طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||
ملتقى الخطباء > الأحـداث التاريخية > تفسير التاريخ > خصائص السنن الكونية والاجتماعية في القرآن الكريم

ملتقى الخطباء

(13٬672)
1036

خصائص السنن الكونية والاجتماعية في القرآن الكريم

تاريخ النشر : 1430/04/24
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

إن من خصائص السنن الكونية والاجتماعية التي عينها القرآن الكريم خاصية الثبات والدوام، أي أنها لا تتغير، ولا تتبدل، ولا تتحول، وهي تجري على الآخرين كما جرت على الأولين، وتعمل في عصر سفن الفضاء عملها في عصر الجمل سفينة الصحراء، وثبات السنن وعدم تغيرها وتحولها أمر لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان كما يقال

 

 

 

 

 

 

إن للسنن الكونية والاجتماعية خصائص وسمات أربع وهي : الربانية، والعموم، والثبات، والاطراد، وبسط ذلك فيما يأتي :

أ‌- الربانية

إن أهم خصائص السنن في القرآن الكريم هو خاصية الربانية أي ربانية السنن الكونية والاجتماعية، فهي مرتبطة بالله سبحانه وتعالى خلقا وإيجادا وتقديرا، وليس ذلك لأحد من الناس، ولذلك ورد لفظ السنة في القرآن الكريم بإضافتها إلى الله تعالى في مواضع من القرآن الكريم : (سنة الله)، و (كلمات الله) على اختلاف التعبير كما قال سبحانه: (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) [الفتح: 22-23]، أما إضافتها إلى غير الله من الرسل والأولين؛ فإن إضافتها إليهم باعتبار تعلقها بهم، وإنما هي سنة الله فيهم.

والقرآن الكريم حينما يسبغ الطابع الرباني على السنن الكونية والاجتماعية التي تحكم عالم الشهادة، يريد أن يؤكد الصلة الوثيقة بين العلم والإيمان، لأن اكتشاف انتظام هذه السنن والقوانين وعملها ينبغي أن يقود إلى الإيمان بالله عز وجل لا إلى الطغيان والاستغناء عنه سبحانه، فعندما يقرأ الإنسان صفحات الكون أو صفحات التاريخ والاجتماع، ينبغي أن يقرأها باسم الله الخالق (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [العلق: 1-5].

إن التوكيد على مصدر السنن والقوانين الذي هو البارئ سبحانه وتعالى؛ هو الذي يعطيه قيمته الرئيسة، وميزته الكبرى، فهو وحده مناط الثقة في أنه المنهج المبرأ من الجهل والهوى والانحراف في التفسير، هذه الخصائص المصاحبة لكل عمل بشري والتي نراها مجسمة في جميع المناهج التاريخية والاجتماعية التي صاغها البشر.

ب‌- العموم والشمول

وتتميز هذه السنن أيضا بالعموم والشمول؛ فهي تنطبق على الناس جميعا، دون تمييز ودون استثناء، وبلا محاباة، فالجزاء فيها من جنس العمل، والنتائج بمقدماتها، بغض النظر عن الدين، والجنس واللون، والأصل والإيمان، والكفر، فالكل في ميزانها سواء، كما قال تعالى : (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً) [النساء: 123]، فأي مجتمع أخطأ أو انحرف لقي جزاء خطئه وانحرافه ولو كان أطهر أمة، وخير مجتمع كمجتمع النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة رضي الله عنهم، وحسبنا في هذا ما دفعه الصحابة ثمنا لخطئهم في غزوة أحد، فلم يسوغ القرآن عملهم، ولما قالوا حين أصابهم ما أصابهم : أنى هذا ؟ ! وكيف تجري الأمور معنا هكذا ونحن المسلمين ؟؟ وكيف نهزم ؟ ! أجابهم القرآن بوضوح : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [آل عمران165 ]، وبين لهم في آية أخرى هذا الذي هو من عند أنفسهم والذي كان سبب الهزيمة بقوله : (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم ) [آل عمران152].

فمن سار على سنن الله في الحرب مثلا، ظفر بمشيئة الله وإن كان ملحدا أو وثنيا، ومن تنكبها خسر وإن كان صديقا أو نبيا، وعليه يتخرج انهزام المسلمين في غزوة أحد حتى وصل المشركون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشجوا رأسه وردوه في تلك الحفرة .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن ذلك العموم والشمول : (وسنته: عادته التي يسوي فيها بين الشيء وبين نظيره الماضي، وهذا يقتضي أنه سبحانه يحكم في الأمور المتماثلة بأحكام متماثلة، ولهذا قال (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ) [القمر43] وقال : (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) [الصافات22]، أي أشباههم ونظراؤهم، وقال : (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) [التكوير7 ]، 50 قرن النظير بنظيره، وقال تعالى : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم) [البقرة214]، وقال : (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة100] "فجعل التابعين لهم بإحسان مشاركين لهم فيما ذكر من الرضوان والجنة"

ومثال العموم والشمول في السنن النفسية والطبائع الإنسانية في الأفراد والأمم قوله تعالى : (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً) [النساء28] وقوله : (خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء: 37]، (وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً) [الإسراء: 11]، (وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً) [الكهف: 54]، فهذه سنن عامة وشاملة في جميع البشر .

ومثال العموم في سنن التغيير : (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد: 11]، فهي سنة عامة شاملة لكل بني الإنسان لعموم لفظ (قوم) في الآية.

ومثال العموم في سنة التداول : (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [آل عمران: 140].

ومثلها سنة التدافع : (فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة: 251] فلفظ (الناس) في الآيتين عام في البشر أجمعين، وهذا في القرآن الكريم قليل من كثير، وصبابة من غدير.

ج- الثبات والاستمرار

إن من خصائص السنن الكونية والاجتماعية التي عينها القرآن الكريم خاصية الثبات والدوام، أي أنها لا تتغير، ولا تتبدل، ولا تتحول، وهي تجري على الآخرين كما جرت على الأولين، وتعمل في عصر سفن الفضاء عملها في عصر الجمل سفينة الصحراء،وثبات السنن وعدم تغيرها وتحولها أمر لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان كما يقال، يدل عليه تاريخ الأمم والحضارات والواقع المشهود، فكل من جاء بالأسباب وأتى بالموجبات تحققت فيه سنن الله وأحاطت به.

فمثلا من جاء بأسباب الهلاك والدمار وقعت به وفق سنة الله تعالى لا محالة، وأن الهلاك لن يتبدل إلى نعيم وفقا لثبات السنن،ومن وجب عليه العذاب في الدنيا لإتيانه بأسبابه لا يتحول عنه إلى غيره؛ لأن سننه تعالى تجري على وزان العدل والحكمة، ولا يظلم ربك أحدا .

و دليل خاصية الثبات قوله تعالى : (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) [الأحزاب: 62]، وقوله سبحانه في سورة فاطر : (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً) [فاطر: 43].
وبين شيخ الإسلام ابن تيمية الفرق بين لفظي (التبديل) و (التحويل) مع ضرب الأمثلة ليتضح المراد.

فقال :« (فالتبديل) : أن تبدل بخلافه، والتحويل أن تحول من محل إلى محل؛ مثل استفزازه – أي استفزاز الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم- من الأرض ليخرجوه؛ فإنهم لا يلبثون خلفه إلا قليلا، ولا تتحول هذه السنة بأن يكون هو المخرج وهم اللابثون،، بل متى أخرجوه خرجوا خلفه، ولو مكث لكان هذا استصحاب حال، بخلاف ظهور الكفار فإنه كان تبديلا لظهور المؤمنين، وظهور الكفار إذ كان لا بد من أحدهما .

وأما أهل المكر السيئ والكفار فهي سنة تبديل، لا بد لهم من العقوبة، لا يبدلون بها غيرها، ولا تتحول عنهم إلى المؤمنين، وهو وعيد لأهل المكر السيئ أن لا يحيق إلا بأهله ولن يتبدلوا به خيرا : يتضمن نفيا وإثباتا، فلهذا نفى عنه التبديل والتحويل ».

والذي يمعن النظر في الآيتين المتقدمتين يجد أن العبارة التي أكد بها الله سبحانه ثبات سننه في خلقه عبارة لا تحتمل الريب واللبس، ومن ذلك استعمال أداة النفي (لن) تلك الأداة التي تفيد النفي في الاستقبال؛ فتنفي وقوع التبديل والتحويل في سنن الله تعالى في المستقبل، وذلك لأن (لن) حرف نفي واستقبال.

ومن الأدلة المتعلقة باللغة كذلك في الآيتين الكريمتين : أن الله تعالى أتى بلفظي (التبديل) و (التحويل) بصيغة التنكير، فجاءت الكلمتان نكرة، وسبقتا بأداة نفي وهي (لن) والقاعدة الأصولية اللغوية : أن النكرة في سياق النفي تعم.

وكذلك فإن المتأمل في قول الله تعالى: (فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا) ، يجد أن الله سبحانه وتعالى كرر النفي مرتين في الآية الكريمة، وخص كلا من (التبديل) و (التحويل) بنفي خاص ومستقل؛ لتأكيد النفي للتبديل والتحويل. وكذلك فإن إفراد كل من التبديل والتحويل بنفي مستقل يؤكد أن لكل لفظ من اللفظين معنى خاص دقيق يختص بكل لفظ على حدة ، وإن كانا يفيدان في عمومهما معنى الثبات.

والقصد من ذلك كله تأكيد ثبات السنن الكونية والاجتماعية في الآفاق والأنفس.

د- الاطراد

والخاصية الرابعة للسنن الكونية والاجتماعية في القرآن الكريم هي : الاطراد أي التكرار والتتابع على نهج واحد وطريقة واحدة لا تختلف ولا تتخلف؛ كلما وجدت الأسباب، وتوفرت الشروط، وانتفعت الموانع، ولولا الاطراد لم يصح الاعتبار، وقد قال تعالى : (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ َـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ) [آل عمران: 137-138]، وقال سبحانه : (َقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ) [يوسف: 111]، وقال : (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [الحشر: 2].

والاطراد دليل على أن مقتضى حكمة الله تعالى أن يقضي في الأمور المتماثلة بقضاء متماثل لا بقضاء مخالف، فإذا كان قد نصر المؤمنين لأنهم مؤمنون، كان هذا موجبا لنصرهم حيث وجد هذا الوصف، بخلاف ما إذا عصوا ونقضوا إيمانهم كيوم أحد فإن الذنب كان لهم، ولهذا قال : (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [الحشر: 2]، فعم كل سنة له، وهو يعم كل سنته في خلقه وأمره؛ في الطبيعيات والدينيات.

ويزيد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الأمر شرحا وبيانا فيقول :(و (السنن) و (أسنان المشط) ونحو ذلك بلفظ (السنة) يدل على التماثل، فإنه سبحانه إذا حكم في الأمور المتماثلة بحكم؛ فإن ذلك لا ينتقض ولا يتبدل ولا يتحول، بل هو سبحانه لا يفوت بين المتماثلين، وإذا وقع تغيير فذلك لعدم التماثل، وهذا القول أشبه بأصول الجمهور القائلين بالحكمة في الخلق والأمر، وأنه سبحانه يسوي بين المتماثلين، ويفرق بين المختلفين، كما دل القرآن على هذا في مواضع كقوله تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ)[القلم: 35].

ومن هذا الباب صارت قصص المتقدمين عبرة لنا، ولولا القياس واطراد فعله وسنته لم يصح الاعتبار بها، والاعتبار إنما يكون إذا كان حكم الشيء حكم نظيره، كالأمثال المضروبة في القرآن، وهي كثيرة".
فالحكمة –إذن- من كون السنن ثابتة ومطردة هو أن تنضبط الموازين، وتستقر معالم الحكم على الأشياء والأحداث والوقائع والأفراد والأمم والتاريخ والحضارات، وإلا كان الأمر فوضى وعبتا ولعبا، وهو ليس كذلك قطعا وجزما .

وهو الأصل الذي نبه عليه شيخ المقاصد الإمام الشاطبي لما بين أن الإخبار الشرعي قد جاء بأحوال من هذا الوجود على أنها دائمة وغير مختلفة إلى قيام الساعة، كالإخبار عن السموات والأرض وما بينهما وما فيهما من المنافع والتصاريف والأحوال و أن سنة الله لا تبديل لها، وأن لا تبديل لخلق الله.

ثم يذكرنا الشاطبي أن هنالك علاقة لزوم بين معرفة الدين واطراد السنن، وأنه لو لم تكن السنن الكونية والاجتماعية مطردة، لم يعرف الدين من أصله، فضلا عن تعرف فروعه، لأن الدين لا يعرف إلا بالاعتراف بالنبوة، ولا سبيل للاعتراف بها إلا بواسطة المعجزة، ولا معنى للمعجزة إلا أنها فعل خارق للعادة، ولا يحصل فعل خارق للعادة إلا بعد تقرير اطراد العادة في الحال والاستقبال كما اطردت في الماضي.

فلو كان الباري عز وجل خلق الناس وخلق الكون من حولهم في تغيير مستمر لما أمكن أن يكون لهم تشريع ثابت لا يتغير، فثبات التشريع في أصوله وعدم تغيره واضطرابه بتغير الزمان والمكان دليل على أن الخلق الذين شرع لهم لا تتغير فطرهم وطبائعهم التي بني عليها التشريع.

إن القرآن الكريم بتأكيده المستمر على اطراد السنن الكونية والاجتماعية، وتكررها، وتسلسلها، وتتابعها، يكون قد جاء برؤية علمية للتاريخ والاجتماع، أي أن هذه السنن مطردة، ليست علاقة عشوائية،وليست رابطة بين العلل والمعلولات قائمة على الصدفة والاتفاق، وإنما هي علاقة ذات طابع موضوعي وعلمي، لأن أهم ما يميز القانون العلمي الخاضع للاستقراء والملاحظة والتجربة عن بقية المعدلات والفروض هو الاطراد والتتبع وعدم التخلف.

هذا البلاغ القرآني الجليل في مسألة السنن أعرض المسلمون عن هديه، وجنح كثير منهم في العصور الأخيرة إلى إنكار ثبات السنن واطرادها؛ بل إلى تحريم النظر في علل الأشياء وأسبابها، والتوهم بأن هذا الاعتقاد يتعارض مع الإيمان بقدرة الله تعالى وقضائه،ويناقض التوكل عليه سبحانه،ففصلوا بين السبب والمسبب، وبين المقدمة والنتيجة، فسادت بينهم النظرة العفوية الاستسلامية، والرؤية الفوضوية المفككة، التي تنظر إلى أحداث التاريخ والاجتماع والعمران كما لو كانت كومة متراكمة معزولة، منفصلا بعضها عن بعض،لا يربطها رابط ولا يجمعها جامع من علل ومعلولات؛ وأسباب ومسببات .

وساد ضرب من الفكر الكلامي، انتشر في أطراف العالم الإسلامي؛ مند القرن الخامس الهجري،متأثرا بالجدل الفلسفي الأجنبي؛ سعى إلى تعطيل قانون السببية تعطيلا كاملا، ونزع صفة الاطراد عن السنن؛ بحجة أن الصفات لا ترتبط بالموجودات ارتباطا لازما، بل ترتبط بها ارتباط عادة، فيعتقد هؤلاء مثلا أنه ليس من طبيعة النار الإحراق، ولكن الله تعالى يجعل فيها هذه الصفة لحظة ملامستها! وكذلك السكين ليس من طبيعته القطع، وإنما يخلق الله عز وجل هذه الصفة فيها حين إمرارها على الجلد،وبناء على ذلك،أنكروا كل (باء سببية) في القرآن الكريم، وبدعوا من خالفهم، ومن قال :النار تحرق بقوة أودعها الله فيها؛ فهو مبتدع ضال في زعمهم، ومن متونهم المنظومة في العقيدة:

والفعل في التأثير ليس إلا *** للواحد القهار جل وعلا
ومن يقل بالطبع أو بالعلة *** فذاك كفر عند أهل الملة
ومن يقل بالقوة المودعة *** فذاك بدعي فلا تلتفت

ومرد هذا نفي فكرة الطبع التي كان يقول بها بعض الفلاسفة القدامى،إذ يعتقد هؤلاء المتكلمون أن التسليم بوجود الصفات في طبع الأشياء يعطل الإرادة الإلهية؛ ويجعل هذه الأشياء فاعلة بذاتها وليس بقدرة الله تعالى، وقد أخطأوا حين ظنوا بأن الاطراد في السنن ينفي المشيئة الإلهية أو يعطلها، لأن السنن التي تحكم الوجود، ما هي إلا قدر الله عز وجل، أنشاه حتى يستطيع الإنسان تسخيره واستثماره والاستفادة منه في سائر شؤون حياته، وقد كان من نتائج هذا الفكر الكلامي الجانح تعطيل الأخذ بأسباب النهوض والبناء والرقي، نشأ عنه تخلف المسلمين الحضاري، وسقوطهم الاجتماعي، والانصراف عن العطاء والعمل، إلى الكلام والمراء والجدل.

كما أن التصوف الفلسفي البدعي الذي فشا في المسلمين فشوا كبيرا في العصور المتأخرة كان من أعظم العوامل التي أدت إلى ضعف الوعي باطراد السنن؛ مما أفضى إلى الاستهانة بالعلوم التجريبية، والتفريق بين الشريعة والحقيقة، وإهمال الدنيا وعمارة الأرض، والانعزال عن الخلق في الربط والزوايا والتكايا، بحجة التربية والتزكية من أجل الآخرة، وترك الأخذ بالأسباب، والسلبية والتواكل، والإعراض عن التفكير العلمي الذي أصله الإسلام إعراضا يكاد يكون تاما، وانتشار الخرافات والأساطير والبدع بينهم، وميل الناس ميلا عظيما إلى الاشتغال بالخوارق والكرامات، والأضرحة والأولياء والمزارات.