طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الأحـداث التاريخية > دروس التاريخ > سقوط إشبيلية درة الأندلس

ملتقى الخطباء

(857)
1425

سقوط إشبيلية درة الأندلس

تاريخ النشر : 1439/09/21
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

وفي (5 رمضان 646 هـ / 22 ديسمبر 1248) دخل فرناندو الثالث مدينة إشبيلية مزهوًا بنفسه، مختالاً بقواته، يحوطه موكب ضخم، يتيه اختيالاً بما حقق من ظفر ونصر، واتجه إلى مسجد المدينة الأعظم الذي تحول إلى كنيسة، في إشارة لانتصار النصرانية على الإسلام، وقد وُضع به هيكل مؤقت، وأقيم…

إنّ سقوط الحضارات وانهيارها وهلاك الأمم وذهابها له أسبابه وعوامله المنسجمة مع سنن الله -تعالى- ونواميسه، والهلاك نوعان، الأول: هلاك الأخذ والاستئصال، وقد توقف وانتهى ببعثة رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)[الأنبياء: 107]، والثاني: هلاك الهزيمة والانهيار والضياع والسقوط، وهذا النوع سنة باقية على الأمم حتى قيام الساعة.

 

وكلما طال عمر الدولة، كلما زادت تجاربها ودروسها وعبر قيامها وسقوطها، وأعطت ثروة نفيسة في التعامل مع السنن الكونية، وبصائر لا يُستغني عنها في مواجهة المواقف المغايرة وتقلبات الدهر.

 

ودولة الإسلام في الأندلس أطول دول الإسلام عمراً، وأغناها تجربة، وأثراها تفاعلاً مع المتغيرات، فهي الدولة صاحبة الثماني قرون من الحكم الإسلامي الذي بدأ سنة 94 ه شاملاً معظم أراضي شبه الجزيرة الإيبرية وانتهى سنة 897 ه في غرناطة في أقصى جنوب الأندلس بعد أن فقدت الدولة قرابة ال90 % من مساحتها تاركة ورائها سجلاً حافلاً من المواقف ذات العبر، والدروس التي يجب أن تعيها الأجيال المسلمة عبر العصور.

 

ومن أكثر المشاهد ذات العبر والدروس في تاريخ الأندلس التليد؛ مشهد السقوط بكل روعته ومأساويته وغناه السياسي والاجتماعي والديني، خاصة إذا كان هذا السقوط لواحدة من كبرى حواضر الإسلام والتي مازال المسلمون يخلدون ذكرها حتى اليوم بإطلاق اسمها على المحال والشركات والقرى والمنتجعات والمعسكرات، ونعني بها تحديداً: إشبيلية درة الأندلس وحاضرة دولة الإسلام مع العاصمة قرطبة.

 

موجز تاريخ إشبيلية من الفتح إلى الضياع؟

تقع مدينة إشبيلية على ضفتي نهر الوادي الكبير (أغلبها على الضفة اليسرى) في جنوبي إسبانيا عند تقاطع خط العرض 37ْ درجة و24َ دقيقة شمالاً مع خط الطول 5ْ درجة و59َ دقيقة غرباً. وتبعد عن المحيط الأطلسي 86كم ولا يزيد ارتفاعها عن سطح البحر على 10م. فتحها يوليوس قيصر عام 45 ق.م وازدهرت في عهد خلفائه، ثم أصبحت عاصمة لمملكة الوندال عام 411م، ثم مقراً لملوك القوط الغربيين بين عامي 441 و567م. وكانت من أهم مراكز المسيحية الأولى في إسبانيا قبل دخول العرب المسلمين.

 

الموقع الجغرافي المميز لإشبيلية جعل لأهلها خصوصية من بين سكان المدن الأندلسية، فأهلها تميزوا بالاستقلالية والاعتزاز بالنفس لأقصى درجة، ورفض أي صورة من صور الإذعان للقيادة السياسية إذا لم تكن على المستوى الملائم، لذلك كانت إشبيلية على الدوام قبلة الثائرين والرافضين لحكومة قرطبة. ولما دخل عبد الرحمن الداخل الأندلس معتمداً على دعم اليمانية كانت إشبيلية قاعدته التي أتم فيها حشد أنصاره، وفيها أيضاً عُقِد لواؤه. ولما غرقت الأندلس في حمأة حرب أهلية بين المولَّدين والعرب زمن الأمير عبد الله بن محمد (275-300هـ/ 888-912م) في أخريات أيام عصر الإمارة الأموية، وكانت إشبيلية كبرى المدن التي ثارت وانفصلت عن سلطة قرطبة انفصالاً واقعياً.

 

وفي عهد ملوك الطوائف وكانت إشبيلية كرسي ملك أسرة بني عباد، وقد وفرت موارد إشبيلية الغنية لهذه الدولة كل مقومات الحياة إدارياً وعسكرياً وعمرانياً فأصبحت كبرى دول الطوائف، في حين تراجعت قرطبة عن المركز الأول بين مدن الأندلس، واحتلت إشبيلية هذا المركز، والسبب أن طريق التجارة الرئيسي صار يمر بها بعد أن دهمت قرطبة الكوارث المتتالية، وفقدت مكانتها عاصمة للدولة.

 

وفي عهد المرابطين عاد البريق إلى العاصمة قرطبة، وانزوت إشبيلية عن الصدارة قليلاً، ثم ما لبثت أن عادت للصدارة مرة أخرى مع قدوم الموحدين الذين اتخذوا من إشبيلية عاصمة لهم، غير أن الصراع السياسي الذي وقع بين قادة الموحدين إثر وفاة الخليفة الموحدي المنتصر أواخر عام 620هـ/ 1224م فتح المجال للتنازع على تركة الموحدين وتقطيع الجسد الأندلسي الواهن من كثرة غارات الإسبان.

 

الدرس الأكبر من موجز تاريخ إشبيلية أن فساد ذات البين والتنازع ذراع الفشل وذهاب الرياح، كما قال المولى -جلّ في علاه- في محكم تنزيله: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا)[الأنفال: 46]، والرسول -صلى الله عليه وسلم- سماها الحالقة التي تحلق الدين، ومن ثم تحلق بعده كل شيء، فتتآكل المجتمعات، وتسقط الأمم، وهو ما حدث بالضبط مع إشبيلية بعد خمس قرون من الإسلام كما سيتضح من عرض قصة السقوط.

 

انفراط حبات العقد الأندلسي:

بعد ما سقطت قرطبة حاضرة الخلافة الأموية في الأندلس في أيدي ملك قشتالة “فرناندو الثالث” في (23 شوال 633 هـ = 29 يونيه 1236)، بعد أن لبثت قرونًا طويلة منارة ساطعة، وحاضرة سامقة، ومثوى للعلوم والآداب. وكان سقوطها نذيرًا بخضوع معظم البلاد والحصون القريبة لسلطان النصارى القشتاليين. وتابع فرناندو الثالث غزواته في منطقة الأندلس الوسطى، وتوالى سقوط قواعد الأندلس الكبرى التي شملت فيما شملت بلنسية وشاطبة ودانية وبياسة وجيان وغيرها، وتم ذلك في فترة قصيرة لا تتجاوز عقدًا من الزمان، وبدا كيان الأندلس الضخم كمَن نخر السوس في عظامه فانهار من داخله قبل أن يهاجمه أحد. ولم يبقَ من قواعد الأندلس الشرقية والوسطى سوى إشبيلية المدينة العظمية، وما حولها من المدن والقواعد القريبة منها، ولم تكن إشبيلية بعيدة عن أطماع ملك قشتالة، الذي كان ينتظر الفرصة للانقضاض عليها، ويُمنِّي نفسه بالفوز بها.

 

إشبيلية والفراغ السياسي:

كانت إشبيلية مذ عمت الفتنة أرجاء الأندلس، وتوالت الثورة ضد الموحدين في مختلف القواعد، تتولى مصايرها بنفسها، وترسم لنفسها خطة قيادتها وحكمها. وكانت باعتبارها أعظم حواضر الأندلس في ذلك العصر، وذلك بالرغم من انضوائها تحت لواء هذا الأمير أو ذاك. إلا إن التنقل في الطاعة من دولة لأخرى ومن أمير لآخر جعل إشبيلية في النهاية تخضع لرجل قوي شديد الذكاء اسمه أبو عمرو بن الجد وهو حفيد الفقيه الشهير “ابن رشد الجد”، ولكنه كان شر خلف لخير سلف.

 

استمد أبو عمرو بن الجد قوته في إشبيلية من أمرين: سياسي معنوي ممثل في مبايعة الدولة الحفصية في المغرب، وكانت دولة قوية فتية قامت في تونس، وامتدت إلى المغرب الأوسط، وقلصت نفوذ دولة الموحدين، وبدأت تحل محلهم، وامتاز مؤسسها “أبو زكريا الحفصي” بالقدرة والكفاءة والمروءة والشهامة.

 

والثاني عسكري استراتيجي ممثل في الخضوع بمعاهدة ذليلة مع فرناندو الثالث ملك قشتالة وأقوى ملوك إسبانيا النصرانية في زمانه، كانت معاهدة مخزية تشبه في خذلانها المعاهدة التي عقدها الملك القشتالي مع ابن الأحمر أمير مملكة غرناطة، وتتلخص بنودها في أن يعترف ابن الجد بطاعة ملك قشتالة، وأن يؤدي له الجزية، وأن يشهد اجتماعات “الكورتيس” – مجلس النواب القشتالي – باعتباره واحدًا من أتباع الملك القشتالي، وأن يقدم له العون متى طلب إليه ذلك. ولم تكن هذه المعاهدة مثل المعاهدات تضمن حقًا، أو تدفع ضررًا، أو تجلب أمنًا، أو تحقق سلمًا، لكنها كانت فرصة للملك القشتالي يرتب أوضاعه، ويعد عدته، ويجهز جنده؛ منتظرًا الفرصة المواتية فينتهزها، لا يردعه رادع من خُلق أو وازع من ضمير، أو احترام لعقد، ولكنه ابن المصلحة يدور معها حيثما تدور، وهذا ما كان من أمر الملك القشتالي مع إشبيلية.

 

التاريخ خير شاهد على عواقب أمثال هذه المعاهدات الذليلة المخالفة لشرع الله -تعالى- والتي تعطي المرء الدنية في دينه ودنياه، فأول مسمار ضُرب في نعش الدولة العثمانية كان بسبب معاهدة الامتيازات الأجنبية التي صيغت في عهد السلطان القوي سليمان القانوني الذي لم يعرف أن الأجيال اللاحقة ستكون ضعيفة وأن أمثال هذه المعاهدات ستكون سبباً مباشراً للتدخل في شئون الدول المسلمة، وقس على ذلك كثيراً من المعاهدات التي كانت ومازالت وستظل شجى وغصة في حلق الدول الإسلامية، ومشجب تدخل في شئون المسلمين.

 

أهل إشبيلية وعودة الحمية:

بعد توقيع المعاهدة عمد أبو عمرو بن الجد لاستقدام رجال من الحفصيين للمساعدة في إدارة شئون الحكم فيها بعد تذمر أهلها من شروط المعاهدة المهينة مع الصليبيين، وأخذ هؤلاء القادمون الجدد في اضطهاد معارضي المعاهدة والتنكيل بهم وإخراجهم من دواوين الحكم والولايات والأعمال العامة، فثار أهل إشبيلية ضد ابن الجد وأعوانهم، وانتهت الثورة بقتله وطرد الوافدين الجدد وإعلان بطلان المعاهدة مع الصليبيين، وجددوا الدعوة إلى طاعة أمير إفريقية الحفصى، وانضواء إشبيلية تحت لوائه وذلك سنة 644 ه.

 

فلما قتل ابن الجد، وانقلب أهل إشبيلية إلى مخاصمة النصارى، غضب ملك قشتالة لما حدث، وأبدى امتعاضه لمقتل صديقه ابن الجد. وكان زعماء إشبيلية الجدد، قد أدركوا غير بعيد، ما قد يؤدي إليه مخاصمة النصارى إلى صدام وشيك، فحاولوا السعي في تجديد الهدنة مع ملك قشتالة ولكن بشروط جديدة، ولكن فرناندو الثالث رفض وقرر أن يتخذ مصرع حليفه ابن الجد ذريعة للتدخل والانتقام، وأن هذا هو الطريق المفضل عندئذ للتصرف والعمل، وأن الوقت حان لكي ينهض إلى احتلال إشبيلية، خصوصاً وقد أصبحت الحاضرة الأندلسية العظيمة، معزولة، لا تستطيع أن تعتمد على أية معاونة عاجلة، لا من ملك غرناطة، وقد خضع لملك قشتالة، ولا من الموحدين، وقد نكثت إشبيلية ببيعتهم غير مرة، ولا من أمير إفريقية، بعد الذي حدث نحو عماله. وبدا للعيان أن الجميع قد تخلى عن إشبيلية وتركها لمصيرها المحتوم.

 

الحصار الصليبي لإشبيلية:

غزو الإسبان لإشبيلية وهي كبرى حواضر الأندلس، وأزخرها سكاناً، وأمنعها جانبا، وأكثرها حصوناً وقلاعاً، كان يقتضى أهبات خاصة. ومن جهة أخرى، فإن أخذها بالحصار، لم يكن أمراً ميسوراً، إذ كانت تقع في منطقة كثيرة الخصب والنماء، وكان اتصالها بالبحر عن طريق نهر الوادي الكبير، يمكنها من تلقى الأمداد والمؤن من عدوة المغرب. وقد انتهى ملك قشتالة، بعد التشاور مع أكابر قادته وفرسانه، بأن قرر أن يلجأ إلى وسيلة الحصار البري والبحري المحكم لإخضاع الحاضرة الأندلسية الكبرى.

 

سار فرناندو بقواته الجرارة صوب إشبيلية سنة (644 هـ / 1246)، وعبر نهر الوادي الكبير تجاه مدينة “قرمونة”؛ ناسفًا ما يقابله من زروع، ومخربًا ما يقع تحت يديه من ضِياع، وعلى مقربة من قرمونة وافاه ابن الأحمر أمير غرناطة الذليل في خمسمائة فارس، للاشتراك في حصار إشبيلية كما تنص معاهدة الخزي والعار الموقعة بينهما، وسارا معًا جنوبًا نحو قلعة جابر حصن إشبيلية من الجنوب الشرقي، وقام ابن الأحمر بإقناع حامية القلعة المسلمة بضرورة التسليم حقنًا للدماء، وصونًا للأموال والأرزاق.

 

وهكذا دور الخونة الأذلاء لا يكتفون بمعاونة أعداء الأمة والاصطفاف بجوارهم في محاربة بني جلدتهم، ولكن يلعبون أيضا دور الشيطان الواعظ الذي يخذل الناس ويبث الإرجاف في صفوفهم من أجل الانقياد والتسليم والإذعان للعدو.

 

عاود فرناندو الثالث حملته مرة أخرى سنة (645 هـ / 1247)، وحاصر قلعة قرمونة أمنع حصون إشبيلية الأمامية من ناحية الشمال الشرقي. ولما رأى أهل قرمونة ضخامة الحشود، وأيقنوا بعدم جدوى الدفاع عرضوا تسليم المدينة بعد ستة أشهر إذا لم تصلها خلالها أي نجدة، فقبل ملك قشتالة، وسار في طريقه صوب إشبيلية بحذاء الوادي الكبير، واستولى في طريقه على الحصون والقرى الأمامية التي حاولت جاهدة منع تقدم الصليبيين ولكن التفاوت الضخم في القوة وغياب الإمدادات أدى في النهاية للسقوط، وبسقوط تلك القلاع والحصون أصبحت سائر الحصون الأمامية لإشبيلية من جهة الشمال والشرق والغرب في أيدي القشتاليين.

 

وفي (12 ربيع الآخر 645 هـ = 15 أغسطس 1247)، وبدأ فرناندو في محاصرة إشبيلية وتطويقها من كل جانب، واحتل الأسطول النصراني مياه مصب الوادي الكبير؛ ليمنع ورود الإمداد والمؤن إلى إشبيلية من طريق البحر، وكان وجود ابن الأحمر بقواته إلى جانب القوات النصرانية المحاصرة، يشترك مع أعداء أمته ودينه في تطويق الحاضرة الإسلامية العريقة، ولذلك لم يكن عجيبًا أن تتساقط مدن الأندلس وقواعدها في أيدي النصارى؛ إذ كان من بين قادة الأندلس وأمرائها مَنْ يطوي نفسًا تخلت عنها أخلاق النجدة والمروءة، وحملت صفات الذل والهوان والضعف والمسكنة، ولم تجد غضاضة في أن تضع يدها في أيدي أعداء أمتها لتصفية إخوانهم المسلمين، وتشريد أهلهم، وإخماد دعوة الإسلام بها. ونستطيع أن نتصور الدور الخبيث الذي قام به ابن الأحمر ملك غرناطة في معاونة ملك قشتالة على إخضاع هذه المجموعة الكبيرة من البلاد والحصون الهامة، منذ قرمونة حتى القلعة، وذلك بإقناع أهلها والمدافعين عنها بالتسليم بالأمان، وإقناع ملك قشتالة من جهة أخرى بالتساهل في شروط التسليم، على أن دور الزعيم المسلم المنافق لم يقف عند هذا الحد، بل تعداه كما سنرى إلى معاونة النصارى ومؤازرة جهودهم ضد المسلمين، بطريقة إيجابية فعالة.

 

صمود وبسالة مسلمي إشبيلية:

وفي الوقت الذي كان فيه ملك قشتالة يمهد لتنفيذ خطته في حصار إشبيلية، كان أهل إشبيلية من جانبهم يستعدون للذود عن مدينتهم بكل ما وسعوا. وقد سجل لنا التاريخ عن دفاع أهل إشبيلية، صحفاً رائعة من البسالة والتضحية؛ ولكن الرواية الإسلامية، لا تقدم إلينا مع الأسف تفاصيل شافية عن هذا الدفاع. بل هي لا تذكر لنا سوى القليل عن الزعماء الذين قادوا هذه المعركة الدفاعية المجيدة، التي استطالت خمسة عشر شهراً. مثل القائد شقّاف وزملائه، يحيى بن خلدون، وابن شعيب، ومسعود بن خيار، وهم زعماء إشبيلية، الذين ألقى القدر عليهم تبعة السهر على مصايرها في مواجهة العدوان الصليبي وحليفه الخائن لدينه وأمته ابن الأحمر.

 

ومضى على الحصار شهور طويلة، وإشبيلية تزداد إصرارًا على المقاومة والثبات ودفع النصارى وردهم، يخرج من المدينة أبطالها للإيقاع بالنصارى، وكما نشبت معارك بحرية بين سفن القشتاليين والسفن الإسلامية في نهر الوادي الكبير، وفي الوقت الذي انسالت فيه الإمدادات العسكرية من أنحاء إسبانيا النصرانية بحيث أصبح العدوان أبه بالحملات الصليبية الكبرى، في هذا الوقت كانت المُؤَن والعتاد في إشبيلية يتعرضان للنقص والفناء. وفي الوقت الذي عزز فيه النصارى حصارهم بحشود عسكرية، حُرمت إشبيلية من وصول المجاهدين إليها لنجدتها وعونها، ومن المؤن والأقوات لمواصلة الدفاع. ولم يبق لإشبيلية طريق للاتصال بالعالم الخارجي سوى قلعة طريانة.

 

وكان الاستيلاء على قلعة طريانة هو الذي يشغل تفكير النصارى؛ حتى يقطعوا كل منفذ عن إشبيلية، وتنقطع صلتها بمن حولها؛ فتضطر إلى التسليم، وكان المسلمون على بينة مما يدور في ذهن النصارى، فحشدوا الرجال والسلاح والمؤن في القلعة، ورتبوا مجموعة من الرماة المهرة لإصابة فرسان النصارى إذا هاجموا المدينة، فلما هاجمت القوات القشتالية المدينة نجحت حاميتها في الدفاع عنها، وتكررت محاولات الهجوم الفاشلة في اقتحام القلعة، لكن ذلك كان يزيد النصارى إصرارًا على اقتحام المدينة، وعمدوا إلى محاصرة قلعتها برًا وبحرًا، وقدمت سفنهم إلى النهر أسفل القلعة، ونجحت في تحطيم القنطرة القوية التي كانت تربط “طريانة” بإشبيلية عبر نهر الوادي الكبير، وفقدت بذلك كل صلتها بالعالم الخارجي.

 

ظل الصليبيون محاصرين لإشبيلية خمسة عشر شهراُ متصلة براً وبحراً ومن كل الجهات، ومع ذلك ظل أهلها صامدين، حتى بعد أن تيقنوا بفقدان المعونة من ملوك المسلمين في المغرب، وخيانة ابن الأحمر لهم، ولكن في النهاية فنيت الأقوات، وهلك المقاتلون، وانعدمت المعونة، ونضبت كل وسائل الحياة، وهلك الكثيرون من الجوع والمرض، ولم يجد زعماء إشبيلية مفرًا من التسليم، وحاولوا أن يخففوا من وقع المصيبة، فعرضوا تسليم ثلث المدينة فرفض فرناندو الثالث هذا العرض، فحاولوا مرة أخرى بتسليم نصف المدينة، فأبى فرناندو الثالث إلا أن تسلم المدينة كاملة، فكان له ما أراد. وانتهت المفاوضات بين الفريقين على أن تسلم المدينة كاملة سليمة لا يُهدم من صروحها شيء، وأن يغادرها سكانها، مع السماح لهم بأن يحملوا كل أمتعتهم من مال وسلاح، وأن تُسلَّم مع المدينة سائر الأراضي التابعة لها. وقضى المسلمون شهرًا في إخلاء المدينة، وتصفية حاجاتهم، وبيع ممتلكاتهم قبل أن يغادروها، وتقدر بعض الروايات عدد من خرج بنحو 400 ألف مسلم، هاجروا إلى مختلف نواحي المغرب والأندلس المسلمة.

 

وفي (5 رمضان 646 هـ / 22 ديسمبر 1248) دخل فرناندو الثالث مدينة إشبيلية مزهوًا بنفسه، مختالاً بقواته، يحوطه موكب ضخم، يتيه اختيالاً بما حقق من ظفر ونصر، واتجه إلى مسجد المدينة الأعظم الذي تحول إلى كنيسة، في إشارة لانتصار النصرانية على الإسلام، وقد وُضع به هيكل مؤقت، وأقيم في المسجد قداس الشكر، ثم اتجه إلى قصر إشبيلية، حيث أدار شئون دولته، وقام بتقسيم دور المسلمين وأراضيهم بين جنوده، ومن ذلك التاريخ أصبحت إشبيلية عاصمة مملكة قشتالة النصرانية بدلاً من طليطلة.

 

وهكذا سقطت إشبيلية حاضرة الأندلس بعد أن ظلت خمسة قرون وثلث القرن تنعم بالحكم الإسلامي منذ أن فتحها موسى بن نصير سنة (94 هـ / 712)، وظلت منذ ذلك الحين مركزًا للحضارة، ومنارة للعلم، ومأوى للعلماء والشعراء والأدباء، ولا تزال آثارها الباقية شاهدة على ما بلغته المدينة من نمو وازدهار.

 

سقطت إشبيلية بعد أن جرت عليها أسباب السقوط كاملة، فعملت السنن عملها، سقطت بسبب فساد ذات البين والاختلاف والخيانة وخذلان المسلمين والخلافات الشخصية التافهة، والصراع على الحكم، وترك الطاعة وايثار الاستقلال الذاتي على الانضواء تحت مظلة المسلمين العامة.

 

قصة قديمة، تكررت كثيراُ، وما زالت تتكرر، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات