طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||

ملتقى الخطباء

(371)
1415

رسالة مسلمي سرقسطة

تاريخ النشر : 1439/09/05
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

وفي النهاية سقطت سرقسطة في 3 رمضان 512 هـ / 18 ديسمبر 1118 م، ، بعد أن حكمها المسلمون منذ الفتح أكثر من أربعة قرون، وبعد أن لعبت في تاريخ الثغر الأعلى الأندلسي، أعظم دور، سواء من الناحية العسكرية أو السياسية أو الحضارية…

أجمع أهل العلم أنه إذا تعرض بلد إسلامي لهجوم الأعداء وجب على جميع أهل البلد كبارًا وصغارًا، رجالاً ونساءً، الدفاع عن البلد، وإذا عجز أهل البلد عن الدفاع وجب على أهل البلد المجاور الاشتراك في نصرة إخوانهم، وإذا عجز البلد المجاور انتقل الوجوب للأقرب فالأقرب، وإذا تكاسل المسلمون عن نصرة إخوانهم أثم الجميع وصاروا مسئولين أمام الله -عز وجل- يوم القيامة، ولن يرحمهم التاريخ الذي سوف يسطر هذا التخاذل وترك نصرة المسلمين المستضعفين، ولن يكون هناك مجد ولا فخر بأي عمل كائنًا ما كان طالما أن صفحات التاريخ ستسطر الخزي والعار الذي ستجلل به كل الأجيال، والعجيب أن هذا الأمر ما زال يتكرر في كل عصر وزمان كأن المسلمين ما وعوا درسًا ولا قرأوا تاريخًا.

 

وبين أيدينا أثر تاريخي بالغ الأهمية عبارة عن رسالة أرسلها أهل مدينة سرقسطة لإخوانهم المسلمين بالأندلس يطلبون منهم النصرة والعون ضد عدوهم الصليبي وذلك سنة 512هـ. وهي رسالة تكاد تنطق على واقع المسلمين الآن، وهذه الرسالة أرسلها أهل المدينة للأمير تميم قائد جيوش المرابطين بالأندلس والذي خاف من لقاء العدو واستضخم قواته، فجبن عن لقائه وترك إخوانه نهبًا للكلاب والذئاب من أعداء الإسلام.

 

فما هي الأجواء التاريخية لتلك الرسالة؟! وما هي قصة سرقسطة الأندلسية وأهلها؟!، وكيف وصل بهم اليأس والإحباط حتى كتبوا هذا الأثر التاريخي المأساوي؟!

 

مقدمة تاريخية:

كانت سرقسطة تمثل منذ عهد الإمارة زعامة الأسر العربية والرياسة المحلية في الثغر الأعلى، وكان لموقع سرقسطة الخاص من الناحيتين الإستراتيجية والقومية أثر في سلوك أمرائها خاصة خلال حقبة ملوك الطوائف؛ فأما من الناحية الاستراتيجية، فقد كان بُعد سرقسطة عن وسط الأندلس، ومركز الحكومة الرئيسية، وموقعها الحصين على الضفة اليسرى لنهر إيبرو (إبرة)، ومناعة أسوارها العالية، دافع نحو توطيد استقلال أمراء سرقسطة عن حكومة قرطبة، وكانت من جهة أخرى تجعلها حاجزاً طبيعياً بين أراضي المسلمين، وأراضي النصارى. وأما من الناحية القومية، فإن وقوع مملكة سرقسطة المسلمة بين المالك النصرانية -بين إمارة برشلونة من الشرق ومملكتي أراجون ونافار (نبرّة) من الشمال، ومملكة قشتالة من الغرب- كان يحتم عليها أن تتبع نحو جيرانها النصارى، سياسة خاصة، يغلب عليها طابع السلم والتهادن، والملق والخضوع أحياناً في صورة أداء للجزية، وذلك حتى تأمن شر أولئك الجيران الطامعين الأقوياء، وكان ملوك سرقسطة فوق ذلك يستخدمون في جيوشهم كثيراً من النصارى المرتزقة. وقد ضمّ المرابطون سرقسطة لدولتهم سنة 503 هـ وأنهوا حكم بني هود الضعفاء الخانعين.

 

هذه المداهنة لا تجوز في دين الله -عز وجل- إلا من باب الاضطرار، فقد عرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلث ثمار المدينة على غطفان يوم الأحزاب ليرد كيدهم عن المدينة وأهلها، ولكن الأصل الاستعلاء بالدين وترك الصغار والانصياع للكافرين، واستمراء واستسهال مثل هذا النوع من المداهنات أوهى كيد الأمة وذهب بريحها.

 

ظهور ألفونسو المحارب:

في تلك الفترة العصيبة ظهر ملك صليبي جديد شديد العزم وافر البأس عميق الكره للإسلام والمسلمين هو “ألفونسو المحارب” ملك أراجون المجاورة لمملكة سرقسطة في الشمال، وكان هذا الرجل يضطرم بروح صليبية عميقة، كبير الولاء لبابا الفاتيكان ويحلم بتكرار تجربة الحملات الصليبية على الشام والتي نجحت في الاستيلاء على بيت المقدس منذ سنوات قليلة. فأعد العدّة اللازمة لاقتحام سرقسطة، وأرسل إلى بابا الفاتيكان يلتمس منه مباركة حربه على مسلمي سرقسطة ويناشده إعلان الحرب الصليبية عليها، وهذا الإعلان معناه فتح المجال للصليبيين في كل أنحاء العالم وخاصة فرنسا وإيطاليا وألمانيا وانجلترا بالمشاركة في حملة ألفونسو المحارب، وهو ما حدث بالفعل في سنة 512 هـ.

 

وتنوه الرواية الإسلامية بضخامة هذه الحملات الفرنجية التي اشتركت في حصار سرقسطة وافتتاحها، وتصفها إحدى الروايات بأنها كانت أمماً كالنمل والجراد، أو أنها أقبلت في عدد لا يحصى أكثره من الجند والرماة بلغوا خمسين ألف فارس، فيهم كثير من القساوسة والرهبان لشحن معنويات المقاتلين.

 

الحرب على الإسلام وأمة الإسلام كانت ومازالت وستظل حرباً دينية محضة تحركها النزعة الدينية المتعصبة والكارهة للإسلام أمة وديناً ومنهجاً ومجتمعاً، ومهما تسربلت تلك الحروب بمسميات زائفة وبراقة من عينة الحرب على الإرهاب أو نشر الديمقراطية أو منع حيازة أسلحة الدمار الشامل أو فض المنازعات. .. ستظل كلها أكاذيب وأباطيل للتعمية على الهدف الحقيقي وهو إبادة الدين وأهله.

 

حاصرت الحملة الصليبية سرقسطة وأحاطت بها من كل اتجاه إحاطة السوار بالمعصم، وحاول أهل سرقسطة مدافعة الصليبيين واشتبكوا معهم عدة مرات، ولكن والي المدينة “ابن مزدلي” كان بطلاً شجاعاً استطاع كسر ألفونسو المحارب عدّة مرات حتى دبّ اليأس في قلوب الصليبيين، وهمّوا بالانصراف، ولكن بقدر الله -عز وجل- وحده يعتل ابن مزدلي ويتوفى فجأة، فتنقلب الأمور رأساً على عقب، ويعاود ألفونسو المحارب حصار المدينة ويشتد في التضييق عليها، فكتب أهلها إلى أمير المرابطين “على بن يوسف بن تاشفين” يطالبونه بنجدتهم من الحصار الخانق، فأسرع الأمير علي بدوره بتكليف أخيه الأمير “تميم بن يوسف” بقيادة القوات المرابطية لنجدة المحاصرين في سرقسطة.

 

اشتد ألفونسو في حصار المدينة، وكان الذي يشرف على آلات الحصار واستعمالها، طائفة من أهل مدينة بيارن الفرنسية ممن اشتركوا في حصار بيت المقدس. وتمرسوا في استعمال هذه الآلات. واستمر حصار سرقسطة سبعة أشهر. والظاهر أنه استطال أكثر مما قدر ألفونسو المحارب وحلفاؤه. ذلك أنه في الوقت الذي كان فيه أهل سرقسطة، يعانون ويلات الحصار داخل الأسوار، كان المعسكر النصراني منذ مقدم الخريف، يعاني من نقص المؤن، ويهدده الجوع بشبحه المروع، حتى لقد فكر قادة الجيش النصراني في رفع الحصار، لولا أن شجعهم الأساقفة، ووضعوا تحت تصرفهم ذخائر عدة من الكنائس يجلبون بثمنها الأقوات.

 

إن المرء ليعجب من صبر أعداء الأمة وتضحياتهم وبذلهم للغالي والنفيس من أجل محاربة الأمة، فدور القساوسة لم يتوقف عند الشحن المعنوي وتحفيز المقاتلين، بل انتقل لمباشرة القتال بالنفس والمال، بل وإنفاق ذخائر الكنائس من أجل حرب الإسلام وأهله، وصدق الحق في محكم تنزيله (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدون عن سبيل الله..)[الأنفال 36 ].

 

وصلت النجدات المرابطية بقيادة الأمير تميم بن يوسف على مقربة من سرقسطة في أواخر أيام الحصار، فخرج إلى الأمير تميم زعيمان من زعماء المدينة، هما الفقيه علي بن مسعود بن إسحق بن إبراهيم بن عصام الخولاني وهو من أكابر علماء سرقسطة وحفاظها وأدبائها والخطيب أبو زيد بن منتيال، وحدثاه باسم أهلها عن استعدادات النصارى، ووجوب مناجزة العدو، ولكن الأمير تميماً “جبن عن ذلك” وكان انتقاله بالجيوش عن سرقسطة سبباً في نجاح النصارى في الاستيلاء على المدينة. والسر وراء ذلك أن تميماً لم يكن صنو أبيه البطل يوسف بن تاشفين بطل الزلاقة أو أخيه علي بن يوسف، ولم يكن مؤهلاً لمنصب القيادة أصلاً فهو محب للسلامة والدعة سريع الخور، ضعيف العزم، فلما نقل له السفيران وصف الجيش الصليبي وضخامته وقع الرعب في قلبه، وقرر الانسحاب تاركاً المدينة لمصيرها.

 

الرسول -صلى الله عليه وسلم- جعل من علامات الساعة؛ تضييع الأمانة، فلما سئل عن معنى تضييع الأمانة، قال: “إذا وسد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة”؛ فالمكان المناسب إذا لم يجد الرجل المناسب، وتم إيثار الأقارب والمحسوبيات والواسطة والرشوة في استخدام العمال والمسئولين، على ذوي الأحقية والكفاءة والأمانة والقوة والصلاح والصلاحية، فإن الخراب يخطو متسارعاً إلى هذه الأماكن، والهزائم ستتوالى على الأمة.

 

وعندما شعر أهل المدينة بتلكؤ الأمير تميم عن نجدتهم وتلومه عنهم، كتبوا إليه رسالة مأساوية مليئة بالعبر والعظات، رسالة مأساوية مبكية كتبها قاضي سرقسطة ثابت ابن عبد الله، وجماعة من أهلها يتضرعون إليه، في عبارات مؤثرة، ولكن أبيه حازمة باسم الدين والوطن، أن يتقدم لإنجاد سرقسطة وإنقاذ أهلها، وألاّ ينكص على عقبيه أمام النصارى، وقد استهلت هذه الرسالة بالتاريخ الذي كتبت فيه، وهو يوم الثلاثاء السابع عشر من شعبان (512 هـ)، أعني لستة أشهر ونصف من بدء الحصار، وقبل تسليم المدينة بثمانية عشر يوماً فقط، وفيها يصف الكاتب ما عاناه أهل سرقسطة من أهوال الحصار والجوع، في أثر تاريخي هام يصف هذه المرحلة، وقد جاء في الرسالة ما يلي:

“وما كان إلا أن وصلت -يعني الأمير تميم- وصل الله برك بتقواه على مقربة من هذه الحضرة, ونحن نأمل منك بحول الله أسباب النصرة بتلك العساكر التي أقر العيون بهاؤها وسر النفوس زهاؤها، فسرعان ما انثنيت وما انتهيت وارعويت وما أدنيت خايبًا عن اللقاء ناكصًا على عقبيك عن الأعداء، فما أوليتنا غناء، بل زدتنا بلاء، وعلى الداء داء بل أدواء، وتناهت بنا الحال جهدًا والتواءً، بل أذللت الإسلام والمسلمين واجترأت فضيحة الدنيا والدين، فيا لله ويا للإسلام، لقد اهتضم حومه وحماه أشد الاهتضام إذ أحجمت أنصاره عن إعزازه أقبح الإحجام، ونكصت عن لقاء عدوه، وهو في فئة قليلة ولمة رذيلة وطائفة قليلة، فما هذا الجبن والفزع وما هذا الهلع والجزع، بل ما هذا العار والضياع؟! أتحسبون يا معشر المرابطين وإخواننا في الله المؤمنين إن سبق على سرقسطة القدر بما يتوقع من المكروه والحذر أنكم تبلعون بعدها ريقًا، وتجدون في سائر بلاد الأندلس عصمها الله مسلكًا من النجاة أو طريقًا.. كلا، والله ليسومنكم الكفار عنها جلاءً وفرارًا، وليخرجنكم منها دارًا فدارًا، فسرقسطة حرسها الله هي السد الذي إن فتق فتقت بعده أسداد، والبلد الذي إن استبيح لأعداء الله استبيحت له أقطار وبلاد. فالآن أيها الأمير الأجل, هذه أبواب الجنة قد فتحت، وأعلام الفتح قد طلعت، فالمنية لا الدنية، والنار لا العار، فأين النفوس الأبية، وأين الأنفة والحمية، ولن يسعك عند الله ولا عند مؤمن عذر في التأخر والارعواء من مناجزة الكفار والأعداء، وكتابنا هذا أيها الأمير الأجل, اعتذار تقوم لنا به الحجة في جميع البلاد، وعند سائر العباد في إسلامكم إيانا إلى أهل الكفر والإلحاد ونحن مؤمنون، ومهما تأخرتم عن نصرتنا فالله ولي الثأر منكم ورب الانتقام، ويغنينا الله عنكم وهو الغني الحميد”.

 

هذه الرسالة المبكية والنداء المؤلم الذي لم يجد له صدى عند قائد المرابطين، كانت تحمل العديد من المعاني والعظات الهامة:

1 – أعداء الأمة مهما كانت قوتهم وتعدادهم وكثرتهم، فإن في النهاية أمام جند الإسلام الحقيقيين، شرذمة قليلون، وهكذا وصفتهم الرسالة على الرغم من عددهم الضخم كما أسلفنا.

 

2 – أن الفرار والنكول أمام أعداء الأمة، والخوف من مواجهتهم، مدعاة لنشر الهوان والخنوع ورواج الروح الانهزامية، وزيادة البلاء على البلاء، فالخوف من الأعداء أقوى سلاح طعنت به الأمة.

 

3 – التخلي عن نصرة المحاصرين وترك نجدتهم طلباً للسلامة، ظناً أن في ذلك النجاة على النفس والمال والدنيا، هو بداية السقوط، فالتخلي عن الإخوان بداية الأحزان، وقديماً قالت العرب لقد أكلت يوم أكل الثور الأبيض. والرسول صلى الله عليه وسلم قال : ” المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يسلمه. .”  أي لا يتركه لعدوه  يستفرد به.

 

وفي النهاية سقطت سرقسطة في 3 رمضان 512 هـ / 18 ديسمبر 1118 م، ، بعد أن حكمها المسلمون منذ الفتح أكثر من أربعة قرون، وبعد أن لعبت في تاريخ الثغر الأعلى الأندلسي، أعظم دور، سواء من الناحية العسكرية أو السياسية أو الحضارية.