طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||

ملتقى الخطباء

(1٬699)
1075

مقدمة

تاريخ النشر : 1431/08/07
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

إن المتصدي لترجمة الشيخ عبد العزيز بن باز -وأمثاله من العلماء العالمين- ليجد عنتاً مرهقاً إن أراد استيعاب جوانب سيرته، والإحاطة بأحواله، والإشادة بمناقبه، وحسبي أن أقول مفتتحا ًالحديث عنه: إن عدداً من علماء العصر ومشايخه كانوا يقاربون الشيخ في علمه، وربما فاقه بعضهم في بعض الجوانب، لكني أرى أن الشيخ فارق علماء عصره ومشايخه في أربعة أمور وهي:

1- التفات عوام الناس حوله على اختلاف طبقاتهم ومراكزهم، وحاجتهم إلى علمه ووجاهته.

2- التفات الخواص من المشايخ وطلبة العلم والدعاة حوله، وحاجتهم إليه.

3- اهتمامه الشديد بقضايا المسلمين أينما كانوا، وإرساله البيانات التي تحث على نصرتهم، ومخاطبة كل من يستطيع من الرؤساء والكبراء في هذا الشأن.

أما الأمر الرابع الذي انفرد فيه ولم يكن له مثيل: هو مراعاة الدولة له، ومداراتها إياه، وتنفيذها كثيراً من توجيهاته وإرشاداته، وسماعها نصائحه، وهذه الصفة قد فقدت عند أكثر علماء أهل السنة والجماعة فلم تعد أكثر الحكومات الإسلامية تلتفت إليهم ولا تأبه بهم ولا بفتاواهم ونصائحهم، هذا إن تقدموا إليها بنصيحة أصلا ً، بينما كان الشيخ أحسن حالاً بكثير، وكان لفتواه صدى كبير تتأثر به الدولة وتلتفت إليه، وأستطيع أن أقول: إن الشيخ أعاد للأذهان شيئاً من عزة علماء السلف ومكانتهم عند الدولة.

هذه الجوانب الأربعة التي أظن أن الشيخ فارق بها علماء عصره ومشايخه، لكن ليس من غرضي هاهنا مناقشة هذه الجوانب لأنها أشهر من أن يُدلل عليها وتساق لها الحجج، وهي أيضاً مضخمة لبحثي هذا إن نوقشت، ولم أكتب هذا البحث من أجل هذا الغرض، وإنما من أجل جانب أغفله الباحثون في سيرة الشيخ، وقد شارك فيه الشيخ نوع مشاركة أردت تسليط الضوء عليها وإبرازها للباحثين جلية واضحة، وهذا الجانب الذي أحسبه جديداً على بساط البحث هو شخصية الشيخ عبد العزيز الفكرية والثقافية، ولذلك كتبت هذا البحث، وأحسبه جديداً مهماً، وذلك للأسباب التالية:

1- تسليط الضوء على جوانب من حياة الشيخ ليست معروفة عند كثير من الناس، أو لم يُربط بينها على وجه من الترابط المنتج هذه الصورة الثقافية الفكرية.

2- صورة الشيخ الثقافية الفكرية قد تكون مشوشة في أذهان كثير من الناس، وهي ليست موضع بحث الباحثين من المثقفين المفكرين، وهي أيضاً ليست موضع بحث الذين مافتئوا يتحدثون عن الشيخ وعلاقته بالفقراء والمساكين، وهي علاقة رائعة حقاً، أو الحديث عن زهد الشيخ وورعه الذي كان مضرب الأمثال، أو الحديث عن حسن خلقه وعظيم تحمله وهو أمر قد تناقلته الركبان، أو الحديث عن جلده وصبره وهو شيء عجيب، أو الحديث عن تجرده وعدم تردده في اتباع ما يراه حقاًً وإن خالفه الناس بعضهم أو كلهم، وهذا أمر متواتر من سيرته.

أما الحديث عن الفكر والثقافة فلا تكاد تجد إلا شذرات ليست تذكر تحت هذين العنوانين بالطبع، إنما تذكر ضمن جوانب أخرى من سيرته أولا تذكر على الإطلاق.

وهناك عدد كبير من الباحثين والمفكرين قد استقر في ذهنه أن الشيخ ضعيف الوعي وفيه ضيق في أفقه وتصوراته، ويلزم من هذا أن الشيخ ضعيف في الجوانب الفكرية والثقافية، هكذا يتصور عدد كبير من الباحثين، وهذا في الحقيقة فيه شيء من الجناية على الشيخ، وفيه إفراط في الحكم على جوانب من شخصيته بلا روية ولا تمحيص، والذي ساعد في تعميق هذا الحكم على الشيخ في أذهان هؤلاء هو الآتي:

أ‌- كون الشيخ من بيئة اشتهرت عند عموم الناس زماناً طويلاًً بأنها بيئة منغلقة متقوقعة على نفسها، لها أدبياتها ونظراتها التي تكاد تخالف فيها أكثر الناس وتنفرد عنهم، وهذه البيئة لها أثر على أصحابها، نعم إن هذه البيئة قد اختلفت اليوم وتغيرت إلى حد كبير، وأصبحت مقاربة للبيئات الأخرى، لكن ينبغي ألا ننسى أن الشيخ قد عمّر زمانًا طويًلا، وأنه كان في صدر شبابه وأوان مناهل علمه يعيش في البيئة القديمة المنغلقة، والذي أراه أن هذا الأمر يعد محمدة للشيخ، ومفخرة حيث إنه استطاع أن يخرج من أسر بيئته ويتفوق عليها.

ب- لم تُعرف المنطقة النجدية بالمشاركة الفعالة القوية في الجوانب الفكرية الثقافية، حيث لم يظهر فيها إلاّ -نادراً- مفكرون مثقفون على مستوى يقارب أو ينافس ما في البلاد العربية والإسلامية التي اشتهرت بتخريج المفكرين والمثقفين مثل مصر والشام والعراق وبعض بلدان المغرب العربي، وبعض البلدان غير العربية، وهذا الوضع قد اختلف في العقد الأخير حيث صرنا نرى عدداً من المفكرين والمثقفين قد ظهروا وشاركوا في المسيرة الفكرية والمسيرة الثقافية، لكن لا ننسى أن الحديث هنا يدور على عقود خلت وليس العقد الأخير فقط، وأيضاً هناك عدد كبير من الناس لم يستوعب هذا التغير الأخير بعد أن ظل الانطباع الأول سائداً سائغاً عندهم، وهؤلاء مازالوا أكثرية سائدة.

ج- العاهة التي أصابت الشيخ وهو لما يبلغ العشرين بعد، وهذه العاهة -عاهة العمى- لها تأثير عظيم عند أكثر الناس بحيث يظلوا محكومين في تلقي مصادر معرفتهم بالبيئة والعرف، ومدى علم وفكر وثقافة الأشخاص المصاحبين والمرافقين، وعمق الصلات الشخصية، والصفات الخلقية كالنباهة والذكاء، الخ…

لكني أجزم -مع هذا كله- أن الشيخ استطاع أن يتجاوز هذا، ويرتقي إلى سُدة لم يبلغها أكثر أمثاله وأقرانه ممن أصيبوا في أبصارهم وليس في بصائرهم.

وهذا الأمر -أي أن العميان يظلون محدودي العلم والثقافة والفكر إلا نادراً- كان متعارفاً عليه منذ زمن طويل، فهذا الإمام الشاطبي المقرئ الكبير القاسم بن فِِيّرة -المتوفى سنة590 للهجرة بالقاهرة- قد جرت مسألة فقهية بمحضره فذكر فيها نصاً واستحضر كتاباً فقال لهم: اطلبوها منه في مقدار كذا وكذا، ومازال يعيد لهم موضوعها حتى وجدها حيث ذكر، فقالوا له: أتحفظ الفقه؟ فقال لهم: إني أحفظ وِقرَ جمل -أي حمولة جمل- من كتب، فقيل له: هلا دَرستها؟ فقال: ليس للعميان إلا القرآن.

وقال صهره أبو الحسن علي بن سالم بن شجاع -وكان أيضا ًضريراً وأخذ القراءات عنه-: أردت مرة أن أقرأ شيئاً من الأصول على ابن الوراق، فسمع بذلك فاستدعاني فحضرت بين يديه، فأخذ بأذني ثم قال لي: أتقرأ الأصول؟ فقلت: نعم، فمد بأذني ثم قال لي: من الفضول: أعمى يقرأ الأصول.

ثم إننا على مر العصور لم نرى أعمى -إلا القليل النادر- برز في الجوانب الفكرية والثقافية، أو غيرها من دقائق العلوم التي تتطلب اطلاعاً واسعاً ومعرفة بحال الناس وتقلبات الدهر بأهله.

د- انشغال الشيخ الكبير بالعوام إجابةً لأسئلتهم وقضاء لحوائجهم، وهذا مما تفرد فيه – تقريباً- بين علماء عصره، واشتهر عنه وعرف به، وهؤلاء العوام إذا التفوا حول شخص ما فإنهم لا يكادون يتركونه، فمن كان مشغولاً هذا الانشغال فإنه لا يستطيع التفلت من هذا الإسار، لكن الشيخ مع ذلك استطاع أن يحصل جوانب من الفكر والثقافة سأتحدث عنها فيما يأتي -إن شاء الله تعالى- متغلباً على عوامل الانشغال الصادرة عن مزيد من المعرفة لأحوال الزمان وواقع الناس.

هـ- انشغال الشيخ الكبير بالمناصب الرسمية مثل توليه رئاسة الإفتاء، ورئاسة هيئة كبار العلماء، ورابطة العالم الإسلامي، والمجلس الأعلى للمساجد، وغير ذلك مما يملأ عليه وقته، لكن مع هذا فإن هذه الهيئات كانت صاقلة لشخصية الشيخ الفكرية والثقافية ولاشك.

وهذه العوامل الخمسة ربما اجتمع معها غيرها ساعدت على ترسيخ الانطباع لدى عدد كبير من الخواص أن الشيخ محدود الثقافة والفكر، وأنه لا يستطيع أن يكون إلا كذلك.

وليس من مهمتي في هذا البحث تلميع صورة الشيخ، أو تكميل جوانب شخصيته بما ليس فيه، أو ادعاء ما ليس عنده -معاذ الله- لكني أردت أن ألفت نظر القراء الكرام إلى بعض المشاركات الفكرية والثقافية التي شارك بها الشيخ في حياته العامرة الطويلة، وهذه المشاركات ترقى -في ظني- إلى أن تُكَوّن ما يمكن أن يطلق عليه: الشخصية الفكرية والثقافية للشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى- وهذه المشاركات قد جاوزت الحد الأدنى الضروري من المشاركات التي ينبغي أن يشاركها من تصدر لفائدة الناس وتوجيههم.

والذي ينبغي أن يُعرف ويدرك أن هذه الشخصية الفكرية والثقافية ليست متميزة تميز الجوانب الأخرى في شخصيته، لكني أذهب إلى أنها حاضرة موجودة، وهي-في رأيي- التي فارق بها الشيخ جُلّ أو كل قرنائه في بيئته.

 

 

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات