الإمام ابن تيمية في المنهاج (2|619): "كما أنَّ أبا حنيفة –وإن كان الناس خالفوه في أشياء وأنكروها عليه– فلا يستريبُ أحدٌ في فقهه وفهمه وعلمه. وقد نقلوا عنه أشياء يقصدون بها الشَّناعة عليه، وهي كذبٌ عليه قطعاً".

ومن ذلك اتهامه –والعياذ بالله– بالقول بخلق القرآن، واتهامه بأنه استُتيب من الكفر مرتين! روى عبد الله في "السُّنَّة"، قال: "سمعت أبي –رحمه الله– يقول (عن أبي حنيفة): أظنُّ أنه استُتيب في هذه الآية: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ) [الصافات:180]، قال أبو حنيفة: "هذا مخلوق"، فقالوا له: "هذا كفر"؛ فاستتابوه" . قال الشّيخ الدكتور محمد بن سعيد القحطانيُّ معلِّقاً: "لا يُقام حكمٌ بظنٍّ" . ثم إنَّ الإمام أحمد، قد ظهر له خطأ ظنه، وثبت عنده أن أبا حنيفة ما قال بخلق القرآن قط. قال أبو بكر المروزيُّ: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: "لم يصحَّ عندنا أنَّ أبا حنيفة كان يقول: القرآن مخلوق". وهذا يُكذب كل الروايات التي تتهم الإمام أبا حنيفة بالكفر، والعياذ بالله. بل إنَّ الإمام أحمد حصل له نوع من التعاطف والتقدير لموقف أبي حنيفة المشرف من السلاطين الظلمة. فقال إسماعيل بن سالم البغداديُّ: "ضُرب أبو حنيفة على الدخول في القضاء، فلم يقبل القضاء". قال: "وكان أحمد بن حنبل إذا ذكر ذلك بكى، وترحَّم على أبي حنيفة، وذلك بعد أن ضُرِبَ أحمد".

وبالنسبة لمسألة استتابته من الكفر، فقد رد الأئمة الأحناف على هذه الفرية: قال الفقيه المحقِّق علي بن محمد القاري في مناقب الإمام: قال أبو الفضل الكرماني: لما دخل الخوارج الكوفة مع الضحاك –ورأيهم تكفير كل من أذنبَ وتكفير كل من لم يُكفِّر مرتكب الذنب– قيل لهم: هذا شيخ هؤلاء، فأخذوا الإمام أبا حنيفة وقالوا له: تب من الكفر، فقال: أنا تائب من كلِّ كفر، فقيل لهم: إنه تائب من كفركم، فأخذوه فقال لهم: أبعلمٍ قلتم أم بظنٍّ؟ قالوا: بظنٍّ، قال: إنَّ بعض الظن إثم، والإثم ذنب فتوبوا من الكفر، قالوا: تب أنت أيضاً من الكفر، فقال: أنا تائب من كل كفر. فهذا الذي قاله أهل الضلال من أنَّ الإمام استُتيب من الكفر مرتين، ولبّسوا على العامَّة من الناس. ا.هـ

محنتـــــه ووفاتــــه

الإمام أبو حنيفة – كما أوضحنا – كان من العلماء الربانيين المشهورين بالزهد والورع والتقوى، وكان مشهوراً بالبعد عن زخارف الدنيا والفرار من المناصب، تأبى عليه نفسه أن يكون مطيَّةً للسلاطين والحكام، عازفاً عن الاشتراك في أمور قد تضعُه في مواطن الفتن والشبهات، وتلك الخصال الرائعة كانت من أهم أسباب محنته التي نزلت به .

الإمام أبو حنيفة عاصر عهدين مختلفين ومتتابعين في حياة الأمة الإسلامية : العهد الأول : عهد الدولة الأموية المجاهدة، وفيه وُلد الإمام، ونشأ وترعرع وتعلم ودرس، وطاف البلاد وجالس العلماء الكبار، وفي نفس ذلك العهد بلغ أبو حنيفة حدَّ الكمال: الإمامة والتصدر، وصار له تلاميذ وأتباع، وأصبح من جملة علماء الأمة الكبار المعروفين، والذين يرجع إلى رأيهم ويُفزع إلى علمهم وقت النوازل والمحن. أما العهد الثانى: فهو عهد الدولة العباسية التي قامت على أشلاء الدولة الأموية بعد ما سُفكت دماءٌ كثيرة من أجل إزاحة الأمويين، وكشأن أيه دولة تقوم قسراً على أنقاض سابقتها، شهدت الدولة العباسية في بداية عهدها العديد من الثورات الكبيرة ضدها من أولياء الدولة السابقة، أو من الناقمين على أسلوب حكم وطريقة قيام الدولة الجديدة .

وفي تلك الأجواء المتوترة والأوضاع المشحونة المليئة بالفتن والاضطرابات، تجد الأكاذيب والأباطيل والشائعات البيئة الخصبة للرواج والانتشار، ويجد الوشاة والحاقدون والحاسدون الآذان الصاغية لأكاذيبهم وافتراءاتهم، ومن هنا كانت محنة الإمام أبي حنيفة.

كان الإمام أبو حنيفة رأس علماء العراق في زمانه، وبالأخص في الفترة التي واكبت الصراع العنيف الذي وقع بين الدولة الأموية والعباسيين (128هـ -132 هـ)، وهو الصراع الذي انتهى بسقوط الدولة الأموية، وكان معظم فصول ذلك الصراع على أرض العراق، وكان أبو حنيفة لا يُخفي سخطه وتبرُّمه من طريقة قيام الدولة العباسية ،ويأسى على أرواح ودماء الأبرياء التي سُفكت ظلماً وعدواناً في ثنايا ذلك الصراع، ولم يكن ذلك الأمر شأنّ أبي حنيفة وحده، بل سائر علماء الزمان كلهم أبدوا سخطهم على تلك الدموية الفظيعة في قيام الدولة العباسية.

عندما اندلعت ثورة النفس الزكية سنة 145هـ، واستطاع الأخوان محمد وإبراهيم ابنا عبد الله بن حسن من آل البيت، أن يسيطرا على المدينة والبصرة والكوفة وأجزاء كبيرة في المشرق، حتى أصبحت ثورتهما من أشدِّ ما لاقى العباسيون، وبذل الخليفة أبو جعفر المنصور جهوداً ضخمة من أجل القضاء على تلك الثورة، وقد شاع بين الناس وقتها أن الإمام أبا حنيفة بالعراق والإمام مالك بالمدينة يؤيدان تلك الثورة، ولعلَّ الذي أشاع ذلك الأمر أتباع الثورة ومؤيدوها، حتى يكتسبوا الغطاء الشرعيَّ لثورتهم.

فلما انتهت الثورة وتم التنكيل بأتباعها، التفت أبو جعفر المنصور لمتابعة كل من حامت حوله الشبهات والشكوك بتأييد تلك الثورة، فبدأ بالإمام مالك وفعل معه ما سنعرفه في ثنايا ترجمة الإمام، أما الإمام أبو حنيفة فقد أفاض في شأنه الحاقدون والوشاة، حتى امتلأ صدر أبي جعفر المنصور منه، فطلب إحضاره من الكوفة إلى بغداد على الفور، فلما انتهى إلى قصر الخليفة أراد أبو جعفر المنصور أن يختبر ولاء أبي حنيفة للدولة العباسية، وذلك بعرض منصب القضاء عليه.

أبو جعفر المنصور كان يعلم علم اليقين أن الإمام أبا حنيفة سيرفض ولاية القضاء رفضاً قاطعاً، فلقد سبق وأن عرض عليه الأمويون المنصب ورفض، وضربه والي العراق وقتها ابن هبيرة بالسياط ليقبل القضاء ومع ذلك أصر على الرفض، فلما عرض أبو جعفر المنصب على أبي حنيفة دار هذا الحوار الفريد: فعن مغيث بن بديل، قال : " دعا المنصور أبا حنيفة إلى القضاء فامتنع، فقال المنصور: أترغب عما نحن فيه؟ فقال أبو حنيفة : لا أصلح، فقال المنصور وقد احتدَّ: كذبتَ. فقال أبو حنيفة -وقد استخدم مهارته المعروفة في القياس والإقناع-: قد حكم أمير المؤمنين عليَّ أني لا أصلح!، فإن كنت كاذباً فلا أصلح – يعني لكذبه – وإن كنت صادقاً فقد أخبرتكم أني لا أصلح).

وعندها غضب أبو جعفر المنصور غضباً شديداً، وأقسم بأغلظ الأيمان لَيَلِيَنَّ الإمام منصب القضاء، وكان من الطبيعيِّ أمام غضبة الخليفة وتلك الأيمان المغلظة أن يلين أبو حنيفة ويوافق ولو من باب الإكراه، ولكن أبا حنيفة العالم الربانيَّ لم يكن ليُباليَ بغير سخط الله عز وجل وحده وسطوته جل وعلا، فإذا به يردُّ على الخليفة بأيمان أغلظ على رفض القضاء، فبُهت المنصور من جواب أبي حنيفة، وألجمه الردُّ القويُّ عن الكلام، وعندها يتدخل الربيع حاجب الخليفة المنصور في الحوار لعله يستطيع تلطيف الأجواء وإقناع أبي حنيفة، فيقول : ترى أمير المؤمنين يحلف وأنت تحلف؟ فرد أبو حنيفة بهدوء ووقار وفطنة: "أمير المؤمنين على كفارة يمينه أقدر مني".

ألقى الخليفة المنصور بآخر أوراقه التهديدية، ليُخيَّر الإمام بين ولاية القضاء أو دخول السجن، فأصرَّ أبو حنيفة على رفضه، فأمر المنصور بضربه بالسياط أولاً، ثم حملوه مقيداً إلى سجن بغداد، والسر وراء اشتداد المنصور في التعامل مع أبي حنيفة أنَّ المنصور كان شخصية استبدادية لا يطيق أن يُردَّ له أمر، ثم إنَّ الشكوك والظُّنون حول دور أبي حنيفة في ثورة النَّفس الزكيَّة قد تحولت برفض القضاء إلى يقين وحقيقة، لذلك اشتدَّ المنصور في معاملة الإمام.

وفي السجن المشدَّد عانى أبو حنيفة من التضييق والتهديد بالقتل يوماً بعد يوم، وكان أبو حنيفة وقتها على مشارف السَّبعين، قد وهن جسده وحطمته دروس العلم، وسؤالات الطلبة، ومع ذلك لم يتراجع أبو حنيفة عن قراره، ولم ينلْ من عزيمته شيءٌ، ولكن وإن صمد قلبه وثبتت نفسه وروحه وعزيمته فإنَّ جسده الواهن لم يصمد كثيراً، فتوفِّي الإمام أبو حنيفة في سجنه في رجب سنة 150هـ، وصعدت روحه إلى بارئها وهي في قيود من ظلموه، ليختصم كلَّ من اشترك في دمه أمام المحكمة الإلهية.

أعجبُ ما في محنة الإمام أبي حنيفة: أنها كانت بسبب فرار الإمام من الدنيا ومن المناصب التي كانت تُعرض عليه ويُهدد بكل وسيلة من أجل القبول والدخول في زُمرة المناصب العليا، ولكنه يرفض ويؤثِرُ الضَّرب والسجن، ويُصرُّ على موقفه حتى الموت، ذلك كلُّه ونحن نرى الآن بعضَ مَن ينتسب إلى العلم يتهافت على الدُّنيا والمناصب، يلهثُ وراءها بكل سبيل، ولا يُبالي بما قدَّم من تنازلات من أجل ذلك، وهذا هو الفارق بين العلماء الربانيِّين والعلماء الدنيويِّين.

أهم المصادر والمراجع

سير أعلام النبلاء.
تاريخ بغداد.
البداية والنهاية.
الكامل في التاريخ.
وفيات الأعيان.
تذكرة الحفاظ.
النجوم الزاهرة.
تراجم أعلام السلف.
التنكيل لما في مقالات الكوثري من أباطيل.
فتاوى شيخ الإسلام.
شرح العقيدة الطحاوية.
السنة لعبد الله بن أحمد.
تهذيب التهذيب.
ميزان الاعتدال.
 

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات