طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الأحـداث التاريخية > دروس التاريخ > الصراع الإسلامي الصليبي في القرن الأفريقي 2 – 2

ملتقى الخطباء

(672)
1361

الصراع الإسلامي الصليبي في القرن الأفريقي 2 – 2

تاريخ النشر : 1439/04/03
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

العالم الإسلامي وقتها كان يتحكم فيه أربع قوى تنتسب إلى الإسلام: العثمانيون، والمماليك، والصفويون، وسلاطين المغول المسلمين في الهند. أما الصفويون فقد وضعوا أيديهم بيد البرتغاليين والأحباش للاتفاق العقدي نحو تدمير العالم الإسلامي ممثلاً في أهل السنّة، في حين أن سلاطين المغول كانوا في صراعات داخلية عنيفة مع…

تكلمنا في الجزء الأول عن تاريخ دخول الإسلام في القرن الأفريقي، وبداية الصراع التاريخي المحتدم بين الإسلام ممثلاً في إمارات وممالك إسلامية ظهرت في المنطقة، والنصرانية ممثلة في إمبراطورية الحبشة ذات التاريخ الطويل والرصيد الضخم في عداء الإسلام.

وقد استعرضنا تاريخ أهم الممالك الإسلامية التي ظهرت في تلك المنطقة وحروبها ضد إمبراطورية الحبشة، وقد توقفنا عند الحديث عن ميلاد مملكة الأئمة والدعاة بعد سقوط مملكة “عدل” الإسلامية سنة (848هـ = 1444م).

 

وتميز هذا الدور بظهور طائفة من الأمراء الأئمة أشربت قلوبهم حب الجهاد وصارت لهم السلطة الفعلية في البلاد، وبذلك أصبح في المجتمع العَدَلي حزبان: هذا الحزب الشعبي الذى يتزعمه الأمراء الأئمة، وذلك الحزب الذى يريد أن يسالم الأحباش، ويتكون من الطبقة: الأرستقراطية والتجار، وعلى رأسه: سلاطين “عدل” التقليديون.

 

تطورات مشهد الصراع:

تميزت هذه المرحلة من الصراع بدخول عنصر خارجي خطير كان له أثر بعيد في تحول دفة الصراع، هذا الطرف هم البرتغاليون الذين قرروا مع بداية القرن العاشر الهجري وبعد اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح سنة 905 ه، نقل الصراع إلى حدود العالم الإسلامي الجنوبية ومهاجمة ثغوره من أجل تطويق العالم الإسلامي، ومن ثم الوصول إلى قلبه في الحرمين والاستيلاء على مقدسات المسلمين، ثم مطالبتهم بتسليم بيت المقدس بدلاً عن الحرمين.

 

كان من أهم نتائج دخول البرتغاليين في حلبة الصراع الإقليمي أن اشتدت قوة الأحباش النصارى، وتغير ميزان القوى العسكري لصالحهم، لا سيما بعد حصولهم على الأسلحة النارية من حلفائهم البرتغاليين، وهي الأسلحة التي لم تكن معروفة وقتئذ في القرن الإفريقي، فشن التحالف الحبشي والبرتغالي حملة صليبية منسقة ضد المسلمين في تلك المنطقة: الأحباش من البر، والبرتغاليون من البحر، وتمكنت قوات النجاشي الحبشي داود الثالث، في عام 1516م، من إلحاق هزيمة ساحقة بالقوات الصومالية والعفرية، التابعة لإمارة “عدل”، التي يقع أهم مراكزها على ساحل خليج عدن بما فيها العاصمة “زيلع”، وكانت هذه الإمارة أهم، وأكبر الإمارات الإسلامية في الصومال، وأكثرها مسؤوليات في الجهاد ضد الصليبية الحبشية، آنذاك.

 

وفي منتصف عام 1517م تم قصف مدينة “زيلع” التاريخية (عاصمة إمارة عدل) وإحراقها، ونهبها بعد الاستيلاء على قلعتها.

وفي عام 1518م تعرضت مدينة “بربرة”، وهي أهم مرافئ هذه الإمارة الإسلامية، لعملية اجتياح وحشي.

وفي عام 1520م تعرضت مدينة “مصوع” لاجتياح وحشي مماثل، وفيه أيضًا احتل البرتغاليون “مقديشو” أحد المراكز التجارية المهمة على ساحل المحيط الهندي، وقام القراصنة البرتغاليون المتمركزون في “خليج عدن” بالسطو على كل السفن التجارية الإسلامية التي صادف وجودها في تلك المنطقة، واستولوا على ما كانت تحمله من مواد غذائية ومقتنيات ثمينة.

ومع وطأة الهجوم البرتغالي الصليبي العنيف اضطر سلطان “عدل”” أبو بكر بن محمد” إلى نقل عاصمته من “زيلع” إلى “هرر” (إقليم أوجادين المحتل حالياً من أثيوبيا) في غرب الصومال، لتصير هذه المدينة بعد ذلك من أهم المدن في القرن الإفريقي.

 

العالم الإسلامي وقتها كان يتحكم فيه أربع قوى تنتسب إلى الإسلام: العثمانيون، والمماليك، والصفويون، وسلاطين المغول المسلمين في الهند.

 

أما الصفويون فقد وضعوا أيديهم بيد البرتغاليين والأحباش للاتفاق العقدي نحو تدمير العالم الإسلامي ممثلاً في أهل السنّة، في حين أن سلاطين المغول كانوا في صراعات داخلية عنيفة مع “المهراتا” الهندوس وحلفائهم من خونة المسلمين.

 

أما المماليك فقد بلغ بهم الضعف مداه بعد انهيار اقتصادهم بسبب اكتشاف رأس الرجاء الصالح، وضياع عوائدهم من الجمارك والتجارة البحرية، وبالتالي لم يبق للمسلمين في القرن الأفريقي سوى الاستعانة بالعثمانيين الذين كانوا في هذا الوقت أكبر قوة إسلامية قائمة.

 

هرع حكام تلك الإمارات الإسلامية، فبعثوا الرسل إلى السلطان سليم الأول معترفين بالسيادة للباب العالي، ومعلنين ولاءهم للسلطان.

وقام العثمانيون سنة 1520م بوضع حاميات عند مرافئ البحر الأحمر الإفريقية التي كانت تتعرض لعدوان الأساطيل البرتغالية، ولا سيما “سواكن” و “مصوع” و”زيلع”، وزودوها بالأسلحة النارية، وأصبحت هذه المدن تحت إمرة “باشا جدة” الذي عين له نوابًا فيها.

 

وبذلك استرد المسلمون بعض ثقتهم وقوتهم، وارتفعت الروح القتالية، والجهادية في أنفسهم، واستعادوا بعض الأجزاء التي فقدتها إمارة “عدل”.

 

تعرض المسلمون في القرن الأفريقي لانتكاسة شديدة بعد مقتل الأمير البطل “محمد المحفوظ” سنة 923 هـ في معركة ضد الإمبراطور الحبشي لابنه “دنقل” الملقب “داويت الثاني”، وهي ذات السنة التي هاجم فيها الأسطول البرتغالي “زيلع” وأحرقها، وتولى الحكم بعد “محفوظ” سلطان اسمه “أبو بكر بن محمد”، شاع في عهده الظلم، وقطع الطريق والفجور، وتداول الخمور، وأصبحت الأجواء متهيئة لظهور البطل المقدام الإمام “أحمد جوري”.

 

نشأته وبدايات ظهوره:

هو الإمام البطل الغازي، قاهر الأحباش الصليبيين والبرتغاليين المجرمين، موحد القرن الأفريقي، وصاحب واحدة من أفضل الممالك الإسلامية ظهوراً في أفريقيا كلها؛ الإمام “أحمد بن إبراهيم الغازي”، وهو لقب عثماني أطلقه عليه المؤرخون المعاصرون له، وهو لقب لا يطلق إلا على السلاطين الأقوياء.

 

وُلد “أحمد جوري” في عام 908هـ، وكان مسقط رأسه في “هوبت” التي تقع على مقربة من “هرر”، وكانت إحدى الولايات الهامة التي تتكون منها إمارة “عدل” الإسلامية، وهي مدينة قديمة أنشأها المسلمون في أواخر القرن الأول الهجري.

وقيل أنه كان ابنًا لقسيس في مقاطعة “أيجو” بالحبشة.

ثم اتصل بالمسلمين وسمع بعض دعاتهم في مقاطعة “عدل”، فدخل الإسلام مقتنعًا به، متحمسًا لدعوته، وأطلق على نفسه اسم “أحمد جوري” أي الأعسر بلغة العفرية؛ لأنه كان يمسك سيفه بيسراه في الجهاد، وعلى أي ما كان فتاريخ البطل وأمجاده سيسطرها بنفسه، وسيعرفها الجميع بدءًا من سن العشرين حتى استشهاده في ميادين الجهاد.

 

كان سن “أحمد جوري” يوم استشهاد الأمير المحفوظ أحد عشر سنة، وكانت الأوضاع الداخلية والإقليمية شديدة التوتر بعد استطالة الأحباش النصارى على المسلمين، ودخول البرتغاليين في معادلة الصراع، وأيضا بسبب فساد وتخاذل خلفاء الأمير المحفوظ عن مواصلة الجهاد ضد نصارى الحبشة.

 

فقد تولى الحكم بعد محفوظ سلطان اسمه “أبو بكر بن محمد” شاع في عهده الظلم وقطع الطريق والفجور، وتداول الخمور، فرحل “أحمد” إلى “هرر” مع مجموعة من أصحابه الشباب يبلغ عددهم حوالي مائة، وأمّروا عليهم أحدهم وكان يدعى “عمر دين”، وسمعوا مرة بقدوم حملة حبشية نهبت البلاد وأسرت النساء والعيال وساقت المواشي، فساقوا وراءهم واشتبكوا معهم وهزموهم، وأطلقوا الأسرى وأعادوا الأموال والمواشي إلى أصحابها، فعلا شأنهم وطار صيتهم في المنطقة كفرقة مجاهدين متطوعة لصد عدوان الأحباش.

 

الصراع ضد الحكام المتخاذلين:

قوي شأن هؤلاء الفتية شيئاً فشيئاً حتى خشي السلطان “أبو بكر” على ملكه منهم وقرر القضاء عليهم، وخرج بنفسه لقتالهم، فكانت الدائرة عليه، وهزموه، فعاد وحشد قواته وطردهم حتى حصرهم في جبل بضعة عشر يوماً، وقتل أميرهم في ذلك الحصار، وتوسط بعض العقلاء في الصلح، فأصدر السلطان عفوه عنهم وسمح لهم بالعودة إلى “زيلع”، وأن تبقى معهم خيولهم وآلة حربهم.

 

وما لبث السلطان أن نقض العهد وأخذ الخيول والسلاح، وقتل أحد كبارهم، وتوعد “أحمد جورَيّ” بالقتل، فهرب من البلد باتجاه هرر، فخرج السلطان وراءه وهو يهرب من وجهه في كر وفر، وانضم إليه عدد من الناقمين الكارهين فصار معه قرابة 200 راجل وسبعة فرسان، واستطاعوا مرة هزيمة قوة كبيرة أرسلها السلطان “أبو بكر” وراءهم فازدادوا بها قوة، وخرج السلطان وراءهم وأخلى البلد من الحامية، فقاموا بحركة التفاف لمهاجمة البلد، فعلم بذلك السلطان، وأدركهم على حدود البلد، فانسحبوا في جنح الليل لعدم تكافئ القوى، فسار السلطان وراءهم من اليوم التالي، فعادوا عليه وهزموه هزيمة منكرة، وسار “أحمد” بجنوده إلى “هرر” فاستولى عليها، وأمّن أهلها، ونادى فيها بالعدل والانصاف.

 

أعاد السلطان تجميع قواه وسار على رأس جيش جديد لمهاجمة “أحمد جوري” الذي علم بمسير السلطان إليه فاستعد لمواجهته، واستطاع حصر الجيش القادم، وتوسط لدى الطرفين الفقهاء والمشايخ لحقن الدماء، فاتفقا على أن يبقى السلطان في سلطنته على أن يعترف ب “أحمد جوري” أميراً على البلاد التي وقعت تحت سيطرته، وعادتهم في ذلك الوقت أن الأمير هو حاكم البلاد الفعلي على أن يؤدي للسلطان ضريبة معلومة مفروضة في كل سنة، وهكذا استتبت الأمور ل “أحمد جوري” الذي تلقب بالإمام، فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وجلس للمظالم، وأمن الطرق، فأحبه الناس وانتعشت أحوال البلاد، وجرى ذلك حوالي سنة 931 وكان عمر “أحمد جورَيّ” في حدود عشرين سنة، وبعدها بقليل توفى السلطان “أبو بكر” فجعل “أحمد جوري” مكانه قريباً له لا يخرج عن طاعته.

 

ومن هنا بدأت صفحات المجد العظيم للإمام.

 

خمسة عشر عاماً من الجهاد المتواصل:

نشأ الإمام “أحمد جوري” في دولة عدل صراع على السلطة بين الطبقة الأرستقراطية الإسلامية التقليدية, التي تمثلها بصفة خاصة فئة التجار ومن يساندها من العلماء، وكانت هذه تدعو إلى دعم السلام مع الحبشة الصليبية ولو بتأدية الجزية, وذلك لضمان مصالحها الاقتصادية، وبين الفئة المجاهدة من الصوماليين المسلمين التي كانت تسعى للتخلص من التبعية الحبشية عن طريق الجهاد، والتوسع في أرض الحبشة، فبذلك يكسب الصوماليون أراضي جديدة ينتشرون فيها, ويحصلون على الكثير من الخيرات والغنائم، وفي الوقت ذاته ينشرون الإسلام.

ورافق هذا الصراع الداخلي، صراع خارجي مع الحبشة، ذلك الصراع الذي لم يتوقف منذ القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي؛ لأن الحبشة كانت حريصة على الحد من النشاط التجاري للمسلمين، وضم بلادهم إليها، ولاسيما أن الأراضي التي كانوا يسيطرون عليها، كانت تفوق في مساحتها أرض مملكة الحبشة النصرانية نفسها.

 

وكانت تلك الأراضي تحيط بها من الجنوب والشرق مما جعلها مطوقة بالمسلمين، إذا ما أضيف إليها من الغرب السودان المسلم أيضاً، وإلى جانب ذلك كانت جميع الموانئ على ساحل البحر الأحمر بيد المسلمين، مما عزلها عن العالم الخارجي.

 

كان على الإمام “أحمد جوري” أن يبذل جهداً مضاعفاً من أجل تهيئة الداخل الصومالي لاستعادة زمام المبادرة ضد الحبشة الصليبية التي استطالت بقوة على المسلمين بعد دخول البرتغاليين في ميدان الصراع.

تمكن هذا القائد الفذ من القضاء على كل عوامل الفتنة والشقاق والاضطراب التي حدثت في إمارة عدل، بعد هزيمتها على أيدي الأحباش، ومقتل الأمير محفوظ، وأدب الخارجين وقطاع الطرق، وقبض على زمام الأمور كلها في إمارة عدل، وأتبع سياسة موفقة جمعت الناس من حوله، فأقام شعائر الدين، وقام بنشر العدل بين الرعية، وعمل على توفير الحياة الكريمة لهم، وقام بتوزيع الزكاة على مستحقيها، كما عرف عنه العدل في قسمة الغنائم، وأوقف كتب العلم على العلماء، وكسب بذلك حب الفقهاء والعلماء والمشايخ، كما كسب أيضا محبة الرعية بالإضافة إلى محبة الجنود.

 

وفي هذه الفترة توسعت الدعوة الإسلامية بشكل كبير على أيدي دعاة محليين وعرب وفدوا من القاهرة بعد تخرجهم من الأزهر الشريف، وأسلم الكثيرون من قبائل البدو الرحل من العفر والصومال، وشكل إسلامهم قوة جديدة للإسلام في هذه الديار، وأنشأت الكثير من المساجد والكتاتيب لتحفيظ القرآن الكريم.

 

مرت عدة سنوات و”أحمد جوري” يعدّ العدة ويجهز الجيوش ويعقد التحالفات من أجل الهدف الكبير وهو غزو بلاد الحبشة ورد كيدهم عن المسلمين وفتح بلادهم وضمها لبلاد الإسلام.

بعد ذلك باشر الإمام “أحمد” في تكوين جيش منظم، واستجابت له كبريات القبائل الصومالية، وبخاصة قبيلة هبر مقادل من إسحاق، وقبيلة هارتي، وتعني القوي بالصومالية، وقبيلة مريحان، واتسم هذا الجيش بالانضباط والثبات، وهما عنصران أساسيان للقتال، ورغم أن جنوده كانوا أبناء عدة قبائل صومالية، إلا أنهم تخلوا عن ولائهم القبلي وانضموا إليه وقاتلوا معه تحت راية الإسلام  إمام المسلمين في تلك البلاد.

 

افتتح غزواته سنة 1527 م / 933 هـ بالنصر الكاسح على الأحباش في معركة “أديس” تلك المعركة التي انتقم فيها لمقتل الأمير محفوظ.

فعلى إثرها التف حوله بنو جلدته من الصوماليين لما أظهره من شجاعة وحنكة عسكرية, وفي الوقت ذاته تزوج من دِبْل مَعْبره ابنة الأمير محفوظ مكافأة له على نصره.

وبذلك ضمن عرش هرر وولاء القبائل والبطون الصومالية والعفرية والعربية في القرن الأفريقي.

 

توالت الانتصارات بعد معركة “أديس”، انتصارات مبهرة جعلت الكثيرين يلتفون حوله.

وانضم إليه زعماء وثنيون، وأسلم معهم أتباعهم، كما انضم إليه نصارى أسلموا وآخرون دفعوا له الجزية.

وهكذا ظفر الإسلام في هذه الحركة بأعداد كبيرة، وانتهز الذين أُجبروا على ترك الإسلام وتظاهروا بالنصرانية بسبب تسلط الأحباش، هذه الحركة، فرجعوا إلى الجهر بإسلامهم.

وبلغ عدد المسلمين الجدد في ذلك الوقت عشرات الآلاف.

ولمدة خمسة عشر عاماً من الجهاد المتواصل ضد الحبشة الصليبية استطاع الإمام “أحمد جوري” أن يحقق عشرات الانتصارات، وفيها كان “أحمد جران” والأحباش يتحاربان وحدهما من دون عون من الخارج.

 

ولكن لم يستطع الإمام أحمد استثمار هذا النصر الذي فتح أمامه أبواب الحبشة، فقد كانت القبائل التي انضوت تحت لوائه معتادة على أن تقوم بغارات خاطفة على الأراضي الحبشية تعود بعدها بالغنائم إلى أوطانها، فلما عزم الإمام على متابعة القتال تململ جنوده من المقام في الهضبة الحبشية بعيداً عن أوطانهم، فما أمكنه البقاء وعاد بجيشه إلى الصومال، ومضت سنتان قبل أن يهاجم الأحباش من جديد، وجرت في سنة 938 معركة “أمباسل” التي هزم فيها الحبشة هزيمة منكرة، وكاد الإمبراطور فيها أن يقع أسيرا، فتابع أحمد طريقه هذه المرة لغزو الهضبة الأثيوبية، فسار من بلد لأخرى وخرب الكنائس واستولى على نفائسها، حتى وصل تيجري وهزم جيش الحيشة الذي تجمع لصده عنها، وبلغ ذروة انتصاره عندما وصل أكسوم في أقصى الشمال ودمر كنيسة مريم الكبرى التي كان ملوك الحبشة يتوَّجون فيها منذ قرون عديدة.

 

الإمام أحمد والبرتغاليين:

 

كانت السفن البرتغالية تنطلق من الهند من مستعمرتها في ميناء جوا على سواحل مليبار، وتجوب بحر العرب والبحر الأحمر للتصدي للسفن التجارية العربية، وكان ضمن مخططاتها مهاجمة الحجاز لأهداف دينية بحتة، وكان الإمبراطور الحبشي داويت الثاني قد قلص علاقته بالبرتغاليين لخشيته منهم، بعد أن قتل محفوظ أمير “زيلع” واعتقد أنه انتهى من التهديد الصومالي.

وفي سنة 947 قاد استيفانو دا جاما، ابن الرحالة المشهور فاسكو دا جاما، حملة بحرية جعلت من ميناء مصوع في  جنوبي البحر الأحمر قاعدة لها، وتركت فيه بعض السفن والرجال، واتجهت شمالاً لتفاجئ الأسطول العثماني في السويس وتدمره، ولكن العثمانيين كانوا على علم بقدوم الحملة فاستعدت لها سفنهم وأجبرتها على الانسحاب والعودة  إلى ميناء مصوع الذي كان ضمن مملكة الحبشة آنذاك.

وكان ذلك إيذاناً بعودة الطرف البرتغالي إلى معادلة الصراع بعد سنوات من الجفاء بسبب سياسة داويت الثاني.

 

وكان البرتغاليون الذي مكثوا في مصوع قد علموا بأنباء القتال الدائر بين المسلمين وبين الأحباش المسيحيين، فاقترحوا على “استيفانو” مساعدة الحبشة، فأرسل أخاه “كريستوفر دا جاما” البالغ من العمر 24 سنة، على رأس 400 من رماة البنادق مع عدد من الحرفيين والمساعدين، ساروا جنوباً نحو الهضبة الإثيوبية صحبة نائب الإمبراطور في المقاطعات الشمالية، وحجزهم موسم الأمطار عن متابعة السير، فعسكروا في مكانهم وقاموا بالإغارة على القرى الحبشية القريبة التي دانت بالطاعة للإمام “أحمد”، والتقوا في تلك الفترة بالملكة سابلة وَنْقَل زوجة الإمبراطور “داويت الثاني” ووالدة الأمير “كلاوديوس”، واتفقوا على دعمه في حربه ضد الإمام “أحمد”.

 

وكان أول لقاء بينهم وبين الإمام “أحمد” في ذي الحجة من سنة 948 عقب عيد الأضحى، بالقرب من نهر في منطقة بحيرة “أشنجه”، ووفقاً للتعاليم الإسلامية قام الإمام بدعوة الخصوم إلى الإسلام أو مغادرة بلاده أو الحرب، وأمهلهم 3 أيام، فلما لم يقبلوا هاجمهم في اليوم الرابع، ولكنه لم يستطع التغلب على البرتغاليين، وأصابت الإمام طلقة طائشة جرحت فخذه، فأمر بالانسحاب.

وما أن رأى البرتغاليون والأحباش الراية التي تشير بالانسحاب حتى انقضوا على جيش الإمام يتتبعونه، فأوقعوا فيه خسائر، ولكنهم لم يدحروه، فقد أعاد تجميع قواته على الطرف الثاني من النهر، وأرسل في طلب الإمدادات ليخوض المعركة من جديد.

 

ولما بدأ المدد يصل تباعاً بعد حوالي أسبوع من المعركة الأولى تحرك “دا جاما” على الفور للقضاء على خصمه قبل أن يصبح في أوج قوته، فهاجمه في اليوم العاشر، وصفَّ جيشه على النحو الذي أثبت نجاحه من قبل؛ كردوس المشاة المربع، وقاتل المسلمون بعزيمة أشد وكادوا أن يدحروا “الكردوس” لولا أن انفجر بعض البارود في الطرف البرتغالي جفلت معه خيل المسلمين وارتدت على عقبها، فهاجمهم الخصم واضطرهم إلى الانسحاب كيفما اتفق، وأصيب الإمام “أحمد” بجراح وحمله رجاله على أكتافهم بعيداً عن المعركة، ولم تكن خسائر البرتغاليين قليلة، بل كانت بالغة لدرجة أن أحد من حضروا المعركة تحسر أن لم يبق لديهم فرسان تمكنهم من تعقب المنهزمين والقضاء عليهم.

 

وبعد هذه الهزيمة الطارئة بدأ أهل المناطق الحبشية في التنكر للإمام “أحمد” وامتنعوا عن تقديم الزاد له، وفي هذه الأثناء وصلت إمدادات حبشية إلى معسكر “دا جاما”، فسار بهم جنوباً يتعقب الإمام “أحمد” حتى لحق به بعد عشرة أيام، ثم جاء موسم الأمطار وأصبح القتال متعذراً إلى أن تدخل السنة الجديدة، وخيم الطرفان على مرأى من بعضهما البعض؛ الأحباش والبرتغاليون بالقرب من البحيرة والإمام على جبل “زوبِل”.

 

أرسل الإمام “أحمد” إلى الوالي العثماني في “زبيد” في اليمن يستنجده، وكانت الدولة العثمانية -كما أسلفنا- على وعي بنوايا البرتغاليين في السيطرة على التجارة في بحر العرب لدوافع تجارية، وفي الهجوم على الحرمين والحجاز لدوافع دينية، فأمده الوالي بألفين من متطوعة العرب، و900 من رماة البنادق الأتراك، وما أن انتهى الشتاء والأمطار حتى هاجم الإمام “أحمد” المعسكر البرتغالي في معركة “وفلا”، وذلك في منتصف سنة 949، وانجلت المعركة عن مقتل حوالي نصف البرتغاليين، وغنم “أحمد” معظم أسلحتهم النارية، وأصيب “دا جاما” بجروح بالغة وأُسِر مع عشرة من قواده، وعرض عليه الإمام أن يطلق سراحه إذا هو أسلم، فلما رفض قتله بيده تشبهاً بصلاح الدين عندما قتل الكلب الصليبي “أرناط” أمير الكرك الصليبي.

 

معركة “زنطر” واستشهاد الإمام أحمد:

حدث تطور غير محسوب في القتال لحكمة لا يعلمها إلا الله -عز وجل- فقد قام الإمام “أحمد” بالاستغناء عن خدمات القوات العثمانية بسبب رغبة الانكشارية في الغنائم، فسّرحهم من القتال الذي كان قبل ذلك جهاداً خالصاً لا مكان فيه لأطماع ومغانم الدنيا.

 

وقد استغل البرتغاليون والأحباش هذا الانسحاب  واستفادوا من سلاح كانوا قد خزنوه في الأراضي الحبشية، وشكل الأحباش جيشاً قوامه قرابة 9000 جندي، وساروا لقتال الإمام “أحمد”، وكان أول اشتباك لهم في 9 ذي القعدة مع قوة من الفرسان والمشاة الصوماليين بقيادة أحد أمراء الإمام المدعو “سيد محمد”، واستطاع الأحباش هزيمة هذه القوة وقتلوا قائدها وعرفوا من الأسرى أن الإمام على مسيرة 5 أيام منهم، فاتجهوا ناحيته ومعنوياتهم في أوجها بسبب النصر الذي حققوه.

 

لما وجد الجيش الحبشي البرتغالي الإمام “أحمد” عسكروا قريباً منه، وتريث الإمبراطور “كلاوديوس” في الهجوم عليه طمعاً في وصول إمدادات برتغالية جديدة، وأمضى الطرفان بضعة أيام وهما يتناوشان غارات الخيالة، ورجحت الكفة في هذه الغارات إلى جانب الطرف الحبشي البرتغالي، ثم استطاع الصوماليون قتل قائد حبشي كبير هو “أزماش كِفلو”، فتشاءم بذلك الأحباش، وتضعضعت نفوسهم، وهمّ كثيرون منهم بترك القتال، فخشي الإمبراطور “كلاوديوس” أن ينفض أغلب جيشه إن ترك الأمور على غاربها، فقرر أن يقوم بهجومه في اليوم التالي.

 

وفي يوم 17 ذي القعدة 949 في “واينا داقا شرقي” بحيرة “تانا”، وقسم الإمام جيشه إلى قسمين، ونجح المسلمون في البداية في دحر العدو، ولكن هجمة من خيالة البرتغال والحبشة زحزحتهم عن مواقعهم، فقام الإمام “أحمد” بدخول القتال وقيادة هجوم مضاد بنفسه، بعد أن هانت عليه نفسه في سبيل الله، كيما يحمس المسلمون على الصمود، وكان أحد الرماة البرتغاليين يترصده بنية أن يثأر لمقتل دا جاما، فلما سنحت له فرصة أطلق عليه النار فأرداه قتيلاً.

 

بعد استشهاد الإمام “أحمد” خلفه ابن أخته “النور بن مجاهد” فعقد العزم على مواصلة الجهاد، فأخذ بالأسباب وحصن هرر وبدأ في توطيد سلطانه، والتحالف مع القبائل، ومضت قرابة 10 سنوات دون كبير قتال إلى سنة 962، حين بدأ “نور” جهاده فهاجم سهول بالِه في شرق الحبشة ثم هاديه، وفي سنة 966 هاجم منطقة “فاتَقار” واشتبك مع الإمبراطور “كلاوديوس” وأرداه قتيلاً، وأخذ بثأر خاله الإمام “أحمد”، واستمر “نور” في غزو الأراضي الحبشية مدة 12 سنة أخرى، قبل أن يتوقف ويعود إلى “هرر”، حيث وافته منيته سنة 975.

 

ولجهاده الطويل كان يلقب صاحب الفتح الثاني.

 

واستولى العثمانيون في سنة 964 على ميناء مصوع، فكانت ضارة نافعة؛ إذ انقطع الطريق الذي يصل الحبشة بالعالم الخارجي، فأصبحت في عزلة مكنتها إلى حد كبير من أن تعود إلى سابق عهدها في العيش بعيداً عن المؤثرات الخارجية، مع تصارع الأسر الحاكمة فيها على الملك، أما الصومال فبقيت في حكم الأسر المحلية يظلها سلطان الدولة العثمانية.

 

استمر الصراع الإسلامي الصليبي على وتيرته حتى بداية مرحلة الاستعمار الأوروبي لأفريقيا، ووجد القرن الأفريقي نفسه بمسلميه ونصرانييه في مواجهة الاحتلال الإيطالي والإنجليزي والفرنسي، وأصبح القرن الأفريقي بموقعه الجغرافي الاستراتيجي الهام هدفاً مستمراً للعدوان الخارجي، وإن كان ثمة اتفاق دائم على عداوة المسلمين ومحاصرتهم واحتلال أراضيهم خاصة إقليم الأوجادين الذي ما زال محتلاً حتى الساعة من قبل الحبشة الصليبية.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات
جميع التعليقات
  • شريف عبدالعزيز - عضو الفريق العلمي
    Yusuf

    ‏السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    ‏شكرا جزيلا لتاريخ المسلمين
    ‏أنا من العفر