طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > استراتيجية الخطيب > مقالات > معالم التخطيط الخطابي السليم (2/2)

ملتقى الخطباء

(847)
1314

معالم التخطيط الخطابي السليم (2/2)

تاريخ النشر : 1439/01/12
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

كل اختراع وابتكار وكذا كل شيء مبهر أخَّاذ إنما بدأ خيالًا في ذهن صاحبه؛ يتخيله حينًا حتى تتبلور صورته في ذهنه، ثم يضع له التصميم الهندسي أو الخطة ثم يعدِّل فيها ويضيف إليها، ثم يصطدم بعقبات فيتجاوزها، ثم يبدأ في تنفيذ اختراعه فتواجهه عقبات أخرى فيتغلب عليها، حتى يخرج اختراعه كما أراد… وقد كان أساس هذا الاختراع المادي الملموس: “صورة متوهمة في الخيال”… أخي الخطيب: وكذا أمر دعوتك وخطابتك…

لم يعد الأمر رفاهية أو اختياريًا؛ أن تضع لنفسك خطة خطابية تحدد فيها خطبك وأهدافها لمدة ثلاثة أشهر أو ستة أو عام كامل أو عدة أعوام… بل لقد أصبح ذلك ضروريًا حتميًا حيويًا، فخُطَبك -أخي الخطيب- مهما تكن جيدة فإنها ستظل جهدًا مبعثرًا منثورًا محدود التأثير والفائدة ما لم تنتظم تلك الخطب داخل إطار عام مرتب في خطة محكمة واضحة.

 

ولقد بدأنا في الجزء الأول من هذا المقال في وضع معالم للتخطيط الخطابي السليم، وذكرنا أن مراعاتها وأخذها بعين الاعتبار يساهم في إخراج الخطة الخطابية على خير صورة، وذكرنا ساعتها خمسة من تلك المعالم، وإليك الآن خمسة أخرى:

المعلم السادس: التصور المستقبلي لما يراد أن يكون عليه المجتمع:

كل اختراع وابتكار وكذا كل شيء مبهر أخَّاذ إنما بدأ خيالًا في ذهن صاحبه؛ يتخيله حينًا حتى تتبلور صورته في ذهنه، ثم يضع له التصميم الهندسي أو الخطة ثم يعدِّل فيها ويضيف إليها، ثم يصطدم بعقبات فيتجاوزها، ثم يبدأ في تنفيذ اختراعه فتواجهه عقبات أخرى فيتغلب عليها، حتى يخرج اختراعه كما أراد… وقد كان أساس هذا الاختراع المادي الملموس: “صورة متوهمة في الخيال”.

 

أخي الخطيب: وكذا أمر دعوتك وخطابتك ونتاجها في مجتمعك؛ إنما تبدأ بصورة متخيلة تتمنى أن يصل إليها حال مجتمعك، ولا نعني هنا الصورة المثالية النموذجية للمجتمع الإسلامي، ولا صورة مجتمع كمجتمع الصحابة -رضي الله عنهم-، فتلك هي الغاية النهائية التي يتمناها كل داعية والتي لا يختلف عليها اثنان من محبي الدين، وإنما نقصد صورة “مرحلية” محددة المعالم تخطط أن ترى عليها مجتمعك بعد مدة زمنية معينة.

 

فمثلًا إن كان مجتمعك يكثر فيه التدخين وتبرج النساء وتنتشر فيه أماكن اللهو وبيع الخمور… فطبيعي أن تضع خطتك الخطابية والخطوط الأبرز فيها لصالح مكافحة مثل تلك الآفات، وأن تضع لنفسك صورة متخيلة لذلك المجتمع بعد عام واحد -مثلًا- وقد قلَّ فيه عدد المدخنين إلى النصف، وقد ارتدت فتياته الخمار بدلًا من الشعر المكشوف، وقد أُغلق فيه (70%) -مثلًا- من أماكن اللهو، وقد اختفى فيه بيع الخمر… ثم تضع لذلك المجتمع صورة متخيلة أخرى بعد عامين -مثلًا- وقد أصبح المدخن فيه غريبًا منبوذًا، وقد استبدلت فيه الفتيات الخمار بالجلباب والنقاب، وقد صار بيع الخمور فيه محظورًا…

 

وقل مثل هذا على مجتمع تنتشر فيه الأمية الدينية -مثلًا-، ولتكن الصورة المتخيلة له بعد ستة شهور أو أكثر أو أقل وقد انتشرت فيه حلقات تحفيظ القرآن وجمعيات العناية بالسنة ودروس العلم والدورات والندوات والمحاضرات العلمية… ثم صورة أخرى بعد ستة أشهر أخرى وقد برز من جوف ذلك المجتمع الحفاظ والقراء والمحاضرون…

 

وينبغي أن يراعى عند وضع التصور المستقبلي لما يراد أن يكون عليه حال المجتمع أمورًا عديدة منها ما يلي:

أولًا: أن يكون التصور واقعيًا ممكنًا: فلا يكون مغرقًا في التفاؤل بحيث يصعب أو يستحيل تحقيقه، وألا يكون كذلك مغرقًا في التشاؤم، بحيث يصبح معوقًا من معوقات التقدم الدعوي، فيجبرها على السير البطيء في ظروف تتيح لها التقدم السريع…

 

ثانيًا: أن يكون في حدود الإمكانيات المتاحة: فما نفعل بتنظير محكم رائع إن كان يتطلب تنفيذه من الإمكانيات ما ليس في الوسع ولا في المقدور؟!

 

ثالثًا: أن يأخذ صورة الإجمال ثم التفصيل: فتصورٌ مجملٌ شاملٌ بنسبة تقدم (20%) خلال أربعة أشهر -مثلًا-، وتصورٌ آخر تفصيلي يتضمن تفاصيل ذلك التقدم وجزئياته في كل مجال… وعلى ضوء ذلك التصور والتخيل يضع الخطيب خطته الخطابية التي يسعى من خلالها إلى تحقيقه.

 

المعلم السابع: الاستعداد الكامل لاستغلال كل فرصة سانحة:

دعني أذكِّرك -ولا أظنك تحتاج- أن الغيب لا يعلمه إلا الله، ونحن عندما نخطط إنما نتوقع القادم من الأحداث، فهو مجرد تمنٍ وتوقع وتخمين، لكننا لا نعلم الغيب، لذا فقد قلنا في الجزء الأول من هذا المقال أن علينا “التنبؤ بالعقبات المتوقعة وإعداد العدة لمواجهتها”، والآن نقول العكس: إن علينا أن نكون مستعدين تمام الاستعداد لاستغلال كل فرصة قد تسنح لنا بلا تخطيط منا، بل نتجهز لما يهبه لنا الكريم -عز وجل- من فرص دعوية لم تكن في الحسبان ولم تخطر على البال، وألا نتوانى أو نتردد حتى تضييع من بين أيدينا، على حد قول الشاعر:

إذا هــــبت رياحــــــك فاغتنمها *** فـــإن لـــــكــــل خــــــافـــقــة سكــون

وإن ولدت عشارك فاحتلبها *** فما تدري الفصيل لمـــن يكــــون

ولا تغفل عن الإحسان فيها *** فما تدري السكون مـــتى يكون

 

ولا نشك أن أفضل من طبَّق ذلك هو إمام الدعاة وسيد الخطباء -صلى الله عليه وسلم- فقد أفاد من كل فرصة واتته وأحسن استغلالها سواء كان عالـمًا بها أو متوقعًا إياها، أو جاءت بلا تخطيط ولا توقع، ومن تلك الفرص التي استغلها واستثمرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يلي:

 

فرصة حماية عمه أبي طالب: فأبو طالب سيد من ساداتهم يحسبون له حسابًا، وهو ينافح عن ابن أخيه محمد -صلى الله عليه وسلم- حميةً وعصيبةً، فاستغل -صلى الله عليه وسلم- تلك الحماية في الانطلاق الدعوي والتجول الحر في أنحاء قريش.

 

فرصة موسم الحج: فعن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعرض نفسه على الناس في الموسم، فيقول: “ألا رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي”([1]).

 

فرصة دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي: فالأرقم لا يعلم أحد بإسلامه، وهو الشاب الصغير الذي لا يتوقع أحد أن يضطلع بهذه المهمة الخطيرة، وهو من بني مخزوم الذين هم على خلاف دائم مع بني هاشم، وداره بعيدة منعزلة يصعب مراقبتها… فكانت داره بهذه المواصفات فرصة لم يضيعها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بل استغلها؛ فظل المسلمون يجتمعون فيها أعوامًا طوالًا.

 

وأما الفرص التي لم تكن معدة ولا مخططة ولم تكن في الحسبان وأحسن النبي -صلى الله عليه وسلم- استثمارها، فهي أكثر من أن تُحصر، ومنها ما يلي:

استثماره -صلى الله عليه وسلم- مرور الصحابة على جيفة لكشف حقيقة الدنيا لهم: فعن جابر بن عبد الله أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر بجدي أسك([2]) ميت، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: “أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟” فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: “أتحبون أنه لكم؟” قالوا: والله لو كان حيًا كان عيبًا فيه لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟! فقال: “فوالله للدنيا أهون على الله، من هذا عليكم”([3]).

 

وهذه المرة يستغل -صلى الله عليه وسلم- التفاف الناس حوله في الحج ليأخذوا مناسكهم، ليعطيهم درسًا في قبح الغلو، فيأمر ابن عباس قائلًا: “القط لي حصى”، يقول: فلقطت له سبع حصيات، هن حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول: “أمثال هؤلاء، فارموا” ثم قال: “يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين، فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين”([4]).

 

وفرصة أخرى تتمثل في امرأة من سبي لفتت أنظار الصحابة بشفقتها على الرضع، فاستثمرها -صلى الله عليه وسلم- في إشعار الصحابة بسعة رحمة الله -تعالى-، فعن عمر بن الخطاب قال: قدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسبي فإذا امرأة من السبي تبتغي، إذا وجدت صبيًا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟” قلنا: لا، والله وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لله أرحم بعباده من هذه بولدها”([5]).

 

أما القبور فقد كانت -وستظل- فرصة سانحة للعظة والعبرة والأمر بالتزود من الطاعة والبعد عن المعاصي، وهذا ما صنعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فعن أبي هريرة قال: مر النبي -صلى الله عليه وسلم- على قبر دفن حديثًا فقال: “ركعتان خفيفتان مما تحقرون وتنفلون يزيدهما هذا في عمله أحب إليه من بقية دنياكم”([6])، وروى ابن عباس قائلًا: مر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على قبرين فقال: “أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله”([7])، وعند القبور حري أن تؤتي المواعظ ثمارها.

 

وهذه فرصة استغلها -صلى الله عليه وسلم- في التشويق إلى الجنة، يرويها البراء بن عازب فيقول: أهدي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- سرقة من حرير، فجعل الناس يتداولونها بينهم ويعجبون من حسنها ولينها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أتعجبون منها؟” قالوا: نعم يا رسول الله، قال: “والذي نفسي بيده، لمناديل سعد في الجنة خير منها”([8]).

 

وليس ببعيد عن هذا استغلال نبي الله يوسف -عليه السلام- فرصة تأويل رؤيا صاحبيه في السجن لدعوتهما إلى الله؛ فقبل أن يفسر لهما الرؤيا التي سألاه عنها قال لهم: (يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ…) ثم في كلمات قلائل فسَّر لهما ما أرادا قائلًا: (أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ) [يوسف: 39-41].

 

فليكن عندك -أيها الخطيب- الاستعداد الكامل والتهيؤ التام لاستثمار كل فرصة مواتية في الدعوة إلى الله -تعالى-، فاستثمر شهر رمضان الذي تقبل فيه القلوب على الطاعة، واستثمر كل اجتماع للمسلمين لدفن ميت وتشيع جنازة، واستغل أسئلة السائلين…

 

المعلم الثامن: ترتيب الأولويات:

قد تجتمع عدة أمور كلها مهم وكلها حيوي وضروري وكلها ملح وعاجل، والعاقل اللبيب الذكي هو من يحسن التقييم والتقدير فيقدم الأهم على المهم، والأكثر إلحاحًا على الأقل إلحاحًا، وما لا يقبل التأجيل على ما يقبله… فمثلًا: إذا انتشر في مجتمعك عقوق الوالدين وشرب الخمر فبأيهما تبدأ عند النهي؟ الأمران محرمان ومن كبائر الذنوب ولا يحل السكوت على أحدهما! فإن قلتَ: أبدأ بالنهي عن شرب الخمر، قلتُ لك: أخطأت، وإن قلتَ: أبدأ -إذن- بالنهي عن عقوق الوالدين، قلتُ لك: ما أصبت.

 

فما الصواب؟! أقول: الصواب -في وجهة نظري- أن تقلب النظر في حال مجتمعك مع هاتين المعصيتين فترى: أيتهما أكثر انتشارًا وأشد حدة وأكثر تسببًا في معاناة أفراد المجتمع؟ ثم تنظر إلى المصابين بإحدى هاتين المصيبتين من جمهورك الذي يحضر إليك أو تقابله فتخاطبه: من أي الفريقين هم؛ هل من أهل المعصية الأولى أم الثانية؟ ثم تنظر الثالثة: هل يستحل الناس إحدى هاتين المعصيتين؟ ثم تنظر الرابعة: هل إحداهما مقننة بقوانين دولتك؟ ثم تنظر الخامسة: أي المعصيتين أشد استهجانًا من عموم المجتمع فيكون أيسر عليك أن تقتلعها… فإن استطعت إدراك هذه الأمور أو -على الأقل- أغلبها، سهُل عليك أن تحدد بأيهما تبدأ في النهي فتقدمها عند وضعك لخطتك على الأخرى.

 

ولقد أُلقِي نبي الله يوسف -عليه السلام- في السجن بضع سنين ظلمًا، ثم جاءه الفرج بعد أن أوَّل الرؤيا، فقد بعث إليه الملك رسولًا ليخرجه من السجن، لكن يوسف -عليه السلام- رفض وأبى أن يغادر السجن، مع حرصه على ذلك تمام الحرص؛ وذلك لأنه رأى أن الأهم من خروجه من السجن أن يبرأ ساحته من التهمة المنسوبة إليه من مراودة امرأة العزيز عن نفسها؛ وما يصنع بحريته وهو يخرج منسوبًا إلى السوء والخنا ملطخ السمعة يجلله العار! قال -تعالى-: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) [يوسف: 50]، فلما ثبتت براءته خرج كريمًا عزيزًا… وهذا مثال رائع لترتيب الأولويات الذي نتحدث عنه.

 

وكثيرًا ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمرنا بترتيب أولوياتنا وإن لم يصرح بهذا اللفظ؛ فالفرائض مقدَّمة على النوافل، تجد الإشارة إلى هذا في الحديث القدسي الذي يقول: “وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه”([9]).

 

وأنت تحفظ -أخي الخطيب- كيف رتب النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ أولويات دعوة أهل الكتاب قائلًا له: “إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك، فإياك وكرائم أموالهم”([10]).

 

ولما سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- يا رسول الله: من أبر؟  قال: “أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أباك، ثم الأقرب، فالأقرب”([11])، وهكذا رتب النبي -صلى الله عليه وسلم- للسائل أولوياته عند البر والصلة، وقد علق الغزالي على هذا الحديث قائلًا: “فينبغي أن يبدأ في الصلة بالأقرب، فإن استويا فبالأحوج فإن استويا فبالأتقى والأورع، وكذلك من لا يفي ماله بنفقة الوالدين والحج فربما يحج وهو مغرور، بل ينبغي أن يقدم حقهما على الحج، وهذا من تقديم فرض أهم من فرض هو دونه.

 

وكذلك إذا كان على العبد ميعاد، ودخل وقت الجمعة، فالجمعة تفوت والاشتغال بالوفاء بالوعد معصية، وإن كان هو طاعة في نفسه، وكذلك قد تصيب ثوبه النجاسة فيغلظ القول على أبويه وأهله بسبب ذلك، فالنجاسة محذورة وإيذاؤهما محذور، والحذر من الإيذاء أهم من الحذر من النجاسة… ومن ترك الترتيب في جميع ذلك فهو مغرور”([12]).

 

المعلم التاسع: المرونة:

فعند وضعك لخطتك الخطابية لا تضع تحت كل بند من بنودها خيارًا واحدًا، بل ينبغي أن تعدد البدائل والخيارات، فإن لم يتح واحد أتيح الآخر، لا أن تتعطل الخطة إذا لم يتيسر الخيار الوحيد الموضوع فيها! فهذه صورة من صور المرونة.

 

أما الصورة الثانية فهي المرونة في ترتيب الأولويات؛ فليس معنى أننا قد قدمنا في خطتنا بندًا على بند لأسباب استدعت ذلك، ألا نعدَّل ونغيِّر ونقدم ونؤخر ترتيب تلك البنود إذا اقتضت الظروف والأحوال والملابسات ذلك، وبالمثال يتضح المقال، فلو وضعنا في خطتنا هذه البنود الثلاثة بهذا الترتيب:

البند الأول: الهجوم على القنوات الفضائية التي تعرض المحرمات وتدعو إلى الرذائل.

البند الثاني: إنكار ما انتشر في المجتمع من الأخلاق الرديئة والبذاءة.

البند الثالث: عرض بعض حلقات التاريخ الإسلامي لبث روح الاعتزاز بالإسلام والاقتداء بالأمجاد الماضية.

 

ثم حدث أن استبدل الوزير القائم على الإعلام بوزير آخر معروف بتدينه، أو بدأت تلك القنوات في انتهاج سياسة جديدة تعدِّل فيها بعض ما أفسدت منتصحة بنصيحة أو مدركة لخطئها… فمن الحكمة أن يؤجل تنفيذ هذا البند ويُقدَّم عليه البند الثاني حتى تتضح الرؤية وتتبين الحقائق.

 

ولو فرضنا أنه قد مرت بالمجتمع محنة أو أزمة تسبب في فقدانه الثقة بنفسه أو زلزلة هويته أو انهزامه نفسيًا… فإن هذا يستدعي تقديم البند الثالث وتعجيله لمداواة هذه العلة المستجدة وعلاجها… وهكذا، فلا بد من المرونة مجاراة للأحداث والوقائع والمستجدات.

 

ومن فوائد المرونة في التخطيط -غير ما سبق-: القدرة على التعامل مع المفاجآت التي لا تكون في الحسبان، ولم تؤخذ في الاعتبار أثناء وضع الخطة.

 

المعلم العاشر: الصبر وعدم تعجل النتائج:

 

ينبغي لكل من يضع خطة أن يكون متدرجًا صبورًا غير متعجل، وألا يستبق إلى قطف الثمار قبل نضجها، فليس معنى أن الخطيب كلَّم جمهوره عدة مرات عن الامتثال لأمر الله وأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والطاعة المطلقة لأوامر الشرع أن يتعجل قطف ثمار ذلك فينتقل مباشرة إلى الإلحاح والتضييق والتحريج عليهم للإقلاع الفوري عن مخالفات قد عايشوها عمرًا واعتادوا عليها دهرًا!

 

فقد يُحدِث ذلك عندهم ردة فعل عكسية غير مُرضية؛ فقد يقتنع أغلب سامعيه بكلامه، وبضرورة إقامة شرع الله، لكنهم حين يصطدمون بصعوبة تطبيق ذلك على أرض الواقع؛ إذ أمرهم خطيبهم -متعجلًا- بما لا يطيقون، فإن بعضهم قد ينتكس عن اقتناعه ذلك، وتتولد لديه قناعة أن الشريعة لا تصلح لزماننا! وهذه من أعظم المصائب، وما كان السبب؟ إنه تعجل جني الثمار قبل أوانها!

 

ولقد رأينا كيف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد مات ولم ينجز أمرًا مهمًا ومحببًا إليه؛ لأنه أدرك أن وقته لم يحن بعد، وأنه لو تعجله قبل أوانه لربما أدى ذلك إلى فتنة! فتلك الأمنية هي رد الكعبة إلى قواعد إبراهيم -عليه السلام-، تروي عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها: “يا عائشة، لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهُدِم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين: بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا، فبلغت به أساس إبراهيم”([13]).

***

 

أخي الخطيب: تلك معالم عشر ينبغي أن تكون نصب عينيك عند وضعك لخطتك الخطابية، فلعلها تكون عونًا لك في جهادك بكلمتك، وخطوة نحو الاتقان والكمال.

والله من وراء القصد.

——–

 ([1])ابن ماجه (201)، والنسائي في الكبرى (7680)، وصححه الألباني (الصحيحة: 1947).
 ([2])أي: صغير الأذنين.
 ([3])مسلم (2957).
 ([4])ابن ماجه (3029) واللفظ له، والنسائي (3057)، وصححه الألباني (الصحيحة: 1283).
 ([5])البخاري (5999)، ومسلم (2754).
 ([6])الطبراني في الأوسط (920)، والزهد لابن المبارك (31) واللفظ له، وصححه الألباني (الصحيحة: 1388).
 ([7])البخاري (218)، ومسلم (292).
 ([8])البخاري (6640)، ومسلم (2468).
([9]) البخاري (6502).
([10]) البخاري (1395)، ومسلم (19).
([11]) أبو داود (5139)، والترمذي (1897)، وحسنه الألباني (صحيح الجامع الصغير وزياداته: 1399).
([12]) إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي (3/403، 404)، بتصرف، الناشر: دار المعرفة – بيروت.
([13]) البخاري (1586)، ومسلم (1333).
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات