طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||

ملتقى الخطباء

(467)
1605

كن محبوبًا (2)

تاريخ النشر : 1441/11/21
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

إنما يريد الخطيب المخلص أن يحبه الناس ليس ليحقق مجدًا شخصيًا ولا شعبية تهتف باسمه وتتعصب له، وإنما يريد منهم أن يحبوه ليتقبلوا منه الحق الذي يحمل، وليأخذوا عنه الهدى والنور الذي يقدمه إليهم…

لطالما سمعت ذلك الشاب يقول: إنني لأترك المسجد الذي بجانب بيتي يوم الجمعة وأذهب إلى مسجد بعيد خارج بلدتي لأنني لا أرتاح لخطيب مسجدنا… فسئل: فإن هناك عدة مساجد أخرى في البلدة التي أنت فيها فلما تذهب إلى خارجها؟ فأجاب: إنني أحب الاستماع إلى ذلك الخطيب في المسجد البعيد وكلما جربت غيره رجعت إليه مرة أخرى…

 

وإن حال هذا الشاب كحال أناس كثيرين يرغبون عن استماع بعض الخطباء لأنهم لا يحبونهم أو لا يرتاحون إليهم أو لا يشعرون بالاستفادة منهم…

 

لذا فقد بدأنا في مقالنا الماضي الحديث عن الوسائل التي يتبعها الخطيب ليجعل الناس يحبونه، وذكرنا ساعتها وسيلتين لذلك هما:

البند الأول: أحسن فيما بينك وبين الله.

البند الثاني: كن مرحًا متفائلًا.

 

وقبل أن نشرع في بيان البند الثالث، دعوني أُفصِّل بعض ما أجملته في المقال السابق، فأقول:

 

ما فائدة أن يحبك جمهورك؟

باختصار: إنهم إن أحبوك فقد أصبحت قائدًا لعقولهم، ملكًا متوجًا فوق قلوبهم، موجِّها لا يُخالَف لمشاعرهم وأفكارهم ومواقفهم… إن أحبوك -أيها الخطيب- فتحوا لك الآذان مستمعين منصتين، والقلوب متعلمين متأثرين، والجوارح منقادين عاملين… وعندها نقول بثقة: إنك قد نجحت.

 

وحب الناس وشهادة الصالحين للفرد أمر اعتبره الإسلام وأعلاه وقدَّره، بل وبنى عليه من الأحكام، فعن أنس بن مالك، قال: مر بجنازة فأثني عليها خيرًا، فقال نبي الله -صلى الله عليه وسلم-: “وجبت، وجبت، وجبت”، ومر بجنازة فأثني عليها شرًا، فقال نبي الله -صلى الله عليه وسلم-: “وجبت، وجبت، وجبت”، فلما سأله عمر عن ذلك أجابه -صلى الله عليه وسلم-: “من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض”(البخاري، ومسلم).

 

وهكذا فإنهم إن شهدوا لك بعد موتك نفعوك، فهذه الشهادة المعتبرة ليست مقصورة على جيل الصحابة فقط، بل شهادة كل مؤمن تقي معتبرة كذلك، وهذا على الراجح من كلام العلماء، يقول ابن حجر شارحًا: “قوله: “أنتم شهداء الله في الأرض”: أي: المخاطبون بذلك من الصحابة ومن كان على صفتهم من الإيمان، وحكى بن التين: أن ذلك مخصوص بالصحابة؛ لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة بخلاف من بعدهم، قال: والصواب أن ذلك يختص بالثقات والمتقين”(فتح الباري شرح صحيح البخاري)، واستدل ابن حجر على أنه عام في جميع المؤمنين بما جاء في أحد ألفاظ البخاري: “شهادة القوم المؤمنون شهداء الله في الأرض”(البخاري).

 

بل لقد ذهب النووي أبعد من ذلك؛ فرجح أن ثناء الناس وشهادتهم تنفع من أثنوا عليه ولو لم يكن حاله تطابق هذا الثناء، فإن ثناءهم دليل أن الله أراد أن يغفر له ويتجاوز عنه، وهذا نص كلامه: “…الصحيح المختار: أنه على عمومه وإطلاقه؛ وأن كل مسلم مات فألهم الله -تعالى- الناس أو معظمهم الثناء عليه كان ذلك دليلًا على أنه من أهل الجنة سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا… فإذا ألهم الله -عز وجل- الناس الثناء عليه استدللنا بذلك على أنه -سبحانه وتعالى- قد شاء المغفرة له… ولو كان لا ينفعه ذلك إلا أن تكون أعماله تقتضيه لم يكن للثناء فائدة، وقد أثبت النبي -صلى الله عليه وسلم- له فائدة”(شرح النووي على صحيح مسلم).

 

***

 

والآن نؤكد: إنما يريد الخطيب “المخلص” أن يحبه الناس ليس ليحقق مجدًا شخصيًا ولا شعبية تهتف باسمه وتتعصب له، وإنما يريد منهم أن يحبوه ليتقبلوا منه الحق الذي يحمل، وليأخذوا عنه الهدى والنور الذي يقدمه إليهم… والآن مع باقي بنودنا:

 

البند الثالث:  يَسِّرْ ما استطعت:

إن كان في الأمر رأيان، والرأيان معتبران، ولكل منهما دليله القوي من كتاب الله أو من سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-… فخذ بالأيسر منهما وقدِّمه للناس، أو على الأقل: اعرض عليهم الرأيين مبيِّنًا أن كليهما حق وصواب وقال به طائفة من العلماء المعتبرين، وموضحًا لهم أنه لا حرج عليهم في اختيار الرأي الذي يناسبهم… وليكن نصب عينيك قول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: “ما خُيِّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه”(البخاري، ومسلم).

 

وهل تنسى ذلك الرجل الذي أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- شاكيًا يقول: يا رسول الله إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر مما يطيل بنا فلان فيها، فغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ما رأيته غضب في موضع كان أشد غضبًا منه يومئذ، ثم قال: “يا أيها الناس، إن منكم منفرين…”(البخاري، ومسلم)، وقال لمعاذ لما قرأ بالناس بسورة البقرة في صلاة العشاء: “يا معاذ، أفتان أنت” ثلاث مرات(البخاري، ومسلم).

 

ودعونا نضرب أمثلة لمسائل فقهية فيها خلاف سائغ، قد تتفق أو تختلف معي فيها، لكنها مجرد نماذج، ومن ذلك: هل الأفضل في صلاة الفجر التغليس أم الإسفار؟ وهل مس الزوجة ينقض الوضوء أم لا؟ وكذلك مس الذكر باليد؟ وهل القنوت في الفجر أم في الوتر؟ وكيف يسلِّم من صلاة الجنازة؛ أواحدة أم اثنتين؟ وما أفضل أنساك الحج هل التمتع أم الإفراد أم القران؟ وأين توضع اليدين في الصلاة؟ وهل يقع طلاق الحائض أم لا؟ وإذا وصى بالحج عنه، فهل يكون من ثلث الوصية أم من جميع التركة؟ وعند استطلاع الهلال هل رؤية بلد تعتبر رؤية لجميع البلاد أم أن لكل بلد مطلعه ورؤيته؟…

 

ففي كل هذه المسائل -وغيرها كثير- خلاف سائغ، فلا يضيقن خطيب على الناس في أمثال هذه المسائل بذكر أحد الآراء والتعصب له وتسفيه من أخذ بغيره، بل التيسير على الناس من المستحبات ما دام منضبطًا بضوابط الشرع، ألم تسمعوا قول نبينا -صلى الله عليه وسلم-: “يسروا ولا تعسروا” ، أليس هو -صلى الله عليه وسلم- القائل لمن قدم الحلق على الذبح: “اذبح ولا حرج”، ولمن ذبح قبل أن يرمي: “اذبح ولا حرج”، فما سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: “افعل ولا حرج”(البخاري، ومسلم).

 

فلتكن -أخي الخطيب- من الميسرين، لا من المتشددين، وليكن قدوتك في ذلك سيد المرسلين محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، فإن فعلت ذلك -عن دراية وفقه وعلم، غير متساهل ولا مفتيًا بجهل- نلت حب الناس والتفافهم حولك، وصرت أنت مرجعهم الذي يفزعون إلى رأيه في الملمات.

 

البند الرابع: استعن بالقصص:

إنني أعلم من الناس من يقتني “الروايات البوليسة” الطوال ويعتكف على قراءتها مستمتعًا، ومنها ما يزيد على الثلاثمائة صفحة، لكنه يجد عناءً في قراءة كتيب ضئيل يتحدث حديثًا جادًا مهما كان موضوعه مهمًا!… وإنك لترى أغلب المستمعين يسارع إليهم الملل والضجر من المتكلم إن طالت محاضرته، ومن جلس منهم -لأهمية المحاضرة- جلس متصبرًا تنازعه نفسه على التفلت، لكن الخطيب أو المحاضر إن خلَّلَ كلامه بالقصة المحبوكة التي توافق موضوعه ذهب ذلك بكثير من الضجر والملل والسأمة، فاشرأبت إليه الأعناق وشخصت له العيون.

 

ولا تفسير لذلك إلا أن للقصص جاذبية وحلاوة، فهي تشد الانتباه وتشحذ الذهن وتزيد التركيز وتدغدغ الوجدان وتوقظ الوسنان…

 

وقد تنزل الأمر الإلهي على قلب النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمره أن يستخدم المنهج القصصي في هداية البشر، فقال -عز من قائل-: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)[الأعراف: 176]، “فإن في القصص تفكرًا وموعظة، فيرجى منه تفكرهم وموعظتهم، لأن للأمثال واستحضار النظائر شأنًا عظيمًا في اهتداء النفوس بها وتقريب الأحوال الخفية إلى النفوس الذاهلة أو المتغافلة، لما في التنظير بالقصة المخصوصة من تذكر مشاهدة الحالة بالحواس، بخلاف التذكير المجرد عن التنظير بالشيء المحسوس”(تفسير التحرير والتنوير).

 

ولا تعجب حين تعلم أن الله -عز وجل- قد استخدم القصة في تثبيت قلب نبيه -صلى الله عليه وسلم- فهو -سبحانه- القائل: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ)[هود: 120]، “وذلك لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا سمع هذه القصص، وعلم أن حال جميع الأنبياء مع أتباعهم هكذا، سهل عليه تحمل الأذى من قومه وأمكنه الصبر عليه”(تفسير الخازن).

 

أيها الخطيب: مهما كان أسلوبك مقنعًا فسيصبح بالقصة أكثر إقناعًا، ومهما كنت خطيبًا مؤثرًا فسيجعلك الأسلوب القصصي أكثر تأثيرًا، ومهما أوتيت من الفصاحة والبلاغة والبيان… فستصقل القصة خطبتك وتزيدها حسنًا على حسن، وستزيد من حب الناس لك ومن تعلقهم بك؛ فإن كلامك مهما كان متقنًا فصيحًا جامعًا مانعًا شافيًا فإنه يبقى مجردًا نظريًا كجسد لم تنفخ فيه الروح بعد، فإذا دعمته بالقصة فقد نفخت فيه الروح وأسبغت عليه الواقعية، فصار عمليًا بعد أن كان نظريًا، وأصبح محسوسًا ملموسًا بعد أن كان مجردًا معنويًا.

 

ومن نظر في القرآن وما فيه من القصص الكثيرة أدرك ما للقصة من أهمية، وهذا ما امتن به الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم-: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ)[يوسف: 3].

 

البند الخامس: أحبهم أنت، وأشفق عليهم:

إنك -أيها الخطيب- لن تنال حبهم حتى تحبهم أنت، وكلما ازداد حبك لهم كلما ازداد حبهم لك… لكن السؤال: لماذا تحبهم؟

 

ونجيب: تحبهم لأنهم مسلمون موحدون، والحب في الله من مكملات الإيمان… تحبهم لأنهم تحت رعايتك ومسئوليتك، والراعي إن لم يحب رعيته قسى عليهم وأهمل أمرهم… تحبهم لأنك إن أحببتهم خرجت الكلمات من قلبك مفعمة بالحرص عليهم والرحمة بهم… تحبهم لأنك تأمرهم في خطبك بحب بعضهم البعض، فكيف لا تبدأ بنفسك!…

 

إن حب الناس يوَلِّد الحرص والشفقة عليهم، حتى لتكاد النفس تنفطر على أحدهم إن تفلت ولم يستقم، وهذا هو عين المقصود من الخطيب؛ إن يحرص تمام الحرص على هداية مستمعيه، وهذا ما كان يظهر جليًا في أفعال النبي -صلى الله عليه وسلم-، حين أتاه ملك الجبال ليطبق على الكفار الجبلين بعد أن آذوه، فقال له: “بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا”(البخاري، ومسلم)، وهو نفس الحرص والحب الذي جعل نبيًا من الأنبياء وقد ضربه قومه فأدموه، يقول -وهو يمسح الدم عن وجهه-: “اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون”(البخاري، ومسلم)، فتُرى لو فعل بك جمهورك معشار ما فُعل به، أكنت تدعو لهم؟!

 

ونفس الشعور عينه هو ما اطلع الله -عز وجل- عليه في قلب نبيه -صلى الله عليه وسلم- حين قال له: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)[الكهف: 6]، وقال له: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)[الشعراء: 3]، أي: قاتل نفسك حرصًا على هدايتهم وحزنًا على عدم إيمانهم… ومرة أخرى: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ)[فاطر: 8]، “والحسرة شدة الحزن على ما فات، والمعنى: لا تغتم بكفرهم وهلاكهم إن لم يؤمنوا”(تفسير الخازن).

 

فإن كنت لا تزال تشعر بنقصان حبك لهم فتفكر معي وقل لنفسك: “إنهم في حيرة وأنا أملك ما ينقذهم، فكيف أخذلهم؟!… إنني لو تركتهم ولم أحرص على هدايتهم تفلتوا من يدي فربما وقعوا في النار، فيف لا أحرص عليهم؟!… إن الله جعلهم في رقبتي أحوج ما يكونون إليَّ، فإهمالي لهم خيانة!… إنهم ينظرون إليَّ نظرة إكبار وإجلال، يوقرونني، ومنهم من يتمنى لو رأى نفسه أو ولده مثلي، أأخيِّب ظنهم!… إن أسباب الغفلة وصناع الغفلات يتناوشونهم من كل مكان، وقد هجروا بيوتهم وملهياتهم وجاؤك في بيت الله يطلبون الهدى عندك… أفلا يستحقون بعد كل هذا أن تحرص عليهم وتحبهم؟!”.

 

أخي الخطيب: باختصار “إنك إن أحببتهم بصدق، أحبوك بصدق”؛ فالأمر في يدك وأنت المسئول عنه.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات