طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الأحـداث التاريخية > شخصيات تاريخية > المبحث الأول: العوامل التي ساعدت على تكوين شخصية الشيخ الفكرية والثقافية

ملتقى الخطباء

(2٬493)
1076

المبحث الأول: العوامل التي ساعدت على تكوين شخصية الشيخ الفكرية والثقافية

تاريخ النشر : 1431/08/07
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

 

إذا أردنا فهم أو معرفة الجوانب الفكرية والثقافية في حياة الشيخ رحمه الله تعالى والعوامل التي رسختها فلا بد من أن نطّلع على تعريف الفكر والثقافة.

أما الفكر فعرفه بعضهم بأنه: إعمال العقل في المعلوم للوصول إلى معرفة مجهول، وفَكَر في الأمر فَكراً أعمل العقل فيه، ورتب بعض ما يعلم ليصل به إلى مجهول، وأفكر في الأمر: فَكَر فيه فهو مُفكَّر.

وفكر في الأمر: مبالغة في فكر، وهو أشيع في الاستعمال من فكر، وفكّر في المشكلة: أعمل عقله فيها ليتوصل إلى حلها فهو مفكر.

وعلى هذا فإن مثل الشيخ في علمه وفقهه وفهمه وذكائه ونباهته لا يخلو من أن يكون مفكراً، ولا يمكن أن تسلب منه هذه الصفة تحت أي دعوى مهما كانت.

أما الثقافة فقد اختلف في تعريفها كبار المفكرين والمنظرين، ولم يهتدوا إلى تعريف جامع لها بعد، لكن من التعريفات لها: "العلوم والثقافة والفنون التي يُطلب الحِذق فيها ".

هي أسلوب الحياة السائد في مجتمع ما، وهذا الأسلوب إنما هو ثمرة الصفات الخلقية، والقيم الاجتماعية، والمبادئ الروحية، والأصول العقائدية؛ فالثقافة على ذلك هي المحيط الذي يشكل طباع الفرد وشخصيته.

والثقافة الإسلامية هي التي يبني الإسلام فيها عقيدة الأمة وأخلاقها وطرائق حياتها في السلوك والاقتصاد والسياسة والاجتماع والتشريع، والثقافات الأخرى العالمية تختلف طريقة وعوامل بنائها من أمة إلى أخرى.

وهناك ضبط لطيف للثقافة -وإن كان لا يصلح تعريفاً لها- وهو: (تعلم شيئاً عن كل شيء لتكون مثقفاً، وتعلم كل شيء عن شيء لتكون عالماً).

إذاً الثقافة تتطلب كثرة القراءة وتنوعها، وسعة الإطلاع وعمقه -أحياناً- والأخذ من كل شيء بطرف، وليست بالضرورة مرتبطة بالتعمق في دراسة علم من العلوم.

والشيخ -رحمه الله- لا أدعي له الثقافة الشاملة بهذا المعنى، لكني أجزم أنه كان محيطاً ببعض جوانبها، لا تفوته جملةً كما يدعي ذلك من يدعيه.

العوامل التي ساعدت على تكوين الشخصية الفكرية الثقافية عند الشيخ:

أولاُ: الاستعداد الشخصي من ذكاء ونباهة:

وهذا أمر متواتر ومشهور يعلمه الكثير عن الشيخ.

ثانياً: حياته الطويلة المباركة:

حيث عاش قرابة تسعين سنة، وهذا له أثر لا ينكر في اطلاع الشيخ على كثير جداً من الأحداث والأخبار العالمية، والاستفادة من كل ذلك في بناء شخصيته الثقافية والفكرية.

ثالثاُ: معاصرته لتكون عدد من الحركات الإسلامية والجماعات الدعوية:

امتد عمر الشيخ وطالت حياته المباركة، لذا فإنه قد عاصر تكوّن عدد من الحركات الإسلامية والجماعات الدعوية داخل البلاد وخارجها، واختلط بأفرادها وقادتها، وصار عنده تصور واضح -تقريباً- لأهدافها وطرائق عملها، وكل ذلك طبع شخصيته الفكرية والثقافية بطابع متنوع مهم، خاصة أن بعض هذه الحركات قد اشتهر بعنايته الكبيرة بالثقافة والفكر.

رابعاً: معاصرته الفورةَ الكبيرة لحركات ومذاهب هدامة:

مثل الشيوعية، والبعثية، والقومية العربية الغالية، والناصرية، وهذا لاشك أنه طبع شخصيته الفكرية والثقافية بطابع ما، وأتاح له الاطلاع على جوانب كثيرة من منهاج تلك الحركات البائدة حينما كانت متغلغلة سائدة.

خامساً: الصلات المتميزة بقادة المجاهدين في العالم الإسلامي:

وهذا أمر مشهور معلوم في حياة الشيخ، فما من حركة جهادية -تقريباً- إلا وللشيخ صلة بها، ومن الأمثلة على ذلك:

الصلات المتميزة بالمجاهدين الأفغان يوم كانوا يجاهدون الروس، وقد كان يرسل لهم الرسائل ويوجههم، ويحث أئمة البلاد على القنوت والدعاء لهم، وقد حاول إصلاح الخلاف بين الشيخ جميل الرحمن -رحمه الله- وبين سائر مشايخ الجهاد، وله جهود مشكورة في هذا الباب.

سادساً: الرسائل الكثيرة التي كانت تأتيه من العالم الإسلامي:

قد كانت رسائل كثيرة ترد على الشيخ من شتى أنحاء العالم الإسلامي، وتعرفه بكثير من الأوضاع، وتنقل إليه مآسي المسلمين ومشكلاتهم، وهذا لا شك يثري فكر الشيخ ويعمق فهمه وثقافته الإسلامية، فإن علمنا أن الشيخ شارك في حل عدد من تلك المشكلات وخفف من شدتها على الناس تيقنا أن الشيخ انتقل بالفكر والثقافة من طور المعرفة إلى طول العمل، وهذه هي الثمرة المطلوبة من المعرفة الفكرية والثقافية.

سابعاً: خلطته مع عدد من الدعاة والمثقفين والمفكرين:

كان للشيخ -رحمه الله تعالى- صلة جيدة بعدد من الدعاة والمثقفين والمفكرين داخل البلاد من السعوديين وغير السعوديين، ومن تلك الصلات على سبيل المثال:

1- صلته بعدد من الدعاة والمفكرين والمثقفين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة منذ الثمانينات الهجرية -أي الستينات الميلادية- وكان هؤلاء موضع ثقته وتقديره.

وقد أخبرني الشيخ الفاضل الدكتور عبد الله القادري الأهدل -وهو ممن عاش في المدينة منذ سنة 1382 للهجرة، وكان له صلة جيدة بالشيخ ابن باز في الجامعة الإسلامية- أن الشيخ عبد العزيز بن باز كانت له صلات جيدة مع بعض الدعاة والمفكرين والمثقفين الذين وفدوا للبلاد في حقبة الثمانيات الهجرية، وعاشوا في المدينة المنورة النبوية، ومنهم الشيخ سعيد حوى، والشيخ محمد الوكيل رحمهما الله تعالى، والأستاذ الدكتور أحمد حسن فرحات، وهؤلاء تركوا بصماتهم على فكر الشيخ وثقافته.

2- كان للشيخ مجلس أسبوعي في الرياض يضم نخبة من الدعاة والمثقفين والمفكرين السعوديين الذين كانوا يطلعونه على كثير من القضايا، ويستشيرونه فيها، ويرجعون إلى رأيه تارةً ويرجع إلى رأيهم تارة أخرى.

وهذه الخلطة ساهمت بلا شك في صياغة فكر الشيخ وثقافته.

ثامناً: الوفود التي تفد عليه في المواسم وغيرها:

كانت وفود من العلماء والدعاة والمثقفين والمفكرين ترد على الشيخ في المواسم في مكة، وفي الصيف في الطائف، وسائر السنة في الرياض، وكانت هذه الوفود تحمل معها هماً متنوعاً وقضايا كثيرة ساهمت في تبيان كثير من الأمور للشيخ، وتعريفه بها، وأوقفته على عدد من الحقائق الفكرية والثقافية في شتى أنحاء العالم الإسلامي.

وقد أخبرني الشيخ القادري الذي كان مسؤولاً عن الإشراف الاجتماعي في الجامعة الإسلامية أن الجامعة -يوم كان الشيخ ابن باز نائباً لرئيسها ثم رئيساً لها- كانت ملتقى لكبار مشايخ العالم الإسلامي ومفكريه وسياسييه يوم كانوا يزورون المدينة، وكان الشيخ يستقبلهم جميعاً تقريباً، ويتذاكر معهم أحوال العالم الإسلامي، ويحتفي بهم؛ فمن المشايخ الذين وفدوا على الجامعة الشيخ أبو الأعلى المودودي -وكان عضو المجلس الأعلى للجامعة- والشيخ أبو الحسن الندوي، ومحمود فايد من الجمعية الشرعية بمصر، رحمهم الله جميعاً، والشيخ عبد المجيد الزنداني حفظه الله تعالى، ومن الساسة الشيخ عبد الله بن حسن الأحمر من اليمن -وهو الآن رئيس مجلس النواب اليمني- والدكتور محمد ناصر من إندونيسيا، وكان الشيخ يثني عليه، وأحمدو بيللو من نجيريا -وهو عضو المجلس الأعلى للجامعة- ووفود مثل هؤلاء على الشيخ واختلاطه بهم يثري ثقافته ويعمق فكره.

تاسعاً: خلطته مع الطلاب في الجامعة الإسلامية:

وهذه الخلطة لها قصة على النحو التالي:

كان للشيخ رحمه الله تعالى يد طولى في الحفاظ على الطلاب الذين كانوا يدرسون في المدينة آنذاك، وكان في الوقت نفسه يستمع لمشكلات بلادهم، فقد أخبرني الشيخ الفاضل د. عبد الله القادري أن الشيخ عينه مسؤولاً عن الإشراف الاجتماعي في الجامعة الإسلامية، وجاء الشيخ عبد الله الأحمر والشيخ عبد المجيد الزنداني حفظهما الله تعالى إلى الشيخ ومعهما عدد من مشايخ قبائل اليمن، وطلبوا من الشيخ العناية بالطلاب اليمنيين لأن الشيوعية والقومية كانت منتشرة في اليمن آنذاك -الثمانينات الهجرية، الستينات الميلادية-، فطلب الشيخ ابن باز من الشيخ القادري أن يشرف على الطلاب اليمنيين، وأن يجمعهم له كل أسبوع في دار الحديث بالمدينة حتى يوجههم، فكان ذلك، وكان بعض المشايخ يتحدثون مع الطلاب اليمنيين مثل الشيخ عبد المجيد الزنداني، فكان الشيخ يحضر محاضراتهم ويعلق عليها بكلمة مختصرة.

وكان للشيخ منهج لطيف مع الطلاب اليمنيين، حيث كان الطلاب من مناطق مختلفة من اليمن، فكان يقوم أحدهم كل أسبوع ليتحدث عن مشكلة في بلده، سواء أكانت من قبل الشيوعيين، أو القوميين الناصريين، أو الصوفيين الغالين إلخ ويسمع الشيخ ويعلق، فهذا الأمر سمح للشيخ بالاطلاع على مشكلات اليمن آنذاك.

وهذا أيضاً كان يجري مع مجموعات الطلاب الأخرى، إذ كان الشيخ القادري يجمع له مجموعات أخرى من الطلبة كلّ بحسب بلده، فهناك مجموعات للطلبة الهنود، وأخرى للباكستانيين، وثالثة لشرق أفريقيا، ورابعة لغربها، وخامسة لشمالها، وهكذا، وكان الطلاب يذكرون مشكلاتهم للشيخ ويتباحث معهم في كيفية حلها.

وكل هذا أورث الشيخ علماً واسعاً عن العالم الإسلامي: أحواله ومشكلاته، وهذا لا شك ساعد في البناء الفكري والثقافي للشيخ، ومكنه من معرفه أحوال كثير من مناطق العالم الإسلامي في ذلك الوقت الذي كان فيه الإعلام عموماً والإسلامي منه خصوصاً ضعيفاً.

عاشراً: ما كان يُقرأ عليه من الكتب الفكرية والثقافية:

قد قرأ على الشيخ -رحمه الله تعالى- عدد من الكتب الفكرية والثقافية المهمة، ومن الأمثلة على ذلك أنه قرأ عليه كتاب (رسائل الإمام البنا) وهو كتاب فكري ثقافي دعوي متفوق مشهور، وهذا الشيخ محمد الموسى -ملازم الشيخ ومعاونه- يقول: ربما طلب هو بعض الكتب لبعض المعاصرين لقراءتها إذا دعت الحاجة لذلك.

أذكر أنه لما كثر الكلام عن جماعة الإخوان المسلمين وكبارهم قال لي سماحته: كنت أرغب في قراءة كتبهم والاطلاع عليها، ثم أمرني بإحضار جملة منها، وقال: أحضر لي رسائل الشيخ حسن البنا -رحمه الله- فأحضرتها، وشرعت في قراءتها حتى أنني قرأت عليه منه ما يزيد على مائتي صفحة، وهي على هيئة رسائل، وكلما قرأت رسالة عليه كتب عليها تعليقاً يسيراً بعد قراءته لها، وربما لم يكتب أي ملاحظة، وربما أبدى إعجابه ببعضها.

وقراءته مثل هذا الكتاب عامل مهم في بنائه الفكري والثقافي، ذلك لأن كتاب (رسائل البنا) من الكتب ذوات الصَّدارة في الموضوعات الفكرية.

وسيأتي في الفصل الثاني أنه قرأ كتباً للشيخ أبي الحسن الندوي، والشيخ محمد الغزالي، رحمهما الله تعالى، وهما من الدعاة المعاصرين والمشهورين بسعة الثقافة والعلم وجودة الفكر، وقد استشهد بكلامهما في مواضع من كتابه " نقد القومية العربية " كما سيأتي بسطه إن شاء الله تعالى في المبحث القادم.

هذه العوامل العشرة مجتمعةً ساعدت على تكوين شخصية ثقافية فكرية للشيخ عبد العزيز -رحمه الله تعالى- وأزعم أنها لم تتيسر مجتمعة لأكثر علماء العصر، خاصة العامل الخامس والسادس والثامن، أما بالنسبة لعلماء بلده ومنطقته فأنا أرى أنه فارقهم جميعاً في اجتماع هذه العوامل له فلم يكن أحد منهم مثله أو قريباً منه، والله أعلم.

 

 

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات