طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الأحـداث التاريخية > شخصيات تاريخية > المبحث الثاني: صورة من الجوانب الفكرية والثقافية في شخصية الشيخ

ملتقى الخطباء

(1٬660)
1077

المبحث الثاني: صورة من الجوانب الفكرية والثقافية في شخصية الشيخ

تاريخ النشر : 1431/08/07
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

كان هناك صورة على مشاركة الشيخ الثقافية والفكرية في حياة الأمة الإسلامية، وهي صورة دالة على أن الشيخ قد اكتسب شيئاً لا بأس به من الثقافة والفكر، وأن حياته الطويلة لم تكن لتخلو منهما كما يزعم الزاعمون، فمن ذلك:

1 – تأليفه بعض الرسائل الدالة على مشاركة فكرية وثقافية، فمن ذلك:

أ‌- "نقد القومية العربية":

وهي رسالة مهمة، يظهر فيها مدى تغلغل القومية العربية في بلاد الإسلام العربية آنذاك -وقد ألفها في الثمانينات الهجرية- والقومية على قسمين: قسم لا يعارض الإسلام ولكنه يرى فصله عن واقع الحياة وإبعاده عن السياسة، وهذا القسم على خطورته ومخالفته للإسلام الصحيح أخف من القسم الآخر الذي يرفض الإسلام جملة وتفصيلاً مثل قومية حزب البعث العربي الاشتراكي، والشيخ- رحمه الله تعالى – في رسالته -على وجازتها- يرد على أهل القسمين رداً وسطاً بين الإجمال والتفصيل، وفي هذه الرسالة تظهر مشاركة الشيخ في الجوانب الفكرية والثقافية، فمن ذلك قوله:

" فمن سبَرَ أحوال القوميين، وتدبر مقالتهم وأخلاقهم وأعمالهم عرف أن غرض كثيرين منهم من الدعوة إلى القومية أمور أخرى يعرفها من له أدنى بصيرة بالواقع وأحوال المجتمع، ومن تلك الأمور: فصل الدين عن الدولة، وإقصاء أحكام الإسلام عن المجتمع، والاعتياض عنها بقوانين وضعية ملفقة من قوانين شتى، وإطلاق الحرية للنزعات الجنسية والمذاهب الهدامة -لا بلغهم الله مناهم- ولا ريب أن دعوة تفضي إلى هذه الغايات يرقص لها الاستعمار طرباً، ويساعد على وجودها ورفع مستواها -وإن تظاهر بخلاف ذلك- تغريراً للعرب عن دينهم، وتشجيعاً لهم على الاشتغال بقوميتهم والدعوة إليها، والإعراض عن دينهم ".

ثم قال رحمه الله تعالى: "وإذا عرفت -أيها القارئ- ما تقدم فاعلم أن هذه الدعوة -أعني الدعوة إلى القومية العربية- أحدثها الغربيون من النصارى لمحاربة الإسلام والقضاء عليه في داره بزخرف من القول، وأنواع من الخيال، وأساليب من الخداع، فاعتنقها كثير من العرب وأعداء الإسلام واغترّ بها كثير من الأغمار ومَن قلدهم من الجهال، وفرح بذلك أرباب الإلحاد وخصوم الإسلام في كل مكان ".

ثم قال رحمه الله تعالى: " هذه الفكرة -أعني الدعوة إلى القومية العربية- وردت إلينا من أعدائنا الغربيين وكادوا بها المسلمين، ويقصدون بها من ورائها فصل بعضهم عن بعض، وتحطيم كيانهم، وتفريغ شملهم على قاعدتهم المشؤومة " فَرِّق تَسُد "وكم نالوا من الإسلام وأهله بهذه القاعدة النحيسة مما يحزن القلوب ويدمي العيون.

وذكر كثير من مؤرخي الدعوة إلى القومية العربية -ومنهم مؤلف الموسوعة العربية- أن أول من دعا إلى القومية العربية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي هم الغربيون على أيدي بعثات التبشير في سوريا؛ ليفصلوا الترك عن العرب ويفرقوا بين المسلمين، ولم تزل الدعوة إليها في الشام والعراق ولبنان تزداد وتنمو حتى عُقد لها أول مؤتمر في باريس وذالك عام1910 م، وكثرت بسبب ذلك الجمعيات العربية، وتعددت الاتجاهات، فحاول الأتراك إخمادها بأحكام الإعدام التي نفذها جمال باشا في سوريا في ذلك الوقت إلى آخر ما ذكروا…" ا.هـ.

ثم نقل نقولا ًمهمة عن عدد من الدعاة فقال: " ولقد أحسن الكاتب الإسلامي الشهير أبو الحسن الندوي في رسالته المشهورة: (اسمعوها مني صريحة أيها العرب) حيث يقول… "وقال: " ولنختم الكلام في هذا المقام بنبذة من كلام الكاتب المصري الشهير الشيخ محمد الغزالي تتعلق بالقومية، قد أجاد فيها وأفاد، حيث قال في كتابه (مع الله )… ".

ثم نقل نقلاً من كتاب الشيخ الغزالي ختمه بقوله: "انتهى المقصود من كلام الغزالي في كتابه " مع الله " ولعظم فائدته نقلته ها هنا ".

وهذه الرسالة متميزة فكرياً وثقافياً، وأظن أن الشيخ لم يؤلف مثلها في الجوانب الفكرية والثقافية، فهي من رسائله المتميزة، مع أنه قد كتبها قبل وفاته بنحو أربعين سنة رحمه الله تعالى.

ب- رسالة "الدعوة إلى الله سبحانه وأخلاق الدعاة ": وهي رسالة موجزة للشيخ -رحمه الله تعالى- بدأها بالحكمة من إيجاد الخليقة، والحكمة من إرسال الرسل -عليهم الصلاة والسلام- ثم تحدث عن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وكيف تعب من أجلها بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، وكيف اجتهد الصحابة رضي الله عنهم في إبلاغ الرسالة إلى أرجاء المعمورة آنذاك، ثم تحدث عن الدعوة إلى الله عز وجل حديثاً موجزاً في نقاط أربع، وهي:

حكمها وفضلها، كيفية أدائها وأساليبها، بيان الأمر الذي يُدعى إليه، بيان الأخلاق والصفات التي ينبغي للدعاة أن يتخلقوا بها وأن يسيروا عليها.

وقد قال في كيفية أداء الدعوة كلاماً فكرياً جيداً، كان منه الحديث عن شمول الدعوة الإسلامية وأن الإسلام: "عبادة وقيادة: ويكون -أي المسلم- عابداً ويكون قائداً للجيش.

عبادة وحكم: ويكون عابداً مصلياً صائماً ويكون حاكماً بشر ع الله منفذاً لأحكامه عز وجل.

عبادة وجهاد: ويدعو إلى الله ويجاهد في سبيل الله من خرج عن دين الله.

مصحف وسيف: يتأمل القران ويتدبره، وينفذ أحكامه بالقوة ولو بالسيف إذا دعت الحاجة إليه.

سياسة واجتماع: فهو يدعو إلى الأخلاق الفاضلة والأخوة الإيمانية والجمع بين المسلمين والتأليف بينهم…

فدين الله يدعو إلى الاجتماع وإلى السياسة الصالحة الحكيمة التي تجمع ولا تفرق، تؤلف ولا تباعد…

وهو يدعو إلى أداء الأمانة والحكم بالشريعة وترك الحكم بغير ما أنزل الله عز وجل…

وهو أيضاً سياسة واقتصاد، كما أنه سياسة وعبادة وجهاد: فهو يدعو إلى الاقتصاد الشرعي المتوسط ليس رأسمالياً غاشماً ظالماً لا يبالي بالحرمات ويجمع المال بكل وسيلة وبكل طريق، وليس اقتصاداً شيوعياً إلحادياً لا يحترم أموال الناس ولا يبالي بالضغط عليهم وظلمهم والعدوان عليهم، فليس هذا ولا هذا بل هو وسط بين الاقتصاديين، ووسط بين الطريقين، وحق بين الباطلين؛ فالغرب عظموا المال وغالوا في حبه وفي جمعه حتى جمعوه بكل وسيلة، وسلكوا فيه ما حرم الله عز وجل، والشرق من الملحدين من السوفييت ومن سلك سبيلهم لم يحترموا أموال العباد بل أخذوها واستحلوها ولم يبالوا بما فعلوه في ذلك بل استعبدوا العباد، واضطهدوا الشعوب، وكفروا بالله، أنكروا الأديان، وقالوا لا إله والحياة المادة…

ثم قال: " وعليك أن تأخذ الإسلام كله ولا تأخذ جانباً دون جانب، لا تأخذ العقيدة وتدع الأحكام والأعمال، ولا تأخذ الأعمال والأحكام وتدع العقيدة، بل خذ الإسلام كله، خذه عقيدة، وعملاً، وعبادة، وجهاداً، واجتماعاً، وسياسةً، واقتصاداً، أو غير ذلك، خذه من كل الوجوه… يجب على كل مسلم أن يتمسك بالإسلام كله، وأن يدين بالإسلام كله، وأن يعتصم بحبل الله عز وجل، وأن يحذر أسباب الفرقة والاختلاف في جميع الأحوال ".

وهذا الكلام يكاد يتطابق مضمونه ومجمله مع كلام الأستاذ البنا رحمه الله تعالى حيث قال في الأصل الأول من الأصول العشرين:

" الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً، فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواءً ".

ولهذا الكتاب قصة لطيفة أخبرني بها الشيخ الدكتور عبد الله القادري الأهدل الذي كان مسئولاً عن الإشراف الاجتماعي في الجامعة الإسلامية زمان تولي الشيخ ابن باز رئاستها، فقد جاء إليه وقال له: يا شيخ: ما هو الإسلام؟ أهو عقيدة فقط أم هو عبادة فقط؟ أم دعوة فقط؟ أم هو شامل لكل ذلك؟ وكان بجوار الشيخ ابن باز ملازمه الخاص في المدينة الشيخ إبراهيم الحصين، الذي اتصل به بعد أسبوع، وقال: لقد قرر الشيخ إلقاء محاضرة عن هذه المعاني مجتمعة، وفعلاً ألقيت هذه المحاضرة التي طبعت في هذه الرسالة التي استقيت منها النصوص السالفة، وقد أخبرني الشيخ القادري – حفظه الله تعالى – بأن عدداً من الطلبة قالوا بعد خروجهم من المحاضرة: لقد أصبح الشيخ عبد العزيز تلميذاً للبنا!!

2- متابعته الدقيقة للأخبار وتفاعله معها:

قد كان الشيخ مداوماً على متابعة الأخبار على وجه يوميّ، وهذا لا شك ينمي الجوانب الثقافية في شخصية الشيخ، وهذا أحد المتابعين لحياة الشيخ يقول: " سماحته يتلقى تقريراً يومياً من وكالة الأنباء السعودية يحتوي على أهم الأحداث إجمالاً وتفصيلاً.

وفي مداومته يومياً على سماع الأخبار ردٌّ على كثير من المشايخ والصالحين الذين لا يكادون يسمعون الأخبار العالمية ولا يتابعونها، بل يلمزون من يصنع هذا بدعوى ضياع الزمان والاشتغال بما لا ينفع، فنتج من جراّء ذلك الإهمال أن صاروا في واد وأحداث العالم في واد آخر، ولم يكن الشيخ -رحمه الله تعالى- كذلك ولا كان من أولئك القوم المنعزلين.

وبعض الناس يلمز المتابعين للأخبار على هذا الوجه بأنهم من أهل فقه الواقع!! وكأن فقه الواقع ليس مطلوباً، أو كأنه عيب من العيوب التي ينبغي الفرار منها وعدم التلبس بها.

وإذا ضممنا إلى صنيع الشيخ ما ذكرته سابقاً من الرسائل الكثيرة التي كانت تصله من العالم الإسلامي وتعرفه بحال المسلمين، وإذا ضممنا إلى هذا أيضاً الوفود الكثيرة التي كانت تفد إليه وتخبره عن تفاصيل الأمور ودقائقها، وإذا ضممنا هذا كله بعضه إلى بعض اتضح لنا جلياً أن الشيخ لم يعش بمعزل عن أحداث العصر، وما كان شيء من مهمات الأخبار يفوته في الجملة، رحمه الله تعالى، وقد كان يتعامل مع هذه الأخبار بإيجابية فيحزن لما فيها من المحزنات، ويحاول حل ما استطاع حله من المشكلات، وهكذا ينبغي أن يكون صنيع من يتابع الأخبار من العلماء والدعاة.

3 – موقفه الجيد من الجماعات الإسلامية الحركية وغير الحركية:

وقد كان للشيخ موقف جيد مشجع للجماعات الإسلامية مما يدل على أن له فكراً معتدلاً، وحسن اطلاع وتصور، فها هو يقول: " وما هذه الحركات الإسلامية التي تنبع من الشباب في كل بلد إسلامي إلاّ عودة جديدة لدين الإسلام ".

وقال أيضاً متحدثاً عن الصحوة حديثاً إيجابياً بينما بعض أقرانه ينكر حتى اسم الصحوة: "هذه الصحوة التي تسر كل مؤمن -ويصح أن تسمى حركة إسلامية، وتجديداً إسلامياً، ونشاطاً إسلامياً- يجب أن تشجع، وأن توجه إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، وأن يحذر قادتها وأفرادها من الغلو والإفراط ".

وقال أيضاً رحمه الله: " يجب على الدعاة إلى الله أن يستغلوا هذه الحركة الإسلامية بالتعاون مع القائمين عليها والمذاكرة معهم، والحرص على إزالة الشبه التي قد تعرض لبعضهم ".

أ- موقفه من جماعة التبليغ:

كان للشيخ موقف من جماعة التبليغ يدل على فكر معتدل منضبط بضوابط الشريعة، فقد حاول أحد المشايخ النيل منهم فنصحه الشيخ ووعظه وطلب منه الكف، فلما تكرر منه هذا قال له مبيناً فساد طريقته التي سلكها: " ولا أكتمك سراً إذا قلت إني لم أرتح لها ولم ينشرح لها صدري، لأن هذه الطريقة التي سلكت لا تفيد الدعوة شيئاً لأنها تهدم ولا تبني، وتفسد ولا تصلح، وضَرُّها أقرب من نفعها، ولم يعد ضررها إلا على الدعوة وعلى إخوانك في الله من خيرة المشايخ وطلبة العلم الذين نشأوا على التوحيد والعقيدة الصحيحة علماً وتعليماً ودعوة وإرشاداً.

وقد استغلها من لا بصيرة له في مناصبتهم العداء وتكفير بعضهم لهم واستباحة بعضهم دماءهم والعياذ بالله، مع الوشاية بهم واستعداء المسؤولين عليهم وتهويل أمرهم عندهم وتخويفهم منهم ورميهم بالعظائم وإلصاق التهم بهم مما هم برآء منه حتى حصل على الدعوة والدعاة من الضرر ما الله به عليم، أما من أقمتم الدنيا وأقعدتموها من أجلهم فينطبق عليكم قول الشاعر:

وناطح صخرةً يوماً ليوهنها *** فلم يَضرها وأوهى قرنه الوَعلُ

لكونهم بمنأى عنكم في بلادهم سائرين في دعوتهم في حماية من دولتهم لاحترامها لهم لأنك ذكرت في كتاباتك لنا أن رئيس الحكومة يحضر اجتماعاتهم ويشجعهم، كما ذكر لنا هذه الأيام بعض أبنائنا المتخرجين من كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية ممن شاركهم في الدعوة سنين طويلة أن مركزهم في رايوند مفتوح أربعة وعشرين ساعة، وجماعات تخرج في سبيل الله وجماعات ترجع، فما دام الأمر هكذا فلن تخضعهم كتابات أمثالك المشتملة على الفظاظة والغلظة والسب والشتم بل إن هذه الكتابات ستكون سبباً في نفرتهم من الحق وبعدهم عنه لقول الله سبحانه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم الذي أدَّبه ربه فأحسن تأديبه:

(فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله " "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه " " إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ولا على ما سواه ".

والله سبحانه نهى عن سب الكفار إذا كان يفضي إلى سب الله فكيف بسب المسلمين إذا كان يفضي إلى تنفيرهم من الحق وبُعدهم عنه وعن الداعين إليه، فالواجب أن تسعوا في الإصلاح لا في الإفساد، وأن تخالطوهم وتنهوهم على ما قد يقع من بعضهم من الخطأ بالرفق واللين لا بالعنف والقسوة.

أما تشديدك في إنكار البيعة على التوبة فقد اقترحت على قادتهم -لما اجتمعت بهم في موسم الحج الماضي بمكة وحصل بيني وبينهم من التفاهم ما نرجو فيه الفائدة- أن يكون عهداً بدل بيعة فقبلوا ذلك، ولعلهم تعلَّقوا بما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (الجزء 28- ص12 ) من الفتاوى من عدم إنكار ذلك.

وكذلك تشديدك النكير عليهم في إبقائهم أحد الدعاة في المسجد للدعاء لهم، ولعل قصدهم الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم حين بقي في العريش يوم بدر مع الصدَّيق يناشد ربه النصر حتى سقط رداؤه عن منكبيه فردّه الصدّيق وقال: يا رسول الله: بعضَ مناشدتك ربك فإن الله منجز لك ما يعدك.

ولا يوجب هذا العمل هذا التشنيع الفظيع هدانا الله وإياك، وقد تمنيت أنك قبلت نصيحتي المتكررة لك وما أشرت به عليك سابقاً ولاحقاً في كتبي المرفق بعضها مع بعض صور ما صدر منك في الموضوع لأني كتبتها عن بصيرة وتأنٍّ ونظر في العواقب وموازنة بين جلب المصالح ودفع المضار وخبرة تامة بهم لتكرر اجتماعي بهم في مكة والمدينة والرياض مع ما استفدته من ثقات المشايخ الذين سافروا إليهم وحضروا اجتماعاتهم واطلعوا عليها عن كَثب وأعجبوا بها، وكنتُ نصحتك بما نصحتَ به… لما تهجم عليهم على غير بصيرة كحال أكثر من شنّ عليهم الغارة في هذا الوقت بدافع الجهل والهوى نعوذ بالله من ذلك، وقد قلت في رسالتك المذكورة…: " وصلتني رسالة منك حول جماعة التبليغ، ويؤسفني أن ينهج أحد الدعاة إلى الله هذا المنهج المسيء لشرع الله في سب أقرانه في الدعوة إلى الله وشتمهم وتضليلهم واتهامهم بتنفيذ مخططات أعداء الله في الكيد للإسلام والمسلمين، كل ما في الأمر أن جماعة التبليغ نهجت في الدعوة إلى الله منهجاً أخطأت -فيما نرى- في بعض جوانب منه ونرى من الواجب أن ننبههم على هذا الخطأ، كما نرى من الواجب الاعتراف بما في منهجهم من صواب، وليت أخي يخرج معهم ليتعلم منهم اللين بدل القسوة، والدعاء للمسلمين بدل الدعاء عليهم، والجدل بالتي هي أحسن بدل الجهر بالسوء، وكلنا محتاج لتفّقد نفسه وتصحيح منهجه والرجوع إلى الله وإلى سنّة رسوله في طاعة الله والدعوة إلى الله ".

انتهى كتابك بحروفه، وقد كتبتَه بعد اختلافك معهم في الرأي, ولكن الله أنطقك بالحق والحمد لله على ذلك.

وإليك رسالتك المذكورة مع شكرنا لك عليها برَفقه، وربما اغتر َّ بكتاباتك القاسية -ثقةً بك- مَن لم يخالطهم في عمره ولم يخرج معهم ولم يعرف عنهم شيئاً إلا من كلامك فيكون عليك وزرك ومثل أوزار مَن انخدع بما كتبت إلى يوم القيامة.

" فاتهم الرأي يا بني ! واعلم أن الله عند لسان كل قائل وقلبه، وأن الله سيحاسب الإنسان عما يلفظ به أو يعمله، والجأ إلى ربك واضرع إليه أن لا يجعلك سبباً في الصدَّ عن سبيله وأذية المسلمين، وأسأل الله عزّ وجل أن يشرح صدرك لما هو الأحب إليه والأنفع لعباده، وأن يختم لي ولك وللمسلمين بالخاتمة الحسنة إنه جواد كريم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته " الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ".

وهذا الكلام يدل على اعتدال فكري جيد، وفقه للموازنة متميز، والله أعلم..

ب‌- موقفه المعتدل من المتصوفة:

كان للشيخ – رحمه الله تعالى – موقف من الصوفية معتدل جيدٌ، فهو يرد على بدع الصوفية، ويفند أقوالهم، ويزنها بميزان الشرع المطهر لا بميزان العاطفة الذي يسرف في استعماله كثير من الصوفية، لكنه مع ذلك لم يكن يقبل التعميم في الحكم عليهم كما وقع لكثير من العلماء المعاصرين، ولا يضلل إلا من ثبت عنده ضلاله.

وأذكر هاهنا أني اجتمعت به في مكة قبل وفاته بسنتين تقريباً -فيما أذكر- في مجلس خاص، وقلت له يا شيخ عبد العزيز: قد سمعت في برنامج " نور على الدرب " أحد العلماء الأفاضل يسرف في التشنيع على الصوفية، ويبدعهم جميعهم، ويأمر بإتلاف جميع كتبهم؛ فلماذا هذا التعميم؟ ولماذا لا نذهب فيهم إلى ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث ذكر كلاماً حاصله أنهم طائفة من المسلمين فيهم خير وفيهم شر، فيحمد ما عندهم من خير ويذمّ ما فيهم من شر وضلال، فقال لي رحمه الله تعالى: هذا رأيي، هذا رأيي.

وهذا موقف معتدل منه رحمه الله تعالى خالف فيه كثيراً من علماء عصره، وهو يدل على جودة في التفكير، وحسن اطلاع، وورع في إطلاق الأحكام.

ج- موقفه المعتدل من الحركات الإسلامية عموماً:

كان للشيخ موقف من الحركات الإسلامية العاملة ينم عن اعتدال فكري كبير، وقد قال في إحدى مقالاته بعنوان: " الحركات الإسلامية ودور الشباب فيها ": " وما هذه الحركات الإسلامية التي تنبع من الشباب في كل بلد إسلامي إلا عودة جديدة لدين الإسلام الذي تريح أوامره وشرائعه النفوس، وتتجاوب مع متطلبات المجتمعات في كل عصر ومكان…

وهذه الحركات كان للشباب فيها دور كبير وأفعال مؤثرة، تدعو للتبصر والمؤازرة، إلا أن بعضها -وخاصة في بعض الدول الإسلامية- قد تعرض للكبت والمضايقة والاضطهاد والملاحقة. وبعضها استمر في أداء الدور الذي تنادى به تعاليم الإسلام في سبيل الدعوة والاهتمام بتبصير المسلمين عما جد في حياتهم ولا يسير وفق منهج الإسلام.

وقد كان لهذا النوع -وما زال- أثر طيب بحمد الله في إصلاح أوساط الشباب، وإقامة الكثير من المجتمعات على جادة الحق والهدى، في داخل العالم الإسلامي وخارجه عن طريق الكتاب الإسلامي، والمنبر، والمحاضرات، والمخيمات والمعسكرات الإسلامية التي يلتقي المسلمون فيها عدة أقطار، فيتذكرون علوم دينهم، ومشكلات مجتمعهم، ويتفهمون الواقع من حولهم ويعملون بقول الله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ).

وهذه فتوى للشيخ تدل على اعتدال فكري جيد، وموضوعها نفي علاقة الجماعات الإسلامية الحركية وغير الحركية بالفرق الضالة، حيث سأله سائل: يا شيخنا الكريم الذي يقول بأن هذه الجماعات الإسلامية من الفرق التي تدعو إلى جهنم والتي أمر النبي باعتزالها؟

ابن باز: " الذي يدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ليس من الفرق الضالة، الفرقة الناجية هم أهل الحق وهم دعاة الهدى، ولو تفرقوا في البلاد يكون منهم في الشام، يكون منهم في أمريكا، يكون منهم في مصر، يكون منهم في أفريقيا، يكون منهم في آسيا، هم جماعات كثيرة المقصود هدفهم ما هو؟ وعقيدتهم ما هي؟ فإذا كانوا على طريقة التوحيد والإيمان باللّه ورسوله والاستقامة على دين الله الذي جاء به الكتاب وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هم أهل السنة والجماعة وإن كانوا في جهات كثيرة لكن في آخر الزمان قد يقلون جداً.

فالحاصل أن الضابط ما داموا على الحق، فإذا وجد إنسان أو جماعة تدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتدعو إلى توحيد الله واتباع شريعته هؤلاء هم الجماعة هم الفرق الناجية، وأما من دعا إلى غير كتاب الله أو إلى غير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ليس من الجماعة بل من الفرق الضالة الهالكة.

وإنما الفرقة الناجية دعاة الكتاب والسنة إن كانت منهم جماعة هنا وجماعة هنا مادام الهدف والعقيدة واحدة فلا يضر كون هذه تسمى أنصار السنة وهذه تسمى الإخوان المسلمين، وهذه تسمى كذا، المهم عقيدتهم وعملهم فإذا استقاموا على الحق وعلى توحيد الله والإخلاص له واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً وعقيدة فالأسماء لا تضرهم، لكن عليهم أن يتقوا الله وأن يصدقوا في ذلك، وإذا تسمى بعضهم بأنصار السنة وتسمى بعضهم بجماعة كذا وجماعة كذا لا يضره إذا جاء الصدق حصل الصدق باتباع الكتاب والسنة وتحكيمها والاستقامة عليها قولاً وعملاً.

وإذا أخطأت الجماعة في شيء تُنبه، إذا أخطأت أي جماعة في أمر من أمور الدين ينبهها الآخرون ولا نتركهم، لا بد أن نتعاون على البر والتقوى إذا أخطأوا ننبههم، فإذا أخطأوا في شيء مما يتعلق بالعقيدة أو بما أوجب الله أو ما حرم الله نُبهوا بالأدلة الشريعة بالرفق والحكمة والأسلوب الحسن حتى ينصاعوا للحق وحتى يقبلوه وحتى لا ينفروا منه، هذا هو الواجب، على أهل الإسلام أن يتعاونوا على البر والتقوى وأن يتناصحوا فيما بينهم وألا يتخاذلوا فيطمع فيهم العدو "، وهذه فتوى في غاية من الاعتدال وفقه الواقع.

وهناك فتوى أخرى أيضاً ونص سؤالها: يتساءل كثير من شباب الإسلام عن حكم الانتماء للجماعات الإسلامية، والالتزام بمنهج جماعة معينة دون سواها؟

وأجاب عنها الشيخ بما يلي: " الواجب على كل إنسان أن يلتزم بالحق، قال الله عز وجل، وقال رسول الله عليه وسلم، وألا يلتزم بمنهج أي جماعة لا إخوان مسلمين ولا أنصار سنة ولا غيرهم، ولكن يلتزم بالحق، وإذا انتسب إلى أنصار السنة وساعدهم في الحق، أو إلى الإخوان المسلمين ووافقهم على الحق من دون غلو ولا تفريط فلا بأس.

أما أن يلزم قولهم ولا يحيد عنه فهذا لا يجوز، وعليه أن يدور مع الحق حيث دار، إن كان الحق مع الإخوان المسلمين أخذ به، وإن كان مع أنصار السنة أخذ به، وإن كان مع غيرهم أخذ به، يدور مع الحق، يعين الجماعات الأخرى في الحق، ولكن لا يلتزم بمذهب معين لا يحيد عنه ولو كان باطلاً، ولو كان غلطاً، فهذا منكر، وهذا لا يجوز، ولكن مع الجماعة في كل حق، وليس معهم فيما أخطأوا فيه.

4 – موقفه الجيد من المشاركة في الأحزاب الإسلامية وغير الإسلامية:

قد كان للشيخ موقف من الأحزاب السياسية المعاصرة حسن جيد يدل على اعتدال كبير فكري وثقافي، فقد كان يشجع على الانخراط فيها لمن كان قادراً على التأثير، وله فتوى يوم كان رئيساً للجنة الدائمة للإفتاء مهمة جداً، ومنبع أهميتها أنها بشأن الانتساب للأحزاب غير الإسلامية، وقد وافق الشيخ على الانتساب لها إن كان المسلم يظن أنه سيؤثر تأثيراً حسناً، فكيف بالأحزاب الإسلامية إذاً !!

وهذا الموقف سبق فيه بعض رموز العلم والدعوة الذين يحرّمون الانتساب إلى الأحزاب الإسلامية فكيف بالانتساب لغيرها، ويحرمون المشاركة في البرلمانات تبعاً لذلك أو استقلالاً، فهذه الفتوى موفقة ومناسبة لحد بعيد لمتطلبات العصر، ونص السؤال هو: بعض الناس مسلمون ولكنهم ينخرطون في الأحزاب السياسية، ومن بين الأحزاب إما تابع لروسيا أو تابع لأمريكا، وهذه الأحزاب متفرعة وكثيرة؛ أمثال: حزب التقدم والاشتراكية، حزب الاستقلال، حزب الأحرار، حزب الأمة، حزب الشبيبة الاستقلالية، حزب الديمقراطية.. إلى غيرها من الأحزاب التي تتقارب فيما بينها، ما هو موقف الإسلام من هذه الأحزاب، ومن المسلم الذي ينخرط في هذه الأحزاب، هل إسلامه صحيح؟

الجواب: "من كان لديه بصيرة في الإسلام وقوة إيمان وحصانة إسلامية وبُعد نظر في العواقب وفصاحة لسان، ويقوى مع ذلك على أن يؤثر في مجرى الحزب، فيوجهه توجيهاً إسلامياً فله أن يخالط هذه الأحزاب، أو يخالط أرجاهم لقبول الحق؛ عسى أن ينفع الله به، ويهدي على يديه من يشاء فيترك تيار السياسات المنحرفة إلى سياسة شرعية عادلة ينتظم بها شمل الأمة، فتسلك قصد السبيل والصراط المستقيم، لكن لا يلتزم مبادئهم المنحرفة، ومن ليس عنده ذلك الإيمان ولا تلك الحصانة ويخشى عليه أن يتأثر ولا يؤثر فليعتزل تلك الأحزاب اتقاء للفتنة ومحافظة على دينه أن يصيبه منه ما أصابهم، ويبتلى بما ابتلوا به من الانحراف والفساد.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ".

5- دفاعه عن الدعاة والمفكرين:

وهذا بارز وواضح في حياة الشيخ، فالدعاة والمفكرون والمثقفون قريبون منه وهو لهم محب، مدافع عنهم، ويشعر بمصابهم، وهذا -أي محبة الدعاة والمدافعة عنهم- أيضاً يدل على اعتدال فكري جيد، واسمع إلى قول الشيخ محمد الموسى الملازم للشيخ ابن باز رحمه الله تعالى: " عندما أصدرت محكمة البغي قرارها بإعدام سيد قطب وإخوانه اعترى الشيخ ما يعتري كل مؤمن من الغم في مثل هذه النازلة، التي لا تستهدف حياة البرآء المحكومين بقدر ما تستهدف الإضعاف من منزلة الإسلام نفسه بإرهاب المعتصمين به لتخذيلهم عنه.

وكلفني الشيخ يومئذ صياغة البرقية المناسبة لهذا الموقف فكتبتها بقلم يقطر ناراً وكرهاً وغيرة، وجئته به وملئي اليقين بأنه سيدخل على لهجتها من التعديل ما يجعلها أقرب إلى لغة المسؤولين منها إلى لغة المنذرين، ولكنه حطم كل توقعاتي حين أقرها جميعاً، ولم يكتف حتى أضاف إليها قول الله تعالى في سورة النساء: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً ) (النساء:93).

وأرسلت يومئذ البرقية التي كانت -فيما أظن- الوحيدة من أنحاء العالم الإسلامي بهذه المناسبة بما تحمله من عبارات أشد على الطغاة من لذع السياط ".

وقد كان من المعروف من الشيخ رحمه الله تعالى أنه لم يكن يقبل أن يطعن أحد في الدعاة والصالحين وهو حاضر سامع، وهناك موقف جيد له مع الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى -على ما بينهما من اختلاف في المنهج وطريقه التناول- حيث زاره الشيخ الغزالي يوماً في بيته، وهذا مرافق الشيخ يقص ما جرى: لما قدم الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله تعالى- إلى الرياض، لاستلام جائزته المقدمة من لجنة جائزة الملك فيصل العالمية زار سماحة الشيخ في منزله.

وكانت في ذلك الوقت ضجة حول كتاب الشيخ الغزالي: " السنة النبوية بين أهل الفقه، وأهل الحديث " وقد قرئ ذلك الكتاب على سماحة الشيخ، فلما زاره الغزالي احتفى به، وأكرمه ولاطفه، وسأله عن الدعوة في الجزائر، وعن حاجتهم، وأخبره بأنه على أتم الاستعداد لدعمهم، وكان الشيخ الغزالي آنذاك رئيساً لجامعة في الجزائر.

وكان مجلس سماحته -كالعادة- عامراً بالزائرين، والسائلين، والمحتاجين، والضيوف، وكان الهاتف لا يتوقف رنينه، وكان كُتَّاب سماحته حوله يقرؤون، وهكذا.

وكلما سنحت لسماحته فرصة التفت إلى الشيخ الغزالي وحيّاه ولاطفه، فأعجِبَ الشيخ الغزالي بما رأى، وكان ذلك بادياً عليه.

وفي تلك الأثناء قال سماحته للشيخ الغزالي: لقد قرأت كتابكم المذكور، ولا يخفى عليكم أن البشر عرضة للخطأ، ونحن وغيرنا عرضة لذلك، وقد قرأت شيئاً من كتابكم، وعليه بعض الملحوظات.

فقال الشيخ الغزالي: أنا يسعدني أن تكملوا قراءته، وأن توافوني بما تلاحظونه، وأنا إن شاء الله أصلحه، وذكر كلاماً نحو هذا.

وبينما كان سماحة الشيخ يرد على مكالمة هاتفية دار حديث بين الشيخ الغزالي وبين أحد المشايخ الحاضرين وهو الشيخ خير الدين وانلي من سوريا، فقال الشيخ خير الدين: أنتم قلتم: كذا وكذا، فانقض الغزالي عليه: واشتد النقاش، ولما سمع سماحته كلامهما التفت إلى الغزالي وقال: ماذا عندكم؟ قال: كذا وكذا.

فخاطبهما جميعاً بأن هذه المسائل ينبغي أن توضع في إطارها، وأن نحرص كل الحرص على جمع كلمتنا والبعد عن الخلاف، فنحن أمام أمور كبار تتعلق بأصول المسائل، وسكّن من غضبهما وانتهى الجدال.

وكان الشيخ الغزالي مدعواً للغداء، ولكنه تأخر على من دعاه، وجلس عند سماحة الشيخ، وتناول معه الغداء، ولما هم بالخروج ألقى نظرة على سماحة الشيخ وقال: نحن بخير مادام فينا هذا الرجل.

وبلغني أنه لما وصل إلى من دعاه قالوا له: لماذا تأخرت؟ قال: كنا في عالم ثان! وهذا الذي حصل من الشيخ رحمه الله تعالى يدل على اعتدال فكري كبير، ولاشك.

6 – اعتداله في مسائل الخلاف الفقهي:

كان للشيخ موقف جيد وسط في قضايا الخلاف الفقهي، وخلاصته أنه يذهب فيها إلى الحق الذي لا يعتقد غيره، ولكنه يعذر المخالف ولا يسفهه، وهذا يدل على اعتدال فكري جيد.

فها هو يقول متحدثاً عن مسألة فقهية خلافية في شأن الصلاة والإرسال والقبض بعد الركوع فيه: " لا ينبغي لأحد من المسلمين أن يتخذ من الخلاف في هذه المسألة وأشباهها وسيلة إلى النزاع والتهاجر والفرقة فإن ذلك لا يجوز للمسلمين… الواجب على الجميع بذل الجهود في التعاون على البر والتقوى وإيضاح الحق بدليله، والحرص على صفاء القلوب وسلامتها من الغل والحقد من بعضهم على بعض.

كما أن الواجب الحذر من أسباب الفرقة والتهاجر…الواجب على الجميع التناصح والتفاهم في معرفة الحق بدليله مع بقاء المحبة والصفاء والأخوة الإيمانية، فقد كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم -رضي الله عنهم- والعلماء بعدهم، رحمهم الله، يختلفون في المسائل الفرعية ولا يوجب ذلك بينهم فرقة ولا تهاجراً، لأن هدف كل واحد منهم هو معرفة الحق بدليله، فمتى ظهر لهم اجتمعوا عليه، ومتى خفي على بعضهم لم يضلل أخاه، ولم يوجب له ذلك هجره ومقاطعته ".

وهذا الكلام قريب من كلام الأستاذ البنا رحمه الله حيث قال في الأصل السابع من الأصول العشرين التي وضعها ليضبط بها الفهم في مسائل من الشريعة عظيمة، قال رحمه الله تعالى: "ولكل مسلم لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الفرعية أن يتبع إماماً من أئمة الدين، ويحسن به مع هذا الاتباع أن يجتهد ما استطاع في تعرف أدلة إمامه، وأن يتقبل كل إرشاد مصحوب بالدليل متى صح عنده صدق من أرشده وكفايته، وأن يستكمل نقصه العلمي -إن كان من أهل العلم- حتى يبلغ درجة النظر ".

وقال الأستاذ البنا رحمه الله تعالى في الأصل الثامن: " والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سبباً للتفرق في الدين، ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء، ولكل مجتهد أجره، ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب ".

أرأيت إلى كلام هذين الإمامين كيف خرج من مشكاة واحدة، مشكاة الاعتدال الفكري الكبير، والاهتمام العظيم بالأخوة الإسلامية وتقديمها على ما يمكن أن يحل بالساحة الإسلامية من خلاف وتفرق بشأن فروع المسائل، والله أعلم.

وقال أيضاً متحدثاً عن الأناشيد الإسلامية: " إذا كانت سليمة ليس فيها إلا الدعوة إلى الخير والتذكير بالخير وطاعة الله ورسوله، والدعوة إلى حماية الأوطان من كيد الأعداء، والاستعداد للأعداء ونحو ذلك فليس فيها شيء، إما إذا كان فيها غير ذلك من دعوة إلى المعاصي واختلاط النساء بالرجال، أو تكشفهن عندهم، أو أي فساد كان فلا يجوز استماعها "، وهذا توسط يدل على جودة الفكر واعتداله.

وقال عن التلفاز: " أما التلفزيون فآلة لا يتعلق بها في نفسها حكم، وإنما يتعلق الحكم باستعمالها، فإن استعملت في محرم فذلك حرام، وإن استعمل في الخير… فذلك جائز، وإن استعمل فيهما فالحكم التحريم إن تساوى الأمران أو غلب جانب الشر فيه "، وهذه فتوى معتدلة أيضاً إلى حد كبير.

7 – استشهاده ببعض أقول الغربيين واطلاعه على كلامهم:

كان للشيخ رد على قضية اختلاط المرأة بالرجل والفساد الحاصل من التساهل في مثل هذا، وقد استشهد في رده بالكاتبة الإنجليزية الليدي كوك، واستشهد بكلام شوبنهور الألماني، وبكلام اللورد بيرون، وبقول سامويل سمايلس الإنجليزي، وبكلام الدكتورة أيد إلين، وبقول عضوين من الكونجرس الأمريكي، وكل هذه الأقوال لهؤلاء تشجع على منع الاختلاط ووجوب إشغال المرأة بما هو مناسب لطبيعتها وفطرتها.

واستفادته من كلام هؤلاء يدل على اطلاع جيد، ومشاركة ثقافية مناسبة، وأخذ الجيد النافع من كلام الناس وإن كانوا كافرين، وهذا أيضاً يدل على اعتدال فكري وجودة في منهج التلقي، وقد سبق أقرانه في هذا الأمر وتجاوزهم.

8- اطلاعه على ما يجري في العالم من كيد للإسلام وإساءة له وللمسلمين:

كان للشيخ اطلاع حسن واسع على المكائد التي تواجه المسلمين وتفت في عضدهم، وكان له مشاركة في الرد على ذلك وإظهار الحق، فمن ذلك:

رده على ما يجري في التلفزيون السويسري من إظهار للإسلام والمسلمين في مصر بصورة سيئة.

وكذلك رده على ما يجري في مؤتمر بكين من مناقضة الشريعة الإسلامية في عدد من جوانبه، ونشر الإباحية، وهتك للحرمات، وتخريب للمجتمعات إلخ.

وهذا الاطلاع وتلك المشاركة يدلان على اهتمام فكري ثقافي، ومتابعة دقيقة لما يجري في الساحة الإسلامية والساحة العالمية، ويدلان أيضاً على اعتدال في التصور مستقىً من منهج جيد إيجابي في تلقي الأخبار والتعامل مع كل خبر بما يناسبه.

9 – اهتمامه الكبير بالمسلمين أينما كانوا واطلاعه على أخبارهم:

وهذا القول -وإن كان فيه جزم مبالغ فيه ونوع من التجاوز من مثل الشيخ الأمين- يدل على اهتمام الشيخ الكبير بحال المسلمين، وهذا الاهتمام وتلك المتابعة الكبيرة أورثاه ثراء لا بأس به في الناحيتين الفكرية والثقافية، وقد سبق ذكر جوانب من هذا الاهتمام والاطلاع مثل متابعته الأخبار، وتلقيه الرسائل، واستقباله الوفود إلخ ".

  

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات