طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||
ملتقى الخطباء > الأحـداث التاريخية > دروس التاريخ > المسلمون في الهند من تاريخ عظيم إلى واقع أليم ـ مظاهر وأسباب

ملتقى الخطباء

(2٬299)
1056

المسلمون في الهند من تاريخ عظيم إلى واقع أليم ـ مظاهر وأسباب

تاريخ النشر : 1437/07/28
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

القضية الكلية والسبب الجامع لذلك التدهور يرجع لكون المسلمون فتحوا معظم بلاد الهند في وقت الضعف وتواهي الخلافة الإسلامية، فلم يتمكن المسلمون من نشر تعاليم الإسلام بصورة صحيحة وكاملة، مما جعل دولة الإسلام في الهند غير مستقرة، دائمة التقلب، ثوب ريادتها مليء بالثقوب والخروق، مما جعل الهندوس يقيمون لهم عدة ممالك قوية في جنوب الهند ناوأت دولة الإسلام في الشمال لفترة طويلة، وسهلت طريق الاحتلال في القضاء على الحكم الإسلامي لبلاد الهند.

 

 

 

عندما نتكلم عن بلاد الهند في التاريخ فإننا لا نعني بذلك دولة الهند القائمة اليوم بحدودها المعروفة، ولكن نعني بذلك شبه القارة الهندية التي انقسمت بفعل الاحتلال الصليبي الذي يكره بشدة الكيانات الكبيرة وبالأخص تلك التي يحكمها المسلمون، انقسمت هذه البلاد الشاسعة الآن لعدة دول هي: الهند، وباكستان، وبنجلاديش، ونيبال، وبوتان، وسيريلانكا، إضافة إلى ما يتبعها من جزر في الشرق، وسيلان أو سرنديب في الجنوب.

 

المحيط الهندي وهي: جزر المالديف، وجزر لكاديف في الغرب، وأندمان ونيكوبار في ـ وشبه القارة الهندية عالم قائم بذاته جغرافيًا في قلب القارة الآسيوية، ففي الشمال جبال الهمالايا الشامخة والتي تعرف بسقف الدنيا، وفي الشرق جبال آسام وهي في الأصل متفرعة من جبال الهمالايا، وفي الغرب جبال الهند وكوش الممتدة حتى الشاطئ، أما في جهة الجنوب فالمحيط، وهي بلاد شاسعة ممتدة الأرجاء تبلغ مساحتها قرابة 4.5 مليون كيلو متر مربع، وبها الكثير من الشعوب والقوميات واللغات واللهجات، وكانت عبر التاريخ من المناطق المؤثرة على ركب الحضارة ومسيرة البشرية، وتعددت بها الأجناس والديانات بصورة واسعة حتى يمكن القول أن شبه القارة الهندية هي تجسيد حقيقي لجميع أدوار تاريخ البشرية في شتى صوره، وفيها التمثيل الكامل لفروق الآدميين وما عرفوه من معتقدات منذ ظهور الوثنيات حتى هداية الناس إلى التوحيد.

 

ونظرًا لاتساع رقعة هذه البلاد لم يستطع حاكم واحد أو دولة واحدة أن تخضع جميع أقاليمها، فقامت بها العديد من الممالك والإمارات حتى آخر العهد الويدي، حيث بدأت معالم النظام الطبقي في الهند تتبلور وتستقر بين أهل هذه البلاد، وكان نظام الطبقات الهندي من أشد صور الظلم والقسوة والاستهانة بالكرامة الإنسانية، وقبل ميلاد المسيح -عليه السلام- بثلاثة قرون ازدهرت في الهند الحضارة البرهمية، ووضع فيها مرسوم جديد للمجتمع الهندي، وألف فيه قانون مدني وسياسي وهو المعروف الآن باسم (منوشاستر)، ويقسم هذا القانون أهل البلاد إلى أربع طبقات وهي:

(1) البراهمة: وهم طبقة الكهنة ورجال الدين، ولهم امتيازات وحقوق تضعهم في مصاف الآلهة عندهم.

 

(2) شترى: وهم طبقة العسكريين ورجال الحرب.

 

(3) الويش: وهم طبقة رجال التجارة والزراعة.

 

(4) الشودر: وهم المنبوذون والخدم، وهم عند البراهمة أحط من البهائم وأذل من الكلاب.

 

وصل الإسلام إلي الهند مبكراً وتمثل أول قدوم للإسلام عبر محور بحري انتقل الإسلام عبره عن طريق التجار العرب الذين تعاملوا مع موانئ سواحل الهند وحمل التجار العرب الإسلام في بدايته إلى الهند، وأصبح في كل ميناء أو مدينة اتصل بها العرب جماعة مسلمة، ومما لاشك فيه أن الرحلات التي كانت تسهل مهمتها الرياح الموسمية أثمرت في انتشار الإسلام على طول سواحل الهند، وظل الإسلام في الجنوب يتسم بطابع الدعوة السلمية، وأقبلت الطبقات المنبوذة والمستضغفة على اعتناق الإسلام فدخلت قبيلة تيان  وطبقة تشرومن أي (حراث الأرض) وجماعة (مكهة – ون) أي طبقة السماكين، وغيرهم من الجماعات التي خلصها الإسلام من القيود الطبقية، ولا زال الإسلام يكتسب أنصاراً جدداً في مناطق الساحل الغربي والشرقي من الطبقات المستضعفة، ولقد نشط هذا المحور وانتقل الإسلام من الساحل نحو الداخل في هضبة الدكن، واستقرت جماعات عديدة من العرب في الدكن. ولقد عبر الإسلام من ساحل ملبار إلى جزائر ومالديف، ومعظم أهل الجزر الآن من المسلمين، ويدين سكان هذه المناطق في دخولهم الإسلام إلى التجار العرب والفرس، وهكذا انتشر الإسلام في جنوب الهند بالحكمة والموعظة الحسنة عن طريق هذا المحور البحري، الذي نقل الإسلام إلى المناطق المجاورة للهند.

 

تاريخ المسلمين العظيم:

تم ذلك عن طريق الفتوحات الإسلامية العظيمة فقد بدأ المسلمون فتوحاتهم في بلاد الهند في نفس العام الذي بدأوا فيه فتوحاتهم في بلاد الأندلس وكان ذلك أيام ولاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) في عهد الدولة الأموية حين استولت مجموعة من القراصنة من بلاد السند بعلم ملكهم (راجا داهر) على ثماني عشرة سفينة للمسلمين كانت تمخر عباب بحر العرب بمن فيها من رجال ونساء وحمولات تجارية، فأعد الحجاج حملتين عسكريتين لتحرير الأسرى لكنهما فشلتا في تحقيق ذلك فأقسم ليفتحن هذه البلاد وليدخلنها المسلمون، وبالفعل وبعد موافقة الخليفة الأموي (الوليد بن عبد الملك) جهز الحجاج جيشاً قوياً جعل على رأسه القائد (محمد بن القاسم الثقفي) البالغ من العمر سبعة عشر عاماً في ذلك الوقت والذي كان والياً على الري ببلاد فارس المجاورة لبلاد السند. وبعد العديد من المعارك البرية والمواقع البحرية نجح القائد المسلم في حملته ووصل إلى شاطئ (نهر السند) الذي تقع عاصمة الملك (راجا داهر) على ضفته الشرقية وعرض عليه الإسلام فأبى فقاتله حتى انتصر عليه وقتله ثم استمر في مسيرته حتى فتح عاصمة بلاد السند في عام 90 هـ. وفى عهد الخليفة (عمر بن عبد العزيز) (99-101ه) أرسل إلى بقية ملوك وأمراء السند يدعوهم إلى الإسلام على أن يقرهم على مناصبهم ويبقيهم على ملكهم فدخل الكثير منهم في الإسلام وتسموا بأسماء إسلامية.وفى عهد الخليفة (هشام بن عبد الملك) عين القائد (الجنيد بن عبد الرحمن المرى) والياً على السند فأكمل انتصارات سابقيه وفى خلال عامين اثنين استولى على شمال غرب الهند بالكامل. وفي العصر العباسي باستثناء الصدر الأول للدولة العباسية لم يشهد فتوحات جديدة في شبه القارة الهندية؛ لأن معظم فتراته شهدت الكثير من الصراعات بين الولاة المسلمين وبعضهم خاصة من القبائل العربية التي وفدت إلى الهند، ولكن ذلك العصر شهد ترسيخاً لبعض الممالك وتقوية لأركانها وظهوراً لبعض الحكام الأقوياء حتى جاءت الدولة الغزنوية.

 

يُعَدُّ عهد الدولة الغزنوية هو البداية الثانية لعصر الفتوحات الإسلامية العظيمة في الهند، ويُشْتق اسم الدولة من مدينة (غزنة) الموجودة حالياً بأفغانستان. وقد بدأ عصر هذه الدولة يبزغ على يد مؤسسها القائد (سبكتكين) التركي الذي كان والياً على خراسان وغزنة وبيشاور. فكوَّن نواة الدولة الغزنوية وتفرغ لمحاربة ملوك وأمراء الهند وخاصة ملوك الشمال وأكبرهم الملك (جيبال) الذي قادهم ضد المسلمين الذين كان النصر حليفهم، وبذلك ترسخت أركان الدولة الوليدة ببلاد الأفغان وطاجيكستان. وبعد (سبكتكين) خلفه ابنه (محمود) لتدخل المنطقة في عهده عصراً جديداً من الفتوحات لم تشهد لها مثيلاً منذ بداية الفتوحات الإسلامية الأولى، فلم يكد الأمر يستقر له حتى بدأ نشاطاً جهادياً واسعاً أثبت من خلاله أنه من أعظم الفاتحين في تاريخ الإسلام. فقد استطاع السلطان (محمود الغزنوى) أن يدعم أركان الدولة بعد أبيه في خراسان وبلاد ما وراء النهر قزوين وسيطر على سهول البنجاب بما فيها مداخل الجبال و(ممر خيبر) الشهير، وقد قام بحملة كبيرة على شمال الهند عام (392هـ) انتصر فيها على العدو اللدود لأبيه الملك (جيبال) وجيوشه الجرارة فأحرق ذلك الملك نفسه هرباً من العار. وفى سنة (408هـ) فتح السلطان محمود إقليم (كشمير) وحوله إلى بلد مسلم ثم عبر بجيوشه نهر (الجانج) وهدم نحو عشرة آلاف معبد هندوسي. وبعد رحلة جهاد طويلة وشاقة وبعد أن أخضع شمال شبه القارة الهندية بالكامل لراية الإسلام مات السلطان (محمود الغزنوى) وخلفه مجموعة من الملوك والأمراء لم يستطيعوا أن يحافظوا على أركان دولتهم القوية فسقطت على يد الدولة الغورية عام (582هـ).

 

الدولة الغورية: نجح الغوريون في إقامة حكم إسلامي راسخ في الهند على أسس متينة، وقد تم ذلك على يد السلطان (محمد الغوري) الذي جاب بلاد الهند شرقاً وغرباً غازياً وفاتحاً طوال ثلاثين عاماً ما بين البنجاب والبنغال، وكان ذلك السلطان قائداً محنكاً وحاكماً عادلاً رشيداً يصاحب أهل الفضل وأرباب الأدب والفقه، وكان من خاصته الإمام الكبير (فخر الدين الرازي). وعندما مات السلطان (محمد الغورى) انفرط عقد الدولة الغورية وورثتها دولة المماليك.

 

دولة المماليك: ورث المماليك الدولة الغورية بطريقة سلمية حين نصب المملوك (قطب الدين أيبك) نفسه سلطاناً على الهندستان فى عام (602هـ) وقد دام حكم المماليك للهند حوالي تسعين سنة شهدت البلاد فيها الكثير من الفتوحات وشُيِّدت الكثير من مظاهر الحضارة مثل منارة القطب ب (دهلى) التي يبلغ طولها (242) متراً والتي تعد من أروع العمائر الإسلامية فى الهند قاطبةً. وقد انتهت دولة المماليك بقيام الدولة الخلجية فى عام (689هـ) التي حكمت الهند بعد زوال دولة المماليك وأول ملوكهم (جلال الدين فيروز شاه) الذي استطاع بحسن سياسته وعدله أن يقيم أركان دولة قوية وأن يتصدى لجحافل المغول الذين هاجموا دولته وأن ينزل بهم هزيمة كبيرة. ثم قُتِل على يد ابن أخيه (علاء الدين). وفى عهد ذلك الأمير عاد المغول فغزوا الهند مرة ثانية فجهز لهم جيشاً قوياً وهزمهم شر هزيمة وطاردهم حتى قضى على شوكتهم، وكأنه أراد أن يكفر عن قتله عمه (جلال الدين) بالقضاء على أعدائه المغول. ونظراً لشدة طموحاته وشجاعته لُقِّب (علاء الدين) باسم (الإسكندر الثاني). وبعد موته اختلَّت أمور الدولة وتولى أمرها عدد من السلاطين انتهى حكمهم فى عام (720ه) على يد الدولة الطغلكية التي أسسها السلطان (غياث الدين طغلك) وهو تركي الأصل أول حكام هذه الدولة ويُحْسَب له أنه أنشأ نظاماً محكماً للبريد لم تعرف الهند له مثيلاً فى تاريخها فى سرعته ودقته، وأقام أركان دولة قوية. وقد خلفه ابنه (فخر الدين) الذي كان محباً للعلماء، وفى عهده تولى الرحالة العربي (ابن بطوطة) قضاء (دهلي) وعاش في الهند ثماني سنوات. وكان آخر ملوك (الدولة الطغلكية) الأقوياء السلطان (فيروز شاه) الذي اشتهر بحبه لأعمال الخير وتقربه للعلماء، وعندما مات ذلك السلطان سادت الفوضى فى أرجاء الدولة حتى سقطت على يد الطاغية (تيمور لنك).

 

عصر الطوائف وقد استمر فترة تقارب الستين عاماً وقد سادت فيه الفوضى الطائفية حيث اقتسم ملوك وأمراء الطوائف إمارات وممالك الهند فيما بينهم. دولة (اللودهيون) الأفغان ينتمي أمراء هذه الدولة إلى إحدى القبائل الأفغانية التي كانت تعمل بالتجارة بين فارس وأواسط آسيا والهندستان. وكان على رأسهم مؤسس الدولة (بهلول لودهى) الذي أدت انتصاراته إلى استرداد الكثير من هيبة الحكم الإسلامي الضائعة في الهندستان. وفى عام (932هـ) انفرط عقد اللودهيين الأفغان وسقطت دولتهم.

 

الدولة المغولية: وتعتبر المملكة الأخيرة للمسلمين فى الهند وقد قامت فى الفترة من (932-1274هـ) الموافق (1525-1858م) فوصلت بالحكم الإسلامي إلى أرقى صوره وأقوى نفوذ له وشهد الإسلام فى عهدها أوسع انتشار له. وقد تعاقب على حكم هذه الدولة سلاطين أكفاء أولهم (ظهير الدين بابر) مؤسس الدولة المغولية، وقد وصلت دولة المغول فى الهند إلى أوج مجدها فى عصر السلطان (أورنك ذيب عالمكير) الذي كان من أعظم الملوك الفاتحين ومن أكثرهم زهداً وتقشفاً والذي أشرف على تأليف الموسوعة المعروفة بالفتاوى الهندية أو (العالمكيرية) نسبة إلى (عالمكير) وهو الاسم الذي اشتهر به ذلك السلطان فى الهند. أما آخر سلاطين المغول فقد كان السلطان (بهادر شاه) الثاني الذي تولى الحكم فى الهند فى عام (1838م)، وكان الإنجليز فى عهده قد أحكموا سيطرتهم على البلاد وفرضوا نفوذهم على سلاطين الهند الذين كانوا يتعاملون معهم وكأنهم موظفون عندهم. وفى عام (1858م) قام المسلمون والهندوس بثورة عارمة قادها (بهادر شاه) الثاني ضد الإنجليز الذين تصدوا لها بقوة واستطاعوا القضاء عليها والقبض على قائدها. وبعد محاكمات صورية صدر الحكم على السلطان بالإعدام ثم خُفِّف الحكم إلى النفي، وفي يوم الخميس (8 من ربيع الأول 1275هـ) الموافق (17 أكتوبر 1858م) تم نفي السلطان وأسرته إلى مدينة (رانكون) عاصمة (بورما). وبنفيه سقطت دولة المغول الإسلامية وطويت آخر صفحة من صفحات الحكم الإسلامي العظيم في الهند والذي ظل شامخاً لأكثر من ثمانية قرون. وأُعلن تحويل الهند إلى مستعمرة بريطانية.

 

واقع المسلمين الأليم

 

لم يكن احتلال الإنجليز لبلاد الهند بالشيء الهين أو اليسير، بل قامت عشرات الحركات الإسلامية التحررية ضد الاحتلال الصليبي لممالك المسلمين، من أبرزها حركة السلطان سراج الدولة، والسلطان حيدر على خان وابنه السلطان تيبو، وحركة الإمام الشهيد أحمد عرفان البريلوي وكانت من أكبر وأقوى الحركات الإسلامية التي قامت على أساس سلفي خالص. لذلك لم ينس الإنجليز ذلك الأمر وعملوا على تمزيق وحدة المسلمين بأخبث الوسائل وأمكرها، وفرضوا عليهم الجهل والتخلف والمرض، ومنعوهم من تولي المناصب الحكومية، وقربوا الهندوس والسيخ ومكنوهم من مفاصل الدولة، وأذكوا نيران العداوة بينهم وبين المسلمين. كما صادروا الأملاك والأراضي والأوقاف وهدموا المساجد والجوامع، وانتهز الهندوس الفرصة وشاركوا الإنجليز في التنكيل بالمسلمين، فأخذوا أراضيهم ومنازلهم وهجَّروهم من ديارهم، بل حلوا مكانهم في الوظائف والأشغال، وقد عبر اللورد آلان برو المندوب الإنجليزي في الهند عن سياسة الإنجليز هناك بقوله: "ليس في وسعي أن أغمض عيني بأن هذا العنصر الإسلامي عدو أصيل العداوة لنا، وأن سياستنا الحقة أن نتجه إلى تقريب الهنادك". كما تبنوا الحركات الضالة الهدامة مثل النوربختشية (غلاة الشيعة)، والقاديانية أتباع الدجال مدعي النبوة والإلوهية "غلام ميرزا أحمد القادياني" الذين كان يدعوا لإبطال الجهاد ضد الإنجليز بدعوى أنهم "ولاة الأمر" الذي لا يجوز الخروج عليهم.

 

ونتيجة هذه السياسة الصليبية الخبيثة من جانب الإنجليز تدهورت أوضاع المسلمين في الهند بشدة ومازالت تتدهور حتى كتابة هذه السطور. فبعد تقسيم شبه القارة الهندية عام 1947م هاجر عدد كبير من المثقفين المسلمين وموظفي الحكومة والأطباء ورجال القانون إلى باكستان. وقد أدى ذلك إلى حدوث تغيير في البنية الاجتماعية للمسلمين. وينحدر القسم الأعظم من المسلمين الذين آثروا البقاء في الهند من مناطق ريفية. وعجّل انسحاب الطليعة المسلمة المدنية والمتنفذة اقتصادياً في تردي الأوضاع السياسية للطائفة الإسلامية، إلى جانب تدهورها الاقتصادي. فبعد 1947 كان المسلمون الهنود يعانون من نقص في الموارد الاقتصادية، فانسحبوا منذ ذلك الوقت فصاعداً إلى الخلف عَقبَ إعادة بناء الإدارة الهندية، وذلك بسبب انتمائهم الديني، وكانت تعوزهم القيادة السياسية. وأفضى العوز الاقتصادي وعدم الاندماج الاجتماعي في نهاية الخمسينات إلى صراعات متنامية حول الشؤون البلدية في المناطق ذات الكثافة السكّانية.

 

في أول انتخابات أعقبت استقلال الهند كان رئيس الوزراء جواهر لال نهرو يشعر بالقلق من ضعف تمثيل المسلمين في السلطة. حدث ذلك رغم أن عدد المسلمين الذين بقوا في الهند أكبر من الملايين التي اختارت الهجرة إلى دولة باكستان الوليدة. وفي الواقع، وفي العام التالي، وهو عام 1953م التقت مجموعة من المثقفين لبحث تشكيل حزب سياسي للمسلمين وتحدثوا عن ضعف تمثيل المسلمين في المناصب السياسية والوزارات المختلفة.

 

وبعد أكثر من نصف قرن، لم يحدث تغير يذكر. فعدد المسلمين في الهند اليوم 225 مليون نسمة وهم يمثلون 15% من إجمالي عدد السكان الذي يتجاوز المليار. وقد تولى منصب الرئاسة في الهند، وهو منصب شرفي، ثلاثة مسلمين. وللمسلمين نشاط ملحوظ في صناعة السينما الهندية، والكريكت، اللعبة الشعبية الأولى هناك. فهناك شاه روخ وأمير وسالمان خان من نجوم السينما، وهناك نجم الكريكيت زاهر خان، ويقود الفريق القومي الهندي اللاعب محمد أزهر الدين. وإلى هنا ينتهي الجانب المشرق، ويبدأ الجانب المظلم والواقع الأليم. فنسبة المسلمين بين موظفي الحكومة لا تتجاوز 5 %، وفي شركة السكك الحديدية، وهي أكبر شركة من حيث عدد الموظفين، لا تتجاوز نسبتهم 4,5 %. ولا تتجاوز نسبة المسلمين في وزارة الخارجية 1,8 % و4 % في جهاز الأمن. ولا يكاد لهم وجود في وزارة الدفاع، كما ينتشر الفقر والأمية على نطاق واسع بين المسلمين في الهند، ونصف المسلمات لا يقرأن ولا يكتبن، وربع الأطفال المسلمين إما لم يدخلوا مدرسة مطلقاً أو تركوا الدراسة. أما عن مشكلة الفقر فإن 31 %من المسلمين تحت خط الفقر ولا يزيدون إلا بهامش ضئيل عن المنبوذين والقبائل الذين مازالوا يمثلون الطبقات الأفقر في الهند.

 

ويتركز المسلمون اليوم فى ولايات (أوتار باراديش) و (بهار) و (غرب البنغال) و (مهراشترة) و (كيرالا) ويعمل فى قطاع الزراعة منهم حوالي 70% والباقون موزعون على قطاعات الخدمات والتجارة والصناعة. وينقسم المسلمون إلى مسلمي الشمال ويتبعون المذهب الحنفي ويتكلمون اللغة الأوردية والبنغالية ومسلمي الجنوب ويتبعون المذهب الشافعي ويتحدثون لغة التاميل، ويضاف إلى ذلك مسلمون شيعة فى بعض الولايات خاصة (حيدر آباد). ورغم كبر حجم الأقلية المسلمة فى الهند فإن نسبة تمثيلهم فى مؤسسات الدولة لا تتعدى 1% من الوظائف الحكومية، وفى سلك القضاء لا يمثل المسلمون إلا 2.7% من عدد القضاة، أما المفارقة الغريبة والتي تحمل الكثير من الدلالات السلبية فهي أن الجيش الهندي الذي يبلغ تعداده 1.3 مليون جندي لا يضم بين صفوفه إلا حوالي 29 ألف مسلم فقط.

وقد نشر تقرير حكومي في عام 2006م، يسمى تقرير سچار، كشف عن حجم المعاناة التي يتعرض لها مسلمي الهند. حيث يعاني المسلمون نقصاً نسبياً حاداً في تمثيلهم في مختلف مناطق الحكومة والمجتمع، فقد اكتشفت اللجنة أنه في ولاية غرب البنغال، حيث يشكل المسلمون 27% من السكان، فإنهم يشغلون أقل من 3% من الوظائف الحكومية. وقد أثار تقرير سچار ردود فعل شديدة من وسائل الإعلام الهندية، بما فيها اتهامات للجنة الحكومية بالتحيز لصالح المسلمين. وقد أشار التقرير أن المسئولية عن الحاضر الحالك للمسلمين في الهند تقع بالكامل على عاتق كل من الحركات الهندوسية وحزب المؤتمر. وقد أشار منتقدو التقرير إلى أنه يشجع "الفصل العاطفي "بين المسلمين والهندوس، الأمر الذي لن يمكن المسلمين من المشاركة في تقدم الهند، واتهم قادة الهندوس وزعماء حزب بهاراتيا جاناتا التقرير بإساءة تفسير البيانات والأرقام، والانحياز للمسلمين.

 

يواجه المسلمون في الهند اليوم العديد من القضايا الهامة والنوازل العامة، ويواجهون مجموعة من التحديات الخطيرة، من أبرزها: الحفاظ على الهوية الإسلامية والتي يشعر المسلمون أنها مهددة بالذوبان فى مجتمع يغلب عليه الطابع الهندوسي. ويزيد من ذلك الشعور أن الحكومة تحاول تكريس ذلك الطابع فى المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية. ومنها الاضطهاد العنصري والعنف الطائفي ويتم ذلك من خلال النزاعات التي تتكرر دائماً بين الهندوس والمسلمين والتي كان من أعنفها الصدام الذي وقع فى ولاية (أحمد آباد) عام (1969م) وأحداث (آسام) عام (1984م) التي أسفرت عن مجازر راح ضحيتها الألوف من المسلمين وأحداث مسجد (بابرى) فى مدينة (أيوديا) فى ديسمبر عام (1992م) حيث وقعت اشتباكات بين المسلمين والهندوس المتعصبين سقط فيها الألوف من الجانبين معظمهم من المسلمين. ومنها الفقر والجهل والمرض: ويتجسد هذا الثالوث فى غالبية تجمعات المسلمين التي توجد عادة حول المدن وفى المناطق الريفية التي تفتقر إلى أبسط أشكال البنية التحتية والخدمات الأساسية والمنشآت والمباني السكنية، وحيث تقل فرص التعليم وتنعدم الرعاية الصحية أو تكاد وتنتشر البطالة والفقر وينخفض الدخل المادي لمعظم أفراد الأقلية المسلمة حتى إنهم يصنفون كأشد الشرائح الاجتماعية فقراً وحيث يعيش أكثر من 35% منهم تحت خط الفقر. أما أم المشاكل فمشكلة إقليم جامو وكشمير المسلم. ويحتل إقليم (جامو وكشمير) موقعاً استراتيجياً هاماً فى قلب آسيا تحيط به باكستان من الغرب والهند من الجنوب والصين من الشرق والشمال وتزيد مساحته عن 200 ألف كيلو متر مربع ويعيش فيه حوالي 12 مليون نسمة 70% منهم من المسلمين والباقي من السيخ والهندوس. وعندما تم تقسيم شبه القارة الهندية إلى الهند وباكستان كان الاتفاق على أن المناطق ذات الأغلبية المسلمة تنضم إلى باكستان، وذات الأغلبية الهندوسية تنضم إلى الهند وبالفعل قررت الأغلبية المسلمة فى كشمير الانضمام إلى باكستان، ولكن المهراجا الهندوسي قرر الانضمام إلى الهند واستعان بالجيش الهندي؛ لنصرته على أغلبية الشعب الكشميري من المسلمين. وتطورت الأحداث سريعاً فاندلع قتال مسلح بين المسلمين والقوات الهندية عام (1947م) أسفر عن احتلال الجيش الهندي لثلثي المساحة الكلية لإقليم كشمير، ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن وقعت عدة حروب واشتباكات بين القوات الهندية والباكستانية. ومازالت الهند تحتل ثلثي مساحة الإقليم والمسلمون يخضعون لنيران الاحتلال الهندوسي الغاشم، ومنذ عام (1989م) وحتى الآن فقط سقط أكثر من 33 ألف قتيل من المسلمين على يد القوات الهندية.

 

أسباب تدهور وضع المسلمين في الهند:

لاشك أن الاحتلال الإنجليزي الصليبي، والتعصب الهندوسي، كان لهما دور كبير في تدهور أوضاع المسلمين في الهند في القرون، إلا أن هناك عوامل أخرى أدت لهذا التدهور والتراجع الحضاري والسياسي لمسلمي الهند منها:

 

1-حينما حكم المسلمون شبه القارة الهندية لمدة ثمانية قرون لم يستطيعوا أن ينشروا الإسلام فيها بالكامل كما فعل أسلافهم فى فارس وبلاد الشام وشمال أفريقيا ووسط آسيا حيث دخلت الأغلبية الساحقة من سكان تلك البلاد فى الإسلام ومازالوا حتى اليوم. أما فى الهند فلم تزد نسبه المسلمين فى أزهى عصور الدولة الإسلامية فيها عن 20% من عدد السكان. وكان من أسباب ذلك انشغال الكثير من الملوك والسلاطين المسلمين فيها بالاستمتاع بمظاهر البذخ والترف وتشييد الكثير من المباني والعمائر العظيمة التى تكلفت أموالاً طائلة أثقلت كاهل الدولة وانشغلوا بمجالس اللهو والغناء والموسيقى عن الفتوحات الإسلامية وعن الدعوة إلى الله وعن الإنفاق على الفقراء والمساكين. فظل العدد الأكبر من الهنود على وثنيتهم الهندوسية فى وقت كانوا فيه على استعداد للدخول فى الإسلام بسهولة ويسر. وصدق الله –تعالى- إذ يقول: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).

 

2-عدم استقرار المسلمين في البلاد المفتوحة في الهند في أيام الغزوات الأولى، وحتى عندما فتحوا السند على يد محمد بن القاسم والمسلمون الأوائل كانوا أقدر الناس على الدعوة وأكثرهم فهمًا ودراية بالإسلام، مما أضاع الفرصة على المسلمين في إدخال أكبر قدر ممكن في الإسلام من الهنود الذين كانوا على الوثنية والضلال، والذين جاءوا من بعدهم من المسلمين واستقروا في الهند لم يكونوا مؤهلين للدعوة أو إرشاد الناس وبالتالي ظل الإسلام محصورًا في منطقة السند والبنجاب، وذلك لفترة طويلة.

 

3-جهل معظم الناس باللغة العربية التي هي لغة الشرع والوحيين، وذلك بسبب أعجمية معظم الفاتحين لبلاد الهند من أتراك ومغول وغيرهم، مما أفقد مسلمو الهند الفهم الصحيح والكامل لتعاليم الإسلام، وأفقدهم تذوق معاني القرآن وحقائق السنة.

 

4-الدول الإسلامية التي قامت بحكم بلاد الهند في أغلبها لم تحكم بالشريعة وبما أنزل الله -عز وجل-، وإنما كان أقصى مهامها السيطرة وضمان سكون رعية وكان أغلبهم من الهندوس، لذلك كان الحكام المسلمون يتركون الناس على عقائدهم الوثنية وشعائرهم الشركية، بل إن بعض حكام المسلمين مثل السلطان المغولي (جلال الدين أكبر) قد اخترع دينًا جديدًا مزج فيه بين الإسلام والهندوسية والنصرانية وحاول إجبار الناس على هذا الدين الجديد، وذلك كله إرضاءً للرعية والناس.

 

5-اشتعال الحروب الداخلية الطاحنة بين الحكام المسلمين والتي شغلت حيزًا كبيرًا من حياة تلك الدول والممالك الإسلامية، مما أدى لإهمال شئون الدعوة ونشر الإسلام، بل كان جل اهتمام الحكام وقتها كسب الولاءات وفرض الضرائب وعقد التحالفات مع الآخرين ولو كانوا من الكفار الأصليين.

 

6-معظم العلماء والدعاة الذين دخلوا بلاد الهند لخدمة نشر الدعوة والإسلام كانوا مدخلي العقيدة، مولعين بالفلسفة والتصوف والأفكار الهدامة مثل وحدة الوجود والحلول والاتحاد، وهي أفكار لاقت قبولاً عند متصوفة الهند مما جعلهم يقبلون على دخول الإسلام ولكن بنفس أفكارهم، فأصبحوا مسلمين ظاهرًا مشركين ضالين باطنًا، كما وجدت الفرق الضالة مثل الإسماعيلية والروافض موطئ قدم، وقامت عدة إمارات باطنية في الملتان والسند، بل قامت إمارة للقرامطة في الملتان في القرن الخامس الهجري.

 

القضية الكلية والسبب الجامع لذلك التدهور يرجع لكون المسلمون فتحوا معظم بلاد الهند في وقت الضعف وتواهي الخلافة الإسلامية، فلم يتمكن المسلمون من نشر تعاليم الإسلام بصورة صحيحة وكاملة، مما جعل دولة الإسلام في الهند غير مستقرة، دائمة التقلب، ثوب ريادتها مليء بالثقوب والخروق، مما جعل الهندوس يقيمون لهم عدة ممالك قوية في جنوب الهند ناوأت دولة الإسلام في الشمال لفترة طويلة، وسهلت طريق الاحتلال في القضاء على الحكم الإسلامي لبلاد الهند.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات