طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الأحـداث التاريخية > دروس التاريخ > دروس من واقع دولة المدينة (دراسة في الإجراءات والتطبيقات)

ملتقى الخطباء

(752)
1059

دروس من واقع دولة المدينة (دراسة في الإجراءات والتطبيقات)

تاريخ النشر : 1438/02/23
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

ومن المعلوم لدى الساسة أن إقامة أيّ مجتمع يتطلب خطوات تنظيمية قبل الانتقال إليه، وقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم-يدرك حقيقة هذا الأمر، ولذا نراه يخطط لقيام المجتمع الإسلامي قبل بدء الهجرة النبوية الشريفة، وتجلى ذلك في دقة اختياره للعامل الجغرافي والعامل البشري اللذين سيقوم عليهما المجتمع الإسلامي الناشئ بالمدينة المنورة.

 

 

 

 

إن الذي قام به النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- من تغيير في التاريخ الإنساني، وفي كل الاتجاهات وجوانب الحياة، لحري أن تؤخذ منه الدروس والعبر لمعرفة رؤيته عليه -الصلاة والسلام- وتفكيره الاستراتيجي في التغيير، فقد كان قدوة في كل جوانب الحياة، ووضع أسساً لأمة قادت العالم لقرون عديدة ولديها القدرة على القيادة إن رجعت إلى تلك الأسس التي بناها عليه -الصلاة والسلام-، ونحن في بحثنا سنتناول تباعاً، الإجراءات التي رسمها وطبقها رغم كل التحديات في حينه، ومنها كانت قاعدة انطلاق الأمة، ومن هذه الإجراءات: التهيئة والتأسيس، الاستشراف والتخطيط  والبناء، واختيار المكان.

 

أولاً: التهيئة والتأسيس.

 

إن المرحلة المكية ما هي إلا مرحلة إعداد وبناء الإنسان، عقيدةً وفكراً وسلوكاً، والذي سيكون الأساس في بناء دولة الإسلام الفتية، والتي ستُكوّن النموذج الجديد المغاير والمواجه لأكبر إمبراطوريتين في ذلك الزمان "فارس والروم"، وتضع أُسُساً جديدة لقوانين الحياة لم يألفها الناس، وستُرْسي دعائم الحق والعدل والحرية والمساواة للناس كافة، وما المرحلة المدنية بعد الهجرة إلا امتداد لهذه المرحلة المهمة والخطيرة في تاريخ الدولة الإسلامية الوليدة، حيث أن الجيل الأول تحمل أشد أصناف العذاب والعنت متمسكاً بعقيدته وثابتاً على المبادئ التي آمن بها، ورغم كل هذه المعاناة، كان الإنسان المسلم مُصِرّا على أن يَعُمَّ هذا الهدى والخير كل الناس، فكانت أعداد المؤمنين بهذا الدين في ازدياد، فما بالك لو تهيأت ظروف آمنة ومن دون عقبات ماذا ستكون النتيجة؟، إذن لابد من البحث عن مكان لبناء دولة الإسلام ونشر المبادئ السامية لهذا الدين الحنيف، فكانت الحاجة ماسة للهجرة، فهيأ الله -تعالى- بيعتي العقبة الأولى والثانية، ففي الأولى آمن سبعة من الأنصار كان لهم الفضل في إيمان بقية أهل المدينة ومهدوا للبيعة الثانية الكبرى، وفي ذلك يقول الدكتور مصطفى السباعي:

 

فلقد كان لإيمان السبعة الأوائل من الأنصار الذين التقوا برسول الله -صلى الله عليه وسلم-  أول مرة، ما أدى إلى تغلغل الإسلام في المدينة، وكان لهذا التغلغل أثر في انتشار الإسلام وسيطرته عليها، مما مهد للمؤمنين المضطهدين في مكة أن يجدوا في المدينة مَهاجراً يتمركزون فيه ، ولرسول الله -صلى الله عليه وسلم- موئلاً أميناً يقيم فيه دولته، ويبث منه دعوته، وينطلق منه أصحابه إلى مقاومة الشرك والمشركين …[1].                          

 

 وأما بيعة العقبة الثانية فقد كانت بنودها فيها المناصرة والمنعة للدعوة الإسلامية، وقد وردت في كتاب الرحيق المختوم ما يأتي:

روى ذلك الإمام أحمد عن جابر مفصلاً‏ قال جابر‏‏ قلنا‏: ‏ يا رسول الله، علام نبايعك‏؟ ‏ قال‏: ‏ "على السمع والطاعة في النشاط والكسل‏، وعلى النفقة في العسر واليسر‏، ‏ وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏، ‏ وعلى أن تقوموا في الله، لا تأخذكم في الله لومة لائم‏، ‏ وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة‏"‏‏. ‏

 

وفي رواية كعب-التي رواها ابن إسحاق-البند الأخير فقط من هذه البنود، ففيه‏: ‏ قال كعب‏: ‏ فتكلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال‏: ‏ "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نسائكم وأبناءكم‏"‏‏. ‏ فأخذ البراء بن مَعْرُور بيده ثم قال‏: ‏ نعم، والذي بعثك بالحق نبيًا، لنمنعنك مما نمنع أُزُرَنا منه، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحرب وأهل الْحَلْقَة، ورثناها كابرًا عن كابر‏. ‏قال‏: ‏ فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  أبو الهيثم بن التَّيهَان، فقال‏:‏ يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالاً، وإنا قاطعوها يعنى اليهود فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا‏؟

قال‏: ‏ فتبسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم قال‏: ‏ ‏"بل الدَّمُ الدَّمُ، والهَدْمُ الْهَدْمُ، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم‏" ‏‏[2]. ‏

 

فتم له -صلى الله عليه وسلم- اختيار المكان بإلهام من الله –تعالى- ثم بتخطيط القائد البارع باستشراف (وهو فن وعلم استكشاف المستقبل) وعبقرية تراعي كل الامتيازات التي لابد منها لتحقيق النجاح، فكانت الهجرة إلى المدينة المنورة.

 

يقول محمد عبد الله محمد خضر:

شكلت الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة منعطفاً حاسماً في مسار التاريخ الإسلامي، وذلك نظراً لما أسست له من تحولات عميقة وجذرية سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، فقد بات من المتفق عليه بين المؤرخين أن حدث الهجرة كان إعلاناً لبزوغ مرحلة الدولة الإسلامية، بعد مرحلة الدعوة في مكة المكرمة، وقد وضع الرسول -صلى الله عليه وسلم- خلال هذه المرحلة الجديدة المعالم الأساسية للمجتمع الإسلامي في كل أبعادها، الفردية والجماعية، العامة والخاصة؛ بل إن تقسيم آيات القرآن الكريم إلى مكية ومدنية حسب مراحل نزولها، دليل على أهمية وخصوصيةً كل مرحلة، وبالتالي فإن الهجرة كحدث فاصل بين هاتين المرحلتين جدير بالاهتمام والدراسة.

 فكيف أسس الرسول -صلى الله عليه وسلم-، بعد الهجرة مدينة بأكملها، أو بالأحرى كيف أعاد تهيئة مدينة صغيرة ليجعل منها في ظرف وجيز نسبياً حاضرةً مهمة نافست ولا تزال أهم حواضر عصرها؟ ما هي الأسس المادية والتنظيمية التي اعتمدها الرسول الأكرم -صلى الله عليه وسلم- في بناء النواة الأولى للمجتمع الإسلامي؟ وما هي خصائص المجتمع العمراني وكيف ساهمت العقيدة الجديدة في بلورتها؟ [3].

 

يقول د. ماهر عباس جلال: "فقد ظل المسلمون بمكة ثلاث عشرة سنة منذ بدء البعثة النبوية الشريفة، يتهددهم الخوف وينالهم أذى كفار قريش، حتى صاروا ما بين مُسْتَضْعَفٍ، وآخر مُعَذب، وثالث مفتون عن دينه، ورابع مستخْفٍ في عبادته. ولذا كان لابد من الهجرة بالدعوة الإسلامية من هذه البيئة الفاسدة إلى بيئة إيمانية صالحة لاحتضانها والدفاع عنها من جانب، ولإقامة المجتمع الإسلامي من جانب آخر.

 

وفي صدد التخطيط لقيام المجتمع الإسلامي يقول:

ومن المعلوم لدى الساسة أن إقامة أيّ مجتمع يتطلب خطوات تنظيمية قبل الانتقال إليه، وقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم-يدرك حقيقة هذا الأمر، ولذا نراه يخطط لقيام المجتمع الإسلامي قبل بدء الهجرة النبوية الشريفة، وتجلى ذلك في دقة اختياره للعامل الجغرافي والعامل البشري اللذين سيقوم عليهما المجتمع الإسلامي الناشئ بالمدينة المنورة.

 

وحول توافر العامل الجغرافي يقول:

أما بالنسبة للعامل الجغرافي فقد وقع اختيار على يثرب نظراً لموقعها الاستراتيجي المهم بين شمالي شبه الجزيرة العربية وجنوبيها، ولتحصنها الطبيعي الحربي، حيث تحيط بها الجبال و الحرار من الناحيتين الغربية والشرقية، وتحيط بجهاتها الأخرى –عدا الجهة الشمالية فقط- أشجار النخيل والزروع، تتخللها طرق ضيقة لا يتمكن العدو منها، كما تتمتع المدينة بمركز اقتصادي مهم، بالإضافة إلى وجود نشاطين – تجاري وصناعي-  حيويين بها[4].

 

وعن توافر العامل البشري يقول:

وأما بالنسبة للعامل البشري فقد كانت الدعوة الإسلامية بحاجة ماسة إلى عناصر بشرية تقوم على حمايتها في المجتمع الجديد، ويتوافر فيها القوتان المادية والمعنوية اللازمتان لذلك.

وأهل المدينة من الأوس والخزرج كانوا ذوي بأس وقوة تؤهلهم لأن تقوم على أكتافهم دعائم المجتمع الجديد الناشئ، وأن يتولوا الدفاع عنه ضد الأخطار التي تهدده من جانب أعداء الإسلام في شبه الجزيرة العربية.

 

مبيناً خصائص العناصر البشرية بالمدينة المنورة المؤهلة لبناء المجتمع بقوله:

فأهل المدينة عرف عنهم أنهم أهل حرب ومنعة وإباء، بالإضافة إلى وجود عنصر القرابة بينهم وبين الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فقد كان بين الرسول وبينهم أنساب، وهم من بني عدي بن النجار أخواله، مما يجعلهم أكثر تحمساً وتفانياً في الدفاع عن الدعوة الإسلامية والمجتمع الإسلامي الوليد.

 

هذا بالإضافة إلى تحقق القوة الإيمانية فيهم، مما يجعلهم يضحون بكل غال ونفيس في سبيل إقامة المجتمع الإسلامي وحمايته. ورأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يمهد لدعوته حتى يتأكد من تحقق القوة المعنوية في نفوس أهل المدينة استعداداً لاستقبال الدعوة الإسلامية[5].

 

 يقول الدكتور عماد الدين خليل:

بدأ الرسول -صلى الله عليه وسلم- منذ دخوله المدينة يسعى إلى إنجاز المهام الملقاة على عاتقه في مطلع المرحلة الجديدة من الدعوة والتي تستهدف (إنشاء  الدولة الإسلامية)  على أسس راسخة وتهيئة كافة الشروط والمتطلبات لتحقيق هذا الهدف. ولقد كان بناء المسجد الخطوة الأولى على هذا الطريق، ثم أعقبه إصدار (الوثيقة) والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وتشكيل جيش إسلامي مقاتل يمتلك القدرة على حماية الدولة الناشئة والمساعدة على تحقيق أهدافها في الوقت نفسه[6].

 

وخلاصة القول هناك عدد من العوامل هي:

العامل الجغرافي، العامل الاقتصادي (التجاري والصناعي)، العامل البشري (وجود عامل القرابة)، العامل الإيماني.

كل هذه وربما غيرها ساعدت على تحقيق هدف اعلى هو: بناء الدولة الاسلامية، وبإجراءاته الأساسية هي:

1-بناء المسجد.

 

2-اصدار وثيقة المدينة المنورة المعروفة.

 

3-المؤاخاة.

 

4-تشكيل جيش اسلامي.

وسنتناول بإذن الله الإجراءات تباعاً، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم-.

 

والحمد لله رب العالمين.

 

المصدر: موقع رؤية.

 

—–

[1] (السباعي، د. مصطفى السباعي، السيرة دروس وعبر، دار الكتب العربية، ط/1، لسنة 1392هـ/ 1972م، ص70ـ71).

[2] (المباركفوري، صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم، المطبعة العالمية، توزيع مكتبة العلم الحديث، ط/1، سنة 1422هـ/ 2001م، ص 125ـ 126)

[3] (محمد عبد الله محمد خضر، من مقال: الهجرة النبوية وتأسيس المدينة الإسلامية.  http://dubeibat.ahlamontada.com/t294-topic )

[4] (د. ماهر عباس جلال – جامعة القاهرة، من مقال: المجتمع الإسلامي بالمدينة المنورة، موقع مجلة المنهل على النت)

[5] (د. ماهر عباس جلال – جامعة القاهرة، من مقال: المجتمع الإسلامي بالمدينة المنورة، موقع مجلة المنهل على النت)

[6] (خليل، د. عماد الدين خليل، دراسة في السيرة، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، ط/14، سنة 1416هـ/1996م، ص 123).

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات