طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||
ملتقى الخطباء > الأحـداث التاريخية > دروس التاريخ > (بيعة العقبة الثانية) قراءة تنظيمية و سياسية في بنود البيعة

ملتقى الخطباء

(11٬258)
1049

(بيعة العقبة الثانية) قراءة تنظيمية و سياسية في بنود البيعة

تاريخ النشر : 1434/11/19
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

يظهر التخطيط العظيم في بيعة العقبة حيث تمت في ظروف غاية في الصعوبة, وكانت تمثل تحدياً خطيراً وجريئاً لقوى الشرك في ذلك الوقت, ولذلك كان التخطيط النبوي لنجاحها في غاية الإحكام والدقة, على النحو التالي:

 

 

 

 

بين العقبة الأولى والثانية:

 

كانت بيعة العقبة الأولى في العام الثاني عشر من النبوة, وقد أرسل بعدها رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – مصعب بن عمير – رضي الله عنهما  – سفيراً للإسلام في يثرب يدعوا أهلها ويعلمهم ويقرئهم القرآن, فاستطاع مصعب بفضل الله – تعالى – أن يحقق في أقل من عام مالم يفعله غيره في عشرات الأعوام, وكان داعية موهوباً بمعنى الكلمة بذل مجهودات كبيرة من أجل تهيئة البيئة الداخلية للمدينة لإنتقال الدعوة الإسلامية بقائدهال وأتباعها إلى مقرها الجديد.

 

حقق مصعب بن عمير ومن أسلم من أهل بيعة العقبة الأولى توسعاً دعوياً كبيراً بانضمام الكثير من أهل يثرب للدعوة الإسلامية, حتى أنه لم يبق بيت في يثرب إلا ودخله الإسلام, وأصبحت سيرة النبي – صلى الله عليه وسلم  – على كل لسان بين معجب ومتشوق ومتوجس.

 

قبل أن يحول الحول على مصعب في يثرب عاد إلى مكة  قبيل الموسم الثالث عشر للبعثة, وذلك من أجل إطلاع رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – على مستجدات الأوضاع في يثرب, والإنجازات الكبيرة التي حققها مصعب في مهامة الدعوية, وأن الجبهة الداخلية في يثرب أصبحت مهيئة لقبول بيعة جديدة بشروط وبنود أشد قوة وكفة وأوسع دائرة والتزاما, ومن ثم كانت بيعة العقبة الثانية, أو ما يصح أن يقال عنه بيعة القتال أو بيعة الرجال.

 

بيعة العقبة الثانية:

 

نجحت التعبئة الإيمانية القوية والبناء العقدي الراسخ في نفوس وقلوب من أسلم من أهل يثرب في جعل بادرة السبق تأتي من هؤلاء المسلمين الجدد, كما جاء في مسند الإمام أحمد في حديث جابر بن عبدالله – رضي الله عنهما  – الطويل وفيه: " ثم بعثنا الله – عز وجل –  وئتمرنا واجتمعنا سبعين رجلاً منا فقلنا: حتى متى نذر رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – يطوف في جبال مكة ويخاف فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم. ……. ".

 

لقد وردت عدة روايات في حادثة بيعة العقبة الثانية أشهرها رواية جابر بن عبدالله – رضي الله عنهما  – في مسند الإمام أحمد و ورواية كعب بن مالك الأنصاري – رضي الله عنهما  – في سيرة ابن هشام بإسناد حسن, كلا الروايتان تكملان بعضهما البعض, وبذكرهما تتضح الصورة كاملة عن ليلة البيعة وما جرى فيها من تفاصيل هامة.

 

أولاً: حديث جابر بن عبدالله:

 

" أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – لبث عشر سنين يتبع الحاج في منازلهم في المواسم: مجنة, وعكاظ, ومنازلهم بمنى من يؤويني وينصرني حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة ؟ فلا يوجد أحداً يؤويه ولا ينصره, حتى أن الرجل يرحل صاحبه من مصر أو اليمن فيأتيه قومه أو ذوو رحمة فيقولون: احذر فتى قريش لا يفتنك ! يمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله – عز وجل -, يشيرون إليه بأصابعهم, حتى بعثنا الله – عز وجل –  له من يثرب, فيأتيه الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن, فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه, حتى لم يبق دار من يثرب إلا وفيها رهط من المسلمين, يظهرون الإسلام.

 

ثم بعثنا الله – عز وجل – وائتمرنا واجتمعنا سبعين رجلاً منا فقلنا: حتى متى نذر رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – يطوف في جبال مكة ويخاف, فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم, فواعدنا شعب العقبة فاجتمعنا فيه من رجل ورجلين, حتى توافينا عنده فقلنا:

 

يا رسول الله ! على ما نبايعك فقال بايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل, وعلى النفقة في العسر واليسر, وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم, وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبنائكم, ولكم الجنة.

 

فقمنا بنايعه, وأخذ بيده أسعد بن زرارة, وهو أصغر السبعين رجلا إلا أنا, فقال: رويداً يا أهل يثرب ! إنا لم نضرب إليه أكبار المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله, إن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة, وقتل خياركم, وإن تعضكم السيوف, فإما أنتم قوم تصبرون على عض السيوف إذا مستكم, وعلى قتل خياركم, وعلى مفارقة العرب, كافة فخذوه وأجركم على الله, وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله – عز وجل – , قلنا: أمط يدك يا أسعد بن زرارة, فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقبلها, فقمنا إليه نبايعه رجلاً رجلاً, يأخذ علينا شرطه, ويعطينا على ذلك الجنة ".

 

ثانيا: حديث كعب بن مالك:

 

ثم قد واعدنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – العقبة أوسط أيام التشريق, ونحن سبعون رجلاً للبيعة, وومعنا عبدالله بن عمرو بن حرام أبو جابر, وإنه لعلى شركه, فأخذناه فقلنا يا أبا جابر: والله إنا لنرغب بك أن تموت على ما أنت عليه فتكون لهذه النار غدا حطبا, وإن الله قد بعث رسولاً يأمر بتوحيده وعبادته, وقد أسلم رجال من قومك, وقد واعدنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – للبيعة, فأسلم وطهر ثيابه وحضرها معنا, فكان نقيباً.

 

فلما كانت الليلة التي واعدنا فيها رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – بمنى أول الليل مع قومنا فلما استثقل الناس في النوم تسللنا من قريش تسلل القطا, حتى إذا اجتمعنا بالعقبة, فأتانا رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – وعمه العباس ليس معه غيره, أحب أن يحضر أمر ابن أخيه, فكان أول متكلم, فقال:

 

" يا معشر الخزرج – وإنما كانت العرب تسمي هذا الحي من الأنصار أوسها وخزرجها -: إن محمداً منا حيث قد علمتم, وهو في منعة من قومه وبلاده قد منعناه ممن هو على مثل رأينا فيه, وقد أبى إلا الانقطاع إليكم وإلى ما دعوتموه إليه, فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه فأنتم وما تحملتم, وإن كنتم تخشون من أنفسكم خذلانا فاتركوه في قومه فإنه في منعه من عشيرته وقومه.

 

فقلنا قد سمعنا ما قلت, تكلم يا رسول الله, فتكلم رسول الله – صلى الله عليه وسلم -, ودعا إلى الله – عزوجل -, وتلا القرآن, ورغب في الإسلام, فأجبناه بالإيمان به والتصديق له, وقلنا له: يا رسول الله ! خذ لربك ولنفسك, فقال: إني أبايعكم على أن تمنعوني مما منعتم منه أبنائكم ونسائكم ".

 

فأجابه البراء بن معرور فقال: نعم والذي بعثك بالحق مما تمنع منه أزرنا, فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحرب, وأهل الحلقة, ورثناها كابراً عن كابر.

 

فعرض في الحديث, أبو الهيثم بن التيهان, فقال يا رسول الله أن بيننا وبين أقوام حبالاً, وإنا قاطعوها, فهل عسيت إن الله أظهرك أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم  -: " بل الدم بالدم, والهدم الهدم أنا منكم, وأنتم مني: أسالم من سالمتم, وأحارب من حاربتم ".

 

فقال له البراء بن معرور: ابسط يدك يا رسول الله الله نبايعك, فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم  -: " أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيباً ", فأخرجوهم له.

 

فكان نقيب بني النجار: أسعد بن زرارة.

 

وكان نقيب بني سلمة: البراء بن معرور, وعبدالله بن عمرو بن حرام.

 

وكان نقيب بني ساعدة: سعد بن عبادة, والمنذر بن عمرو.

 

وكان نقيب بني زريق: رافع بن مالك بن العجلان.

 

وكان نقيب بني الحارث بن الخزرج: عبدالله بن رواحة, وسعد بن الربيع.

 

وكان نقيب القوافل بني عوف بن الخزرج: عبادة بن الصامت, وفي الأوس من بني عبد الأشهل: أسيد بن حضير, وأبو الهيثم بن التيهان.

 

وكان نقيب بني عمرو بن عوف, سعد خيثمة, فكانوا اثنى عشر نقيباً: تسعة من الخزرج, وثلاثة من الاوس.

 

قال فأخذ البراء بن معرور بيد رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – فضرب عليها, وكان أول من بايع, وتتابع الناس فبايعوا, فصرخ الشيطان على العقبة بأبعد – والله – صوت ما سمعته قط: فقال يا أهل الجباجب هلا لكم في مذمم ما يقول محمد والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم.  فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم  -: " هذا أزب العقبة, هذا ابن أزيب أما والله لأفرغن لك, ارفضوا إلى رحالكم ".

 

فقال العباس بن عبادة بن نضلة أخو بني سالم: يا رسول الله ! والذي بعثك بالحق إن شئت لنملين غداً على أهل منى بأسيافنا, فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم  -: " إنا لم نؤمر بذلك, ارفضوا إلى رحالكم ", فرجعنا إلى رحالنا فاضطجعنا على فرشنا.

 

دروس التخطيط والتنظيم من بيعة العقبة الثانية:

 

يظهر التخطيط العظيم في بيعة العقبة حيث تمت في ظروف غاية في الصعوبة, وكانت تمثل تحدياً خطيراً وجريئاً لقوى الشرك في ذلك الوقت, ولذلك كان التخطيط النبوي لنجاحها في غاية الإحكام والدقة, على النحو التالي:

 

أ – سرية الحركة والانتقال لجماعة المبايعين, حتى لا ينكشف الامر فقد كان وفد المبايعة المسلم سبعين رجلاً وامرأتين, من بين وفد يثرب قوامه نحو خمسمائة, مما جعل حركة هؤلاء السبعين صعبة, وانتقالهم أمراً غير ميسور, وقد تحدد موعد اللقاء في ثاني أيام التشريق بعد ثلث الليل, حيث النوم قد ضرب أعين القوم, وحيث قد هدأت الرجل, كما تم تحديد المكان في الشعب الأيمن, بعيداً عن عين من يستيقظ من النوم لحاجة.

 

ب – الخروج المنظم لجماعة المبايعين إلى موعد ومكان الاجتماع, فخرجوا يتسللون مستخفين رجلاً رجلاً, أو رجلين رجلين.

 

جـ – ضربة السرية التامة على موعد ومكان الاجتماع, بحيث لم يعلم به سوى العباس بن عبد المطلب الذي جاء مع النبي – صلى الله عليه وسلم  – ليتوثق له, وعلي بن أبي طالب الذي كان عيناً للمسلمين على فم الشعب, وأبو بكر الذي كان على فم الطريق وهو الآخر عيناً للمسلمين, أما من عداهم من المسلمين وغيرهم فلم يكن يعلم عن الأمر شيئاً, وقد أمر جماعة المبايعين أن لا يرفعوا الصوت وأن لا يطيلوا في الكلام, حذراً من وجود عين تسمع صوتهم, أو يحبس حركتهم.

 

د – متابعة الإخفاء والسرية, حين كشف الشيطان أمر البيعة, فأمرهم النبي – صلى الله عليه وسلم  – أن يرجعلوا إلى رحالهم ولا يحدثوا شيئاً, رافضاً الاستعجال في المواجهة المسلحة التي لم تتهيأ لها الظروف بعد, وعندما جاءت قريش تستبرىء الخبر موه المسلمون عليهم بالسكوت, أو المشاركة بالكلام الذي يشغل عن الموضوع.

 

هـ – اختيار الليلة الأخيرة من ليالي الحج, وهي ليلة الثالث عشر من ذي الحجة, حيث سينفر الحجاج إلى بلادهم ظهر اليوم التالي وهو يوم الثالث عشر, ومن ثم تضيق الفرصة أمام قريش في اعتراضهم أو تعويقهم إذا انكشف أمر البيعة وهو أمر متوقع وهذا ما حدث.

 

و – أن الرسول – صلى الله عليه وسلم  – لم يعين النقباء إنما ترك طريق اخيارهم إلى الذين بايعوا, فإنهم سيكونون عليهم مسئولين وكفلاء, والأولى أن يختار الإنسان من يكفله ويقوم بأمره, وهذا أمر شوري وأراد الرسول – صلى الله عليه وسلم  – أن يمارسوا الشورى عملياً من خلال اختيار نقابائهم.

 

ع – التمثيل النسبي في الاختيار, من المعلوم أن الذين حضروا البيعة من الخزرج أكثر منالذين حضروا البيعة من الأوس, ثلاثة أضعاف من الاوس بل يزيدون, ولذلك كان النقباء ثلاثة من الأوس وتسعة من الخزرج.

 

ى – جعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – النقباء مشرفين على سير الدعوة في يثرب, حيث استقام عود الإسلام هناك, وكثر مثقفوه, وأراد الرسول – صلى الله عليه وسلم  – أن يشعرهم أنهم لم يعودوا غرباء لكي يبعث إليهم أحداً من غيرهم, وأنهم غدوا أهل الإسلام وحماته وأنصاره.

 

القراءة السياسية لبنود البيعة:

 

ـ  لا يخفى أن الإنسان مدني بالطبع؛ فهو مفطور على الاجتماع ببني جلدته، تَحْدُوه بذلك دوافع الحصول على الكساء والغذاء والدفاع عن نفسه ضد الأخطار، والإنسان خاضع لضرورة ثانية هي إقامة الجماعة السياسية لضبط آلية  النظام والحركة؛ فالسلطة السياسية ظاهرة اجتماعية في المقام الأول، ولا يمكن تصور وجودها خارج الجماعة، كما أنه لا قيام للجماعة دون نظام سياسي.

 

ذلك أن هنالك سنتان ربانيتان  تتقاسمان الوجود الإنساني، هما: سنة  التعاون ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى ) [ المائدة: 2 ]، ثم سنة  الصراع أو التدافع  ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ ) [ البقرة: 251 ]، ومن ثم فإذا ما تصورنا هذا الوجود كائناً حياً، كان لا بد له من ناظم يضبط ويكبح رغباته الفردية ونزواته الشخصية، وينمي بالمقابل الإحساس بالتضامن الاجتماعي، وهذا ما عبر عنه الخليفة الراشد علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – بقوله: « لا بد للناس من إمارة بارَّة كانت أم فاجرة، فقيل: يا أمير المؤمنين ! هذه البارَّة قد عرفناها؛ فما بال الفاجرة ؟ فقال: تقام بها الحدود، وتؤمن بها السبل، ويجاهد بها العدو، ويقسم بها الفيء »

 

فالرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم  – الرائد كان يرى ضرورة السلطة والتنظيم كضرورة الماء للكائن الحي، بل كان يرى ذلك حتى في أبسط شكل من أشكال الاجتماع السياسي، كخروج ثلاثة نفر في سفر، كما صح عنه – صلى الله عليه وسلم  – ذلك، وذلك حين قال: « إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم »  وفي رواية أحمد قال – صلى الله عليه وسلم  -: « لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة الأرض إلا أمَّروا عليهم أحدهم »

 

يقول ابن تيمية – – رحمه الله  – – في فهم هذه الأحاديث أنه – صلى الله عليه وسلم  – قد: « أوجب تأمير الواحد في الاجتماع العارض في السفر منبهاً في ذلك على سائر أنواع الاجتماع »

 

ويقول في موضع آخر: « وكل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بالاجتماع، والتعاون، والتناصر، فالتعاون على جذب منافعهم، والتناصر لدفع مضارهم "

 

لقد كان الرسول – صلى الله عليه وسلم  – مدركاً تمام الإدراك للدور الذي تلعبه السلطة في عملية النهوض التاريخي، والتغيير الحضاري الضخم، ولكنه لم يدرك ذلك مقولة ذهنية فحسب، بل مارس تلك الحقيقة ممارسة الواعي بخطه الاستراتيجي، المدرك لتقلبات النظم السياسية، الراصد للتحولات العرفية والإنسانية، العارف بالضرورة الإنسانية والحاجة الفطرية لذلك؛ حيث إنه كان حريصاً على إقامة السلطة السياسية، وبناء الدولة الإسلامية قبل هجرته للمدينة، وذلك أثناء بيعة العقبة الأولي التي ركزت علي الجانب الإيماني والعقدي،  والثانية  التي ركزت على تأسيس مقومات الدولة، وقيام أركان الاجتماع السياسي بصورة لم يسبق لها مثيل ولا نظير في تاريخ التحول البشري، والاجتماع السياسي.

 

ــ لا يخفى أن البيعة الأولى كانت تدور في فلك ضرورة الإيمان بهذه الدعوة الجديدة وحمايتها ونشرها بين أوساط قبائل الأوس والخزرج تمحيصاً لتحقيق أبعاد المشروع السياسي، وذلك بإقامة دولة الإسلام بأركانها الاعتبارية ( دار وأنصار وسلطان ).

 

وهذا البعد السياسي فيما يبدو كان واضحاً في أذهان  الخزرج، وبرهان ذلك حين أشاروا على الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم  – أن يتريث في القدوم عليهم إلى أن يتمكنوا من ترتيب الأوضاع في بلادهم من الناحية السياسية والأمنية وغير ذلك مما هو لازم لذلك التحول التاريخي.

 

ثم أرسل الرسول القائد – صلى الله عليه وسلم  – بعد هذه البيعة مصعب بن عمير – رضي الله عنه – لتحقيق هذه المقدمات الضرورية لقيام الدولة الإسلامية، فانطلق مصعب بن عمير ومن أحاط به من رجال الأنصار رضوان الله عليهم يقصدون كسب سادة المدينة إلى الإسلام، فأسلم حينئذ عدد من زعماء المدينة، منهم أسيد بن الحضير، و سعد بن معاذ.

 

وحين أصبح عدد الزعماء الذين أسلموا من أهل المدينة كافياً لتقديم النصرة إلى الدعوة بمعنى تسليم السلطة السياسية إلى الرسول القائد – صلى الله عليه وسلم  – هنالك عقد الأنصار في المدينة مقر الدولة الإسلامية الجديد مؤتمراً فيما بينهم قرروا فيه إعطاء النصرة للرسول – صلى الله عليه وسلم  – لكي يتسلم مقاليد الحكم والسلطان في المدينة، وعلى إثر هذا المؤتمر قدم وفد من هؤلاء الأنصار والزعماء يتألف من ثلاثة وسبعين رجلاً، وامرأتين وذلك في موسم الحج وتم عقد بيعة العقبة الثانية التي أعطي فيها زمام الحكم والدعوة لصاحبها رسول الله – صلى الله عليه وسلم  -؛ وذلك في الموعد نفسه الذي ضربه رسول الله للاجتماع بهم.

 

فقد ورد نص هذا المؤتمر الذي انعقد في المدينة على لسان جابر بن عبد الله – رضي الله عنه – حين قال: « فائتمرنا، واجتمعنا سبعين رجلاً منا، فقلنا: حتى متى رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – يطرد في جبال مكة، ويخاف ؟ فرحلنا حتى قدمنا عليه، قال: تبايعوني قلنا: نبايعك.. الحديث »

 

وهذا يعني: أن هذا الاجتماع مع الرسول القائد – صلى الله عليه وسلم  – في هذا الوقت إنما كان فقط من أجل البيعة والتناصر على شيء قد تقررت الموافقة عليه من قبل هذا اللقاء؛ وذلك بإعطاء النصرة للنبي – صلى الله عليه وسلم  – بالمفهوم السياسي.

 

يدل على ذلك عدة أمور تفهم من حديث كعب بن مالك – رضي الله عنه – بشأن هذه البيعة وهي: أن العباس بن عبد المطلب وكان أول من تكلم في الاجتماع بادر الأنصار قائلاً: « إن محمداً قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم »

 

إذن، فالأمر مبتوت فيه، وليس هذا الاجتماع من أجل الدخول في مباحثات حوله من أجل تقريره أو لا، وإنما كان الاجتماع من جهة الرسول القائد – صلى الله عليه وسلم  – للتثبت من تسلم زمام السلطة وأن يسمعوا له ويطيعوا على كل أحوالهم « أبايعكم على السمع والطاعة في النشاط والكسل »

 

هذا من جانب النبي – صلى الله عليه وسلم  -، أما من جهة الأنصار فقد كان التأكيد على قبولهم للدعوة والدولة الإسلامية، وأنهم على أتم الاستعداد للتضحية من أجل سلامة هذا المشروع، وتحقيقه على أرض الواقع، وتأمين أهدافه في مختلف مراحل التمكين والتأمين، « لن نقيل ولا نستقيل ».  

 

ــ أما عن البعد العسكري فلا ريب أنه لا يستقيم أمر عقيدة، وفكر سياسي، وكيان دولة تتجلى على أرض الواقع؛ إلا بقوة عسكرية تحميها في مراحل تأسيسها وتمكينها؛ فكم من حق ضاع ودهسته الأقدام  لعدم وجود قوة تحميه ! وكم من باطل قام وانتفخ ليس بأفكاره وعدالة مبادئه، وإنما للقوة المدججة التي تحميه وتنافح عنه ! والواقع خير شاهد على ذلك قال تعالى لنبيه: [ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ">( النساء: 8

 

جاء في رواية الزهري فيما قاله أسعد بن زرارة – رضي الله عنه – أحد رجالات الأنصار في هذا الاجتماع، قال: « يا رسول الله ! إن لكل دعوة سبيلاً إنْ لينٌ وإنْ شدةٌ ! ! وقد دعوتنا اليوم إلى دعوة متجهمة للناس، متوعرة عليهم ! ! دعوتنا إلى ترك ديننا واتباعك إلى دينك، وتلك مرتبة صعبة فأجبناك إلى ذلك ! ودعوتنا إلى قطع ما بيننا وبين الناس من الجوار، والأرحام، والقريب والبعيد، وتلك مرتبة صعبة فأجبناك إلى ذلك ! ودعوتنا ونحن جماعة في عز ومنعة، ولا يطمع فينا أحد أن يرأس علينا رجل من غيرنا، قد أفرده قومه، وأسلمه أعمامه، وتلك رتبة صعبة فأجبناك إلى ذلك ! وكل تلك الرتب مكروهة عند الناس إلا من عزم الله على رشده، والتمس الخير في عواقبها، وقد أجبناك إلى ذلك بألسنتنا، وصدورنا، نبايعك على ذلك، ونبايع الله ربك، يد الله فوق أيدينا، ودماؤنا دون دمك » [.

 

ثم قام العباس بن نضلة – رضي الله عنه – أحد زعماء الأنصار الذين حضروا البيعة، فألقى كلمة توضيحية قال فيها: « هل تدرون علامَ تبايعون هذا الرجل ؟ قالوا: نعم ! قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس ».

 

ثم قام أبو الهيثم بن التيهان – رضي الله عنه – أحد زعماء الأنصار الذين حضروا البيعة، فألقى كلمة أكد فيها على أهمية البعد العسكري لهذه البيعة المباركة، فقال لهم: « يا قوم ! هذا رسول الله، أشهد أنه لصادق، وأنه اليوم في حرم الله وأمنه، وبين ظهري قومه وعشيرته، فاعلموا أنه إن تخرجوه رمتكم العرب عن قوس واحدة ! فإن طابت أنفسكم بالقتال في سبيل الله، وذهاب الأموال، والأولاد فادعوه إلى أرضكم؛ فإنه رسول الله حقاً، وإن خفتم خذلاناً فمن الآن.

 

فقالوا عند ذلك: قبلنا عن الله، وعن رسوله ما أعطيانا، وقد أعطينا من رسول الله الذي سألتنا يا رسول الله »

 

 يقول ابن حجر – رحمه الله  – وهو بصدد حديثه عن بيعة الحرب، بيعة قيام الدولة الإسلامية، مؤكداً فيها على أهمية البنود الواردة بخصوص الأمن والتأمين للدعوة والدولة في مراحل تأسيسها والتمكين لها: إنما كان ليلة العقبة ما ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي أن النبي – صلى الله عليه وسلم  – قال لمن حضر من الأنصار: « أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم، وأبناءكم، فبايعوه على ذلك، وعلى أن يرحل إليهم، هو وأصحابه ».

 

وفي رواية أحمد: « وعلى أن ننصر رسول الله – صلى الله عليه وسلم  – إذا قدم علينا يثرب، فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا، وأزواجنا، وأبناءنا »

 

وينبغي ألا يعزب عن بالنا أن طلب الرسول – صلى الله عليه وسلم  – من الأنصار في هذه البيعة بيعة الدولة الإسلامية التأمين الشامل والكامل بشقيه الوقائي والإيجابي في إطار ( الأنفس، والأزواج، والأولاد، والأصحاب ) ما هي إلا سنة من سنن قيام الدولة الإسلامية التي تساعد على انطلاق  الدعوة الإسلامية وحمل رسالتها السامية إلي العالمين.  

 

———-

المراجع والمصادر:

  • سيرة ابن هشام
  • الروض الأنف
  • دلائل النبوة
  • الدرر في المغازي والسير
  • الطبقات
  • السيرة النبوية للذهبي
  • السيرة النبوية للصلابي
  • البداية والنهاية
  • تاريخ الطبري
  • الكامل في التاريخ

 

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات