طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||
ملتقى الخطباء > الأحـداث التاريخية > دروس التاريخ > فى مدرسة النبوة (الدعوة السرية) خصائص وسمات ــ أسباب وغايات

ملتقى الخطباء

(13٬419)
1051

فى مدرسة النبوة (الدعوة السرية) خصائص وسمات ــ أسباب وغايات

تاريخ النشر : 1435/01/17
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

والقائد الذكي والداعية الفطن لابد أن يتخذ القرارات الوقائية السريعة التي يحفظ بها دعوته ودولته من التورط فيما يؤدي للإضرار بها وتعطيلها, فليس من الشجاعة أو الإقدام أو حتى الإيمان العاقل أن يعرض المرء نفسه لبلاء لا يطيقه.

 

 

 

 

الدعوة السرية كما تعارف أهل العلم على تسميتها بذلك الإسم, هى أولي مراحل الدعوة الإسلامية وأهمها وأبعدها أثرا, وقد إستمرت فترة طويلة نسبيا من الوقت – ثلاث سنوات -, وكانت تمثل مرحلة الإعداد الخاص للجيل الأول فى الإسلام, هذه المرحلة تعتبر من المراحل الغامضة لكثير من الدعاة والمصلحين فضلا عن غيرهم من عامة المسلمين, ذلك إن الروايات التاريخية, والأحاديث النبوية التى وردت عن تفاصيلها قليلة, مما دفع غالبية من تكلم عن السيرة النبوية للمرور عليها بصورة سريعة, وعرضها بصورة موجزة, على الرغم من أهميتها الكبيرة فى بداية الدعوة, والأثر الضخم الذى تركته على الأمة الإسلامية, وسويا سنحاول التعرف على هذه المرحلة, والاستفادة منها قدر الاستطاعة لخدمة الإسلام والمسلمين.

 

أولا: عودة الروح

 

مر بنا من قبل فى آخر حديث عائشة فى الصحيحين عن الحادثة نزول الوحي قولها: " ثم فتر الوحى. …" أي إنقطع, وحزن النبي – صلى الله عليه وسلم – لإنقطاعه حزنا شديدا, وقد اختلفوا فى مدة انقطاع الوحي, بين من يقول عدة أيام, ومن يقول زيادة عن سنتين, والراجح أنها لم تطل, ولعل الحكمة من انقطاع الوحي كما قال ابن حجر فى فتح الباري: " ليذهب ما كان – صلى الله عليه وسلم – وجده من الروع, وليحصل له التشوق الى العود ".

 

بعد ذلك جاء الفرج وعاود إرسال السماء إشراقه على البشرية, ونزل الوحي مرة أخرى, فقد أخرج البخاري فى كتاب التفسير, ومسلم فى كتاب الإيمان, والترمذى فى التفسير, والإمام أحمد فى مسنده من حديث جابر بن عبدالله – رضى الله عنهما -, قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: " فبينا أنا امشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء الأرض فجثوت منه رعبا, فرجعت فقلت زملوني زملوني، فدثروني فأنزل الله – عز وجل – ( يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ), قال أبو سلمة راوي الحديث عن جابر: الرجز هو الأوثان, ثم جاء الوحي بعد وتتابع".

 

نزول هذه الآيات كان إيذانا بانطلاق الدعوة الى الإسلام, وتبليغ الدعوة الجديدة, وهذه الآيات على قصر مقاطعها وقلة كلماتها إلا أنها نموذجا فريدا على إعجاز القرآن فى البيان, حيث بدأت بالنداء الموحي بالرحمة والعطف وإرادة الخير, ثم أمرت بالقيام من الفراش وترك التدثر والدفء والراحة والأمان, وذلك لغاية عظمى وهى الإنذار والتبليغ, وذلك بتعظيم الله عز وجل, تعظيم أوامره ونواهيه ووشريعته وإقامة الكبرياء لله وحده, بمحاربة كل الأنداد والأضداد والمعبودات الباطلة التى تتخذ من دون الله, والأمر بتطهير الظاهر والباطن وتزكية النفس والناس من جميع صور الرجز وأعظمها الأوثان والشركيات حتى يكون الرسول – صلى الله عليه وسلم – ومن سار على دربه من الدعاة وحاز ميراثه من العلماء مثالاً سامقاً في الكمال البشري, تلتف حوله القلوب, وتنجذب إليه النفوس, ثم أشارت الآيات لمدخل عظيم من مداخل الشيطان على الدعاة, وهو المنة فيما قدموا من جهود وعمل لخدمة الدعوة, وإذا كان الله – عز وجل – خاطب رسوله – صلى الله عليه وسلم – وهو المعصوم من الشيطان بترك الامتنان, فكيف الحال بمن هم دونه من الدعاة والمصلحين ؟ وفى ذلك أبلغ واعظ وقاطع لداء العجب بالنفس والعمل الذى قد يصيب بعض الدعاة, وفى الآية الأخيرة إشارة لطيفة لما سوف يلاقيه النبي – صلى الله عليه وسلم – وأتباعه من إيذاء وتكذيب, وذلك قبل وقوعه بعدة سنوات.

 

تعد هذه الآيات أول أمر بتبليغ الدعوة والقيام بتبعاتها, لذلك أشتملت هذه الآيات على خلاصة الدعوة الإسلامية من توحيد وتعظيم لله, وتطهير للنفس وتزكية للمجتمع, وكان فيها تحفيز واستنفار لعزيمة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لينهض بعبء وتكليفات الرسالة, بأروع أسلوب وأجمل عبارة, موحية بما سيقبل عليه الرسول وبصيغة الأمر الجازم المؤكد فى عزيمة ناهضة وقوة حازمة.

 

ثانيا: الرعيل الأول

 

نزل الأمر الإلهي من فوق سبع سنوات بالبلاغ والدعوة, وكان من الطبيعي أن يبدأ الرسول بدعوة أهل بيته, وفى هذا مثال على خير بداية لابد لكل داعية أن يبدأ بها, لأننا نرى كثيرا يهتم بالخارج أكثر من الداخل, ويجعل جل همه دعوة أصدقائه وأصحابه وجيرانه وينسى أهله, زوجته وولده وإخوته وأباه وأماه, والبداية الناجحة فى الدعوة لابد أن تنطلق من البيت أولا.

 

تعتبر خديجة – رضي الله عنها – أول من آمن من البشر قاطبة رجالا ونساءا بالرسول – صلى الله عليه وسلم – – وهى منقبة لا يدانيها ولا يشاركها فيها أحد, وهى أيضا أول من توضأت وصلت خلف النبي – صلى الله عليه وسلم – , فقد أخرج البخاري فى التاريخ الكبير عن علي بن المدينى, والحاكم فى مستدركه وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبى, وابن كثير فى تاريخة عن عفيف – رضي الله عنه – قال: " كنت امرأ تاجرا فقدمت مني أيام الحج وكان العباس بن عبد المطلب امرءا تاجرا فأتيته أبتاع منه وأبيعه, قال: فبينا نحن إذ خرج رجل من خباء يصلي فقام تجاه الكعبة ثم خرجت إمرأة تصلي, وخرج غلام فقام يصلي معه, فقلت: يا عباس ما هذا الدين إن إن هذا الدين لا ندري ما هو ؟ فقال: هذا محمد بن عبدالله يزعم أن الله – تبارك وتعالى – أرسله وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه, وهذه إمرأته خديجة بنت خويلد آمنت به, وهذا الغلام ابن عمه على بن أبي طالب آمن به, فقال عفيف: فليتني كنت آمنت يومئذ فكنت أكون ثالثا.

 

بعد خديجة أسلم على بن أبي طالب وكان فى العاشرة على أرجح الأقوال, ثم أسلم زيد بن حارثة متبني رسول الله – صلى الله عليه وسلم -, ثم أسلم أبو بكر الصديق المقرب للرسول – صلى الله عليه وسلم -, أما علي وزيد فقد كتما الإسلام لصغر سنهما, أما أبو بكر فقد أستعلن بالإسلام لمكانته وشرفه فى مكة, وقد أختلف فى ترتيب من أسلم من الرجال والأفضل الجمع كما ذهب لذلك المحققون من أهل العلم فقالوا: أول من بادر الى التصديق أبوبكر من الرجال الأحرار, وخديجة من النساء الأطهار وعلي من الغلمان الأبرار وزيد بن حارثة من الموالي الأخيار.

 

 ولبعض أهل العلم له تقسيم جميل لمن آمن الى طبقات كمال يلي :

 

الطبقة الأولى :أهل بيت النبوة : وفيها خديجة وبنات النبي وعلي وزيد.

 

الطبقة الثانية : أصدقاؤه : أبو بكر الصديق وقد أسلم على يديه خمسة من المبشرين بالجنة, وهم: عثمان بن عفان 34 سنة, عبد الرحمن بن عوف 30 سنة, سعد بن أبي وقاص 17 سنة, الزبير بن العوام 12 سنة, طلحة بن عبيد الله 13 سنة. وكان السبب وراء إسلام هذا العدد على يد أبي بكر الصديق هو منزلة أبي بكر فى قريش فهو رجل محبب لأهلها, حلو العشرة, كريما جوادا, تاجرا موسرا له علاقاته الواسعة والكثيرة, ذا أخلاق عالية, وايضا كان أنسب أهل قريش وأكثرهم علما بالوقائع والأيام, وعلم الأنساب من العلوم الرائجة عند العرب قديما لشدة حرصهم عليها, وهذه الخصال والعلوم جعلت لأبي بكر الصديق إتصال بكافة شرائح المجتمع المكي, وهذا ظاهر من تفاوت أعمار من أسلم على يديه, وهذا إن دل فإنه يدل على مدى عناية أبي بكر فى نشر الدعوة الإسلامية بين كل من يجلس اليه, فإنه لم يأنف من دعوة الغلمان والشباب الصغار, وهو ما يحتاجه الدعاة الآن لدين الله – عز وجل -, انفتاح على كل شرائح المجتمع.

 

الطبقة الثالثة : وفيها أبو عبيدة بن الجارح وأبو سلمة والأرقم بن أبي الأرقم وعثمان بن مظعون وسعيد بن زيد وخباب بن الأرت وعمار بن ياسر وصهيب الرومي وبلال الحبشي وغيرهم, عدد من آمن فى بداية هذه المرحلة قرابة من الأربعين رجالا ونساءً.

 

الدعوة السرية:

 

استمر الرسول – صلى الله عليه وسلم – يدعو الى دين الله – عز وجل – سرا فى دائرته الضيقة فى تمهل وحذر, وذلك لتجنب الصدام المبكر مع دولة الكفر والشرك, وقريش كانت تسمى فى الجاهلية الحمس لشدة تمسكها بدينها ووثنيتها, ومن أبرز سمات تلك المرحلة عدة أمور ينبغي لكل داعية ودارس للسيرة ومخطط لإصلاح الأمة أن يتعمق فى دراستها ليستخلص العبر والفوائد والكنوز منها:

 

1ـ انتقائية الدعـــوة

 

فالخطاب في تلك المرحلة كان خطابا خاصا إنتقائيا يعتمد على دعوة من يثق فيهم ويرتبط معهم بعلاقات وروابط وثيقة, أي دعوة خصوص الناس دون عمومهم, والتركيز على الدعوة الفردية دون الجماعية, وهذه الانتقائية جعلت عدد من يدخل فى الإسلام تلك المرحلة قليلا, فقد بلغ عدد من أسلم فى تلك المرحة على أرجح الأقوال ستين رجلا وامرأة.

 

2ــ سرية الدعوة

 

 هو شعار تلك المرحلة, حيث يتم التحرك فى أطر ضيقة من خلال البيوت والأسر ومجالس الأصدقاء, وكان الرسول – صلى الله عليه وسلم – حريصا على السرية ويشدد على أصحابه فى ذلك, ويعلمهم بصورة عملية كيفية تطبيق مبدأ السرية, ويتضح لنا ذلك فى قصة إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه, وقد رواها الإمامان البخاري ومسلم, وسياق مسلم طويل ومستفيض, وسياق البخاري أبلغ فى بيان السرية وفيه: " أن أبا ذر أرسل أخاه أنيسا ليأتيه بخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – فلم يستطع أن يجتمع معه, فتجهز للرحيل الى مكة, فآتى المسجد فالتمس رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا يعرفه, وكره أن يسأل عنهم, حتى أدركه بعض الليل إضطجع, فرآه علي فعرف أنه غريب, فلما رآه تبعه, ولم يسأل واحد منهما صاحبه حتى أصبح, ثم إحتمل قربته وزاده الى المسجد, وظل ذلك اليوم ولا يراه النبي – صلى الله عليه وسلم – حتى أمسى, فعاد الى مضجعه, ومر به علي فقال: أما أن للرجل يعلم منزله, فأقامه فذهب به معه لا يسأل أحد فيهما صاحبة عن شىء, حتى إذا كان يوم الثالث فعاد الى مثل ذلك, فأقام معه فقال: ألا تحدثني بالذي أقدمك ؟ قال أبا ذر: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدني فعلت, ففعل, فأخبره, قال علي: فإنه حق وأنه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – , فإذا أصبحت فأتبعني, فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء – يعنى التبول -, وإن مضيت فأتبعني حتى تدخل مدخلي, ففعل, فانطلق يقفوحتى دخل على النبي – صلى الله عليه وسلم – , ودخل معه, فسمع من قوله وأسلم مكانه. ….." [البخاري كتاب مناقب الأنصار رقم 3861].

 وفى هذا الحديث يتضح مدى السرية فى تلك المرحلة الدعوية, ومدى إرتفاع الوعي الأمني عند الصحابة, والإجراءات الدقيقة والتفاصيل الكثيرة التي كانوا يتبعونها مع تبليغ الدعوة.

 

وسرية الدعوة لم تكن خوفا وجبنا كما يظن الجهال وغيرهم مما تأثر بكلام المستشرقين, بل كانت سرية تجهيز وإعداد, سرية بناء وتكوين, سرية نصر وتمكين.

 

3ــ الابتعاد عن الصدامات

 

ذلك لأن الدعوة كانت مازالت فى المهد وليدة, لا يؤمن بها إلا القليل, وللصدام مع قوى الشرك فى تلك المرحلة المبكرة إيذانا بضياعها, ولعل ذلك من الحكم العظيمة فى بناء الدعوات وإقامة المجتمعات, فالله – عز وجل – لم يشرع للمسلمين الجهاد ضد أعدائهم إلا بعد الهجرة وإقامة الدولة المسلمة.

 

لذلك كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – ينظم أصحابه على شكل خلايا صغيرة وأسر دعوية حتى يتجنب مسألة التجمعت الكبيرة التى تلفت الانتباه وتستفز الجمهور, وكان الواحد من الصحابة إذا حفظ شيئا من القرآن تولى أمر رجل أو رجلين أو بيت ما يعلمهم فى حلقات تعليم خاص, فمثلا كان خباب بن الأرت يعلم سعيد بن زيد وزوجته فاطمة بنت الخطاب وأيضا كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يأمر من أسلم من أهل مكة بأن يسر بإسلامه, ويأمر من أسلم من غير أهلها أن يلحق بأهله ويعود الى قبيلته حتى تظهر الدعوة ويشتد عودها, كما حدث مع أبي ذر, إذ أمره أن يلحق بغفار, وكذلك مع حدث مع عمر بن عبسة إذ قال له النبي – صلى الله عليه وسلم – بعد إسلامه: " إلحق بقومك إذا أخبرت إني قد خرجت فاتبعني " وفي رواية عن مسلم " إنك لا تستطيع يومك هذا, ألا ترى حالي وحال الناس, ولكن إرجع الى أهلك فإذا أخبرت. …….." [مسلم – كتاب صلاة مسافرين وقصرها].

 

واتضح أيضا مدى حرص النبي – صلى الله عليه وسلم – على الابتعاد عن الصدامات, إنه مع أول صدام وقع بين المسلمين والمشركين وسالت فيه الدماء, أمر الصحابة بالدخول الى دار الأرقم بن أبي الأرقم حرصا على عدم سفك مزيد من الدماء أو التورط فى صراع غير متكافىء فى تلك المرحلة يؤذي الدعوة ويضرها أضعاف أضعاف ما يفيدها وينفعها.

 

4ــ طول المــدة

 

فلقد استمرت طيلة ثلاث سنوات, وهى فترة طويلة نسبيا مقارنة بالعمر الكلي للدعوة, كما أن المردود الدعوي كان ضعيفا مقارنة بغيرها, ذلك على أن تلك المرحلة كانت تعتمد على التركيز والبناء العقدي والإيماني للسابقين الأولين.

 

والحكمة وراء هذا الطول هو إعداد الجيل الأول لما هو مقبل من صعاب وفتن وابتلاءات عظيمة من تعذيب وتنكيل, وهي أمور تحتاج الى جبال شامخة من الصبر والثبات, لذلك فلا عجب لو رأينا نماذج فريدة وأمثلة سامقة من التضحية وإيثار مرضاة الله – عز وجل -, وبالنظر فى الأسماء التى دخلت الإسلام فى تلك المرحلة تجد أن أصحابها هم الذين حملوا الدعوة على أكتافهم وبجهود سواعدهم وآيات صبرهم وعطائهم حققت الأمة أعظم الانتصارات.

 

دار الأرقم بن أبي الأرقم مدرســة النبوة الأولى:

 

كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حريصا على عدم الدخول فى صدامات مبكرة مع المجتمع الجاهلي فى قريش لذلك كان يأمر أصحابه بالاستخفاء أثناء تأدية الشعائر, وكانت الشعيرة الوحيدة هى شعيرة الصلاة, وكان الصحابة يجتمعون فى شعاب مكة للصلاة, وحدث ذات يوم أن رآهم مجموعة من المشركين, فدار بين الفريقين حوار إنتهى بشجار سالت فيه الدماء, وكانت بفضل الله دماء مشركين, عندما ضرب سعد بن أبي وقاص رأس أحد المشركين بلحي بعير فشجها ووعندها أصدر الرسول – صلى الله عليه وسلم – أوامره بدخول دار الأرقم بن أبي الأرقم لتكون دارا للإجتماعات ومحضنا تربويا ومدرسة لتعاليم النبوة.

 

والقائد الذكي والداعية الفطن لابد أن يتخذ القرارات الوقائية السريعة التي يحفظ بها دعوته ودولته من التورط فيما يؤدي للإضرار بها وتعطيلها, فليس من الشجاعة أو الإقدام أو حتى الإيمان العاقل أن يعرض المرء نفسه لبلاء لا يطيقه.

 

وكان إختيار دار الأرقم دليلا على فطنة وذكاء النبي – صلى الله عليه وسلم – وذلك لعدة أسباب منها:

 

الموقع الإستراتيجي لدار الأرقم فهي تقع قريبا من جبل الصفا فى موضع مشرف على مكة وبعيدا عن عيون أهل مكة وتحركاتهم التى أخذت ترقب تجمعات المسلمين بعد الصدام الذي وقع.

 

صغر سن الأرقم بن أبي الأرقم صاحب الدار, إذ كان شابا فى السابعة عشرة, ولم يستعلن بإسلامه, مما جعل الشكوك تنصرف عنه, لأن قريش إذا فكرت فى مركز تجمع المسلمين فلن يذهب فكرها لبيت شاب حديث عهد بعوث كما وردت بعض الروايات بذلك, بل ستتجه أنظارها نحو بيت النبي – صلى الله عليه وسلم – أو أبي بكر أو عثمان أو عبد الرحمن بن عوف وغيرهم من كبار الصحابة.
الأرقم من قبيلة بني مخزوم وهي القبيلة المنافسة لبني هاشم بينهما منافرات ومفاخرات ومشاهد كثيرة, وبالتالي لن يفكر المشركين فى اختيار الرسول – صلى الله عليه وسلم – لدار منافسه القبلي حتى تكون مركز للاجتماعات النبوية.

 

وهذا الاختيار الذكي والعبقري لهذه الدار من أهم اسباب نجاح الدورات التربوية  والإيمانية المكثفة خلال تلك الفترة, حيث لم يؤثر اى مشاكل أمنية أو تضايقات قريشية على أهل وزوار الدار.

 

[*] فى دار لأرقم التى أعتبرت مدرسة النبوة الأولى أتبع النبي – صلى الله عليه وسلم – منهجا فريدا فى بناء لبنات الأمة الإسلامية الأولى وهو بناء الأشخاص الذين سيحملون هم هذه الأمة ويرسون دعائمها, وذلك من خلال التركيز على بناء الجانب العقدي وركائز التوحيد ومعاني الإيمان فى قلوبهم, ونستطيع أن نجمل أهم الركائز التربوية فى مدرسة النبوة الأولى – دار الأرقم – فى عدة محاور وهي:

 

تصحيح التصورات الخاطئة عن الله – عز وجل – والكون ووظيفة الخلق, فلقد رباهم – صلى الله عليه وسلم – على معرفة ربهم ومعبودهم الحق, على معرفة أسمائه وصفاته, على معرفة ما حق الله عليهم عز وجل.

 

التأكيد على محور الإيمان بالغيب الذي يمثل ركيزة أساسية فى البناء العقدي ومفتاح الإيمان الرئيسي والذي به يؤمن العبد بالحساب والجزاء واليوم الآخر والجنة والنار والملائكة والأنبياء والكتب.

 

رباهم الرسول – صلى الله عليه وسلم – على الفهم الصحيح والشامل والراسخ بالقضاء والقدر وأثره فى القلب والنفس وحياة الأمة المسلمة, ولقد ظهر أثرا هذه الركيزة تحديدا فيما عندما بدأت وصلات التعذيب والتنكيل والاضطهاد.
 
رباهم على معرفة حقيقة الإنسان وقدرة ومكانته فى الكون وفى منظومة الخلق, وأجاب لهم على كل تساؤلات الفطرة, وعلاقة الإنسان بربه عز وجل وبالكون كله, وأن الأصل فى الإنسان التوحيد والفطرة.

 

رباهم على تعظيم أوامر الله – عز وجل – والاستجابة لها ومعرفة قدرها, والقيام بواجب العبادة المفروضة وقتها – الصلاة – وتعظيمها, وأن العبادة هي غاية الخلق وسبب وجودهم.

 

رباهم على تزكية أخلاقهم وتأديب نفوسهم وتطهير قلوبهم من أدران الجاهلية التى كانت تعج بالمنكرات ورذائل الأخلاق وسيء العادات, من خلال ربط أخلاقياتهم وسلوكياتهم بالإيمان والثواب والعقاب.

 

رباهم على معرفة عدوهم الحقيقي وقدر عداوته وسببها وطبيعتها وذلك من خلال سرد أخبار الأولين وقصص المرسلين وعاقبة المكذبين ومصير المتقين.

 

وقد أتبع الرسول – صلى الله عليه وسلم – من أجل الوصول لتلك المعاني الإيمانية والركائز التربوية منهجا موحدا فى التربية والتعليم يعتمد على مادة دراسية علمية واحدة وهي مادة القرآن الكريم, وحي السماء الذي كان غضا طريا على قلوب الصحابة بردا وسلامة, وهداية واشادا وتقويما وتعليما, لذلك كان تلاميذ مدرسة النبوة الأولى – دار الأرقم – هم أعظم رجال الإسلام, وبناة الأمة وحماتها, وطليعة الصفوف, وصفوة المسلمين وخلاصة المؤمنين.

 

 وقد إعتنى علماء القرآن والتفسير بتحقيق المكي والمدني من القرآن عناية فائقة, فتتبعوا آيات القرآن آية آية وسورة سورة لترتينها وفق نزولها, وقالوا أن القرآن المكي 82 سورة ووالمدني 20 سورة ووالمختلف فيه 12 سورة.

 

خصائص القرآن المكي:

 

المنهج الدراسي كلما كان شاملا وعميقا وصحيحا كلما كانت نتائجة قوية ومبهرة, وهذا إن كان من وقع البشر وفما بالكم بمنهج من وحي السماء ومنهج لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, منهج من عند العليم الخبير, منهج ما فرط فى شيء, واستوعب كل شيء.

ولقد تميز القرآن المكي الذي كان يربي به الرسول – صلى الله عليه وسلم – صحابته فى دار الأرقم بعدة خصائص فريدة منها:

 

التركيز على التوحيد وعبادة الله وحده وإثبات أركان العقيدة مثل البعث والجزاء والقيامة, وإثبات الرسالة, ومجادلة المشركين بالبراهين العقلية والآيات الكونية.

 

وضع الأسس العامة للتشريع والفضائل الأخلاقية وتنقية المجتمع من الرذائل والنقائص مثل الفواحش ووأد البنات وسائر سيء العادات.

 

تحقيق الموعظة والاعتبار بأخبار الأنبياء والمرسلين والأمم السابقة ومصير المكذبين وتسلية الرسول – صلى الله عليه وسلم – والمسلمين بأن العاقبة لهم حتى يصبروا على الأذى الذي سيلاقوه فيما بعد ويطمئنوا على صحة الطريق وحقيقة الانتصار.

قصر الفواصل مع قوة الألفاظ وإيجاز العبارة بما يبهر الأسماع ويخلب العقول ويأسر النفوس.

 

التركيز على الجنة وما فيها بالتفصيل وكذلك النار.

 

أهم الدروس والعبر:

 

1ــ التربية هي لب الدعوات وأساس الحركات وأولي المحطات، ونقطة البدء الأساسية لأي عمل دعوي.

 

2ــ ضرورة اهتمام الدعاة بأسرهم وبيوتهم التي تمثل قاعدة انطلاقهم للمجتمع الصحيح والنقي، وهذا ظاهر من بداية دعوة الرسول لأهل بيته وخاصة أهله.

 

3ــ الداعية الناجح هو الذي يستطيع أن ينفتح علي كل شرائح المجتمع، ويتجاوز كل الحدود الموهومة من فوارق سنية وطبقية، ويقيم علاقات مفتوحة مع كل الناس، وهذا ظاهر من إسلام العديد من الشباب علي يد أبي الصديق.

 

4ــ حسن الأخلاق، والعشرة الطيبة، والثقافة العالية، والكرم والجود، كلها مفاتيح القلوب المغلقة، والنفوس الأبية، وهي من أهم أدوات الداعية في نشر دعوته، وهذا ظاهر من إسلام معظم من أسلم في تلك المرحلة علي يد أبي بكر الصديق.

 

5ــ القائد الناجح والداعية الذكي هو الذي يمتلك خططاً بديلة، ويتخذ قرارات سريعة، تقيه وتقي دعوته شر تهور البعض، وحقد البعض، وتحفظه من صدامات لا تحمد عقباها، ويتضح ذلك من دخول الرسول صلي الله عليه وسلم وأتباعه دار الأرقم بن أي الأرقم بعد صدام شعاب مكة.

 

6ــ المنهج التربوي الصحيح، هو المنهج الذي يؤتي ثماره، ويراعي تلبية حاجات القلب والنفس والعقل، ويجيب علي تساؤلات البشر الكثيرة، وهو ما لم يكن في أي منهج بشري، ولم يكن إلا في وحي السماء، الذي استخدمه الرسول – صلي الله عليه وسلم – في تربية أصحابه وتهيئتهم لأعظم المهام، وهي مهمة نشر الدعوة ونصرة الدين.

 

 

المراجع والمصادر:

 

————-

 

1ـ سيرة ابن هشام

2ـ دلائل النبوة

3ـ الروض الأنف

4ــ الطبقات

5ــ صفة الصفوة

6ــ تاريخ الطبري

7ـ البداية والنهاية

8ــ السيرة للذهبي

9ــ السيرة للصلابي

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات