طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||
ملتقى الخطباء > استراتيجية الخطيب > مقالات > استراتيجية تقرير المبادئ (2/1)

ملتقى الخطباء

(825)
1491

استراتيجية تقرير المبادئ (2/1)

تاريخ النشر : 1440/10/30
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

إن المتأمل في أحوال الناس يدرك أن كثيرًا منهم يقدمون ما اعتادوه من أعراف وعادات وتقاليد على شريعة الله التي لم يعتادوا عليها، وقد قيل: “الناس أعداء ما جهلوا”، فهي إذن طبيعة في البشر “أن ينفروا مما لم يعتادوا ولو كان صوابًا، ويركنوا إلى ما اعتادوا ولو كان خطأً”، ومهمة الخطيب هنا: أن يزيل تلك النفرة من قلوب الناس تجاه الحق…

الحمد لله وكفى، وصلاة وسلامًا على عباده الذين اصطفى، وبعد:

فقد ابتعد المسلمون في عصرنا عن تعلُّم دينهم بعدًا كبيرًا، حتى جهلوا أحكامه وشريعته، فصرنا نعاني مما يسمونه “الأمية الدينية”، وصارت بديهيات الدين وقواعده الأصلية عندهم من العجائب المستغرَبات! وأصبح بعض ما هو معلوم من الدين بالضرورة في عقولهم من الخلافيات التي تحتمل المناقشة والاجتهاد! وأضحى ما هو جلي واضح قاطع في ديننا من الخافيات المشكلات! فصرت تسمع من يأتي ليسألك: هل حجاب المرأة من الدين أم أنه عادة من العادات؟! وهل زوج الأخت محرم لأختها يحل له الخلوة بها؟! وهل أخو الزوج محرم لزوجة أخيه؟! وهل يحل لي أن أُعَدِّل في أحكام الميراث فأعطي من أحب القدر الذي أحب وأحرم من أكره، أليس تصرفًا في حر مالي الذي جمعته بجهدي؟! وهل اليهودي والنصراني الملتزم بدينه يدخل الجنة؟! بل -والله- لقد جاءني من يسألني: ما هو الفرق بين سيدنا محمد وسيدنا أبي بكر؟ مستطردًا: أليس كلاهما نقول له “سيدنا”؟! فقلت: هذا نبي وهذا صحابي، فقال: وما الفرق بين النبي والصحابي؟!

 

وهؤلاء من يجهلون فيسألون عما لا يعلمون فيتعلمون، والأسوأ منهم حالًا من يجهلون ولا يهتمون أن يسألوا ليتعلموا؛ إما لأن الأمر بالنسبة لهم قليل الأهمية لا يستدعي التساؤل؟ وإما لانشغالهم في متاهات دنياهم وغفلاتها… والأسوأ منهما من هو جاهل بالدين، وهو مثقف ثقافة علمانية أو ثقافة غربية أو شرقية… فهو يهاجم -بجهل لا بخبث- ثوابت الدين ويشكك في مبادئه ويطعن في قواعده وأصوله!! أما من يجادل بخبث ويكابر عن علم، فليس عنه كلامنا، بل للتعامل مع المعاند المكابر استراتيجية مستقلة.

 

وهنا يقع على خطيب المسجد العبء الأكبر في تعليم هؤلاء جميعًا، وأهم ما يبدأ به في تعليمه إياهم أن يقرر عندهم مبادئ الإسلام تقريرًا لا يدع بعده مجالًا لشك، وأن يؤصِّل أصول الدين تأصيلًا لا يترك معه مكانًا لمزايدة، وأن يُقَعِّد قواعد الشريعة تقعيدًا يمنع من دخول الخرافات وما ليس منها إليها…

 

وما عقدت هذا المقال وسطرت بنود هذه الاستراتيجية؛ “استراتيجية تقرير المبادئ”، إلا من أجل مساعدة الخطباء الواعين النابهين على القيام بهذه المهمة التي هي في غاية الخطورة خاصة في هذا العصر الذي نحياه؛ عصر ضرب الثوابت والتشكيك في الأصول، وتتمثل أهم أركان هذه الاستراتيجية في البنود التالية:

البند الأول: بيان خطأ القديم الراسخ:

لا يخلو عقل من مبدأ ومعتقد أبدًا، سواء كان صوابًا أو خطأً، والغالب على كل من كان جاهلًا بدين الإسلام أن تكون أغلب معتقداته غير صحيحة ومصادمة لأصول الدين، والغالب عليهم أيضًا أنهم استقوا هذه المبادئ المغلوطة من آبائهم وأجدادهم وممن سبقوهم… ومهمة الخطيب هنا أن يزعزع ويزلزل هذه المبادئ القديمة الراسخة المغلوطة في قلوب معتنقيها، ومما يعينه على فعل ذلك:

 

أولًا: بيان أن سبب ضلال الأولين هو “التقليد”: فكانوا كلما جاءهم نبي من أنبياء الله بالهدى والنور تمسَّكوا بضلالهم: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا)[المائدة: 104]، ويبررون بذلك أخطاءهم: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا)[الأعراف: 28]، ولم تكن حالة فردية أصيبت بها أمة من الأمم، بل كانت مصيبة عامة عند جميع من ضل من الأولين، بل وأغلب الضُلَّال من المتأخرين: (َكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)[الزخرف: 23].

 

وغالبًا ما تجد مقدسي معتقدات الآباء لا حجة لهم ولا برهان سوى أنه “فعل آبائهم”، فها هو نبي الله إبراهيم يسألهم عن أصنامهم: (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ)[الشعراء: 72-73]، فلم يجدوا ما يجيبون به إلا قولهم: (بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)[الشعراء: 74]، وعندها واجههم وجابههم بها بلا مواربة: (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ)[الشعراء: 75-77].

 

ودائمًا ما يعيب ويهاجم معتنقي الضلالات -تقليدًا لغيرهم- من أرادهم أن يتركوا معتقدات آبائهم! كما قالوا لموسى: (أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا)[يونس: 78]، وكما قالوا لنبي الله هود: (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا)[الأعراف: 70]، وهذا ما يجده كثير من الخطباء المصلحين إذا ما جاءوا ليصححوا ما يصنعه المقلِّدون من أخطاء، فليثبتوا ولا يتعجبوا، وليقتدوا بالأنبياء في تعاملهم مع المقلدين.

 

فليفعل الخطيب كما فعل نبي الله إبراهيم -عليه السلام-: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)[الأنبياء: 52-54]؛ فالقارئ لهذه الآيات يحس كم هي قداسة الآباء لدى الأبناء، ولكي يزيل إبراهيم -عليه السلام- قدسية عادات الآباء من قلوب الأبناء واجههم بها قاسية مباشرة غير مواربة: (لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)، وكان الأمر يستدعي هذه المباشرة وهذه القوة وهذا الوضوح؛ ليفيقوا من سكرةٍ بفعل الآباء والأجداد دامت معهم طويلًا.

 

ثانيًا: التحذير مما وقعت فيه الأمم السابقة من أخطاء: وهذا منهج نبوي قويم؛ فيروي أبو واقد الليثي فيقول: لما افتتح رسول الله مكة خرج بنا معه قبل هوازن، حتى مررنا على سدرة الكفار، سدرة يعكفون حولها ويدعونها ذات أنواط، قلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “الله أكبر، إنها السنن؛ هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)[الأعراف: 138]، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إنكم لتركبن سنن من قبلكم”([1]).

 

وهذه المرة جاء التحذير وطلب الاعتبار بما وقع للأمم السابقة واضحًا مباشرًا، فلما تعرض الأنصار -رضي الله عنهم- لرسول الله -صلى الله عليه وسلـم- طالبين للدنيا قال لهم: “فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم”([2]).

 

ثالثًا: لفت أنظارهم إلى ضرر ما تعوَّدوه من موبقات: ومن أمثلة ذلك أن العرب كانوا قد أدمنوا شرب الخمر تقليدًا لبعضهم البعض، فلما جاء الإسلام نزل القرآن لافتًا أنظارهم إلى خطورة تعاطي الخمر وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة قائلًا: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)[المائدة: 90-91]، ولن يبقى عاقل متمسكًا بها بعد إدراكه لكل تلك الأضرار الدنيوية والأخروية.

 

وما هذه النقاط الثلاثة إلا نماذج ومقترحات، وإلا فإن الخطيب الذكي يعرف كيف يزلزل القديم الراسخ -إن كان خطأً- في عقول مستمعيه ورواد مسجده.

 

البند الثاني: إزالة النفرة من الحق الجديد عليهم:

إن الناظر المتأمل في أحوال الناس من حوله يدرك أن كثيرًا من هؤلاء الناس يقدمون ما اعتادوه من أعراف وعادات وتقاليد على شريعة الله التي لم يعتادوا عليها، وقد قيل: “الناس أعداء ما جهلوا”، فهي إذن طبيعة في البشر “أن ينفروا مما لم يعتادوا ولو كان صوابًا، ويركنوا إلى ما اعتادوا ولو كان خطأً”، ومهمة الخطيب هنا؛ في سعيه لتقرير المبادئ الشرعية أن يزيل تلك النفرة من قلوب الناس تجاه الحق.

 

وكما تكون تلك النفرة من المبادئ والمعتقدات والأفكار الجديدة، فإنها تكون كذلك تجاه الأشخاص الذين يعرضون تلك المبادئ؛ إما لأنهم لم يعتادوا منهم نصحًا وتوجيهًا، وإما لأنهم لا يعدُّونهم مرجعًا ومصدرًا للمعرفة… لذا فإنهم يستهزئون بهم ويستكثرون عليهم أن يختارهم الله دون غيرهم رسلًا له: (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا)[الفرقان: 41]، وإما لأنهم لا يعرفونهم من الأصل، وإما لأنهم لا يوافقون صورة الناصح الخريت التي يتخيلونها في عقولهم؛ فهم يتخيلونه غنيًا ذا جاه وسلطان: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)[الزخرف: 31]، وغيرهم يرى أن المصلح لا ينبغي أن يكون بشرًا: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا)[هود: 27]، بل الأولى -في نظرهم- أن يكون مَلَكًا من الملائكة: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً)[المؤمنون: 24]، أو على الأقل أن يؤيد بمَلَك: (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا)[الفرقان: 7]…

 

وفي عصرنا هذا يتخيلون ذلك المصلح ذا شهادة علمية عليا؛ “ماجستير” أو “دكتوراة” أو صاحب تخصص أكاديمي شرعي، مع أن الواقع يؤكد أن الشهادات ليست مقياسًا، فإننا نعاين من علمائنا الأجلاء ومن الدعاة الفضلاء من لم يحصل على شهادات أكاديمية متخصصة في الشريعة مع أنهم يحملون من علم الدين ومن الإخلاص والربانية ما لا يحمل غيرهم من أرباب الشهادات.

 

ولقد وجدنا القرآن الكريم في سعيه لتقرير المبادئ الشرعية يبدأ بإزالة نفرة المتلقين والمدعوين بنوعيها:

فأولًا: يزيلها عن المبلِّغ: وهو الرسول أو المصلح، فمرة قال القرآن الكريم مزيلًا النفرة من قلوب أهل مكة من محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلـم-: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ)[الأعراف: 184]، وأعادها ثانية: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)[سبأ: 46].

 

ومرة يقنعهم أنه لا يناسبهم أن يرسَل إليهم ملَك: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا)[الأنعام: 8-9]؛ “يعني: ولو أرسلنا إليهم ملكًا لجعلناه في صورة رجل، وذلك أن البشر لا يستطيعون أن ينظروا إلى الملائكة في صورهم التي خلقوا عليها، ولو نظر إلى الملك ناظر لصعق”([3]).

 

ومرة أخرى يقص علينا القرآن كيف حاول يوشع بن نون([4]) أن يزيل نفرة قومه من طالوت حين كرهوا أن يكون ملكًا عليهم: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[البقرة: 247]، “فقد أجابهم نبيهم قائلًا: (إن الله اصطفاه عليكم) أي: اختاره لكم من بينكم والله أعلم به منكم… (وزاده بسطة في العلم والجسم) أي: وهو مع هذا أعلم منكم، وأنبل وأشكل منكم وأشد قوة وصبرًا في الحرب ومعرفة بها، أي: أتم علمًا وقامة منكم”([5])، كل ذلك ليزيل النفرة عنه من قلوبهم.

 

وثانيًا: إزالة النفرة عن الكتاب المنزَّل: فلقد اعترضوا عليه اعتراضات كثيرة سبَّبت نفرتهم منه، فمنها: أنه كلام عادي يستطيع كل أحد أن يقول مثله: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا)[الأنفال: 31]، فتحداهم: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ)[البقرة:23].

 

ومنها: أنه مجموع من الكتب القديمة والخرافات المتوارثة: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)[الفرقان: 5]، فأجابهم بالحجة: (قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)[يونس: 16]؛ “ووجه هذا الاحتجاج: أن كفار مكة كانوا قد شاهدوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل مبعثه وعلموا أحواله وأنه كان أميًا لم يطالع كتابًا ولا تعلم من أحد مدة عمره قبل الوحي”([6]).

 

ومنها: أنه مخالف لما وجدوا عليه آباءهم، فأمر القرآن نبيهم أن يقول لهم: (أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ)[الزخرف: 24]، فلفت أنظارهم أن المهم هو: من على الحق والهدى ومن على الزيغ والضلال، لا مجرد التعصب للآباء والتقليد لهم.

 

ومنها: أن النبي -صلى الله عليه وسلـم- جاء بالقرآن من عند نفسه بمعاونة بعضهم: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ)، فأجابهم بحجة بليغة واضحة: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)[النحل: 103]؛ فهم يدَّعون أنه -صلى الله عليه وسلـم- تعلَّم القرآن من زياد الأعجم، فقال لهم: “كيف يتعلم من جاء بهذا القرآن، في فصاحته وبلاغته ومعانيه التامة الشاملة… من رجل أعجمي؟!”([7]).

 

وفي الجملة فقد أزال الله -عز وجل- كل ريب ونفرة عن القرآن مقررًا: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)[فصلت: 41-42]، ومؤكدًا: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ)[البقرة:2].

 

وتتمثل إزالة النفرة عن القرآن في زماننا في عدة أمور، ومنها:

رد الشبهات التي يثيرها عنه المنافقون مثل أنه نزل لعصر غير عصرنا ولا يصلح لزماننا، ومثل أنه نزل لأسباب وحالات مخصوصة لا يتعداها… ومنها: إزالة “حاجز الفصحى” التي يجهلها كثيرون حتى أصبح ذلك حائلًا دون فهم القرآن وتدبره، ومنها: إزالة هجرانه، فإن من هجر شيئًا جفاه…

 

فعلى خطيب المسجد أن يرد الشبهات عن القرآن بتقرير الحقائق بدليلها، ويعلِّمهم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعليه أن يظهر لرواد مسجده -في دروس التفسير- سهولة القرآن وروعة أسلوبه وجمال سبكه، ويبين لهم معاني الكلمات القرآنية الغريبة عليهم، وعليه أن يحثهم ويحضهم على تلاوته والعمل به… لتتواصل قلوبهم مع كتاب ربهم.

 

هذا، ولم تتم بعد بنود هذه الاستراتيجية، فألقاكم عند تمامها في الجزء الثاني -إن شاء الله-.

 

([1]) ابن حبان واللفظ له (15/94/6702)، والترمذي (4/475/2180)، وصححه الألباني (صحيح وضعيف سنن الترمذي: 2180).

([2]) البخاري واللفظ له (8/90/ 6425)، ومسلم (4/2273/ 2961).

([3]) تفسير الخازن (2/100) الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة: الأولى 1415 هـ.

([4]) على اختلاف بين المفسرين في تحديده.

([5]) تفسير ابن كثير (1/666)، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1420هـ – 1999م، بتصرف يسير.

([6]) تفسير الخازن (2/433).

([7]) تفسير ابن كثير (4/603).

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات