طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||
ملتقى الخطباء > استراتيجية الخطيب > مقالات > خطبةُ الجُمُعةِ ووظيفتُها في صناعة الوعي الجماهيري بطبيعةِ الفتن وتفكيكِ أسانيدِها (3/9)

ملتقى الخطباء

(3٬214)
41

خطبةُ الجُمُعةِ ووظيفتُها في صناعة الوعي الجماهيري بطبيعةِ الفتن وتفكيكِ أسانيدِها (3/9)

تاريخ النشر : 1435/09/16
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

إنّ على خطبة الجمعة أن ترتقيَ إلى مستوى تحليل مثل هذه الفتن، وفق حلقات إسنادِها، تجليةً لتلك الحلقات، وبيانًا وكشفًا لكيفيّة اتّصالها من أولها إلى آخرها حتّى تأكل الأخضر واليابس كما فعلت في ثورة الربض، وبهذا المنهج يتحقّق لدى الجماهير الوعي بطبيعة الفتن وأسانيدها، وتقوى عقولهم على فهمها واستيعاب تركيبتها السّنَنِيّة، وهو ما يُثمرُ القدرة على التنبّؤ والقياس باعتبارها كفاءة من أبرز كفاءات المنهجيّة العلمية السليمة !.   

 

 

خطبةُ الجمعةِ –  باعتبارها وسيلةً من أقوى وسائل الاتصال الجماهيري المؤثّر – أحوج ما تكون إلى البناء والتأثير زمنَ الفتن والنوازل العامّة، وإنّ أعظَمَ ما تقومُ به آنئذٍ صناعة الوعي الجماهيري بطبيعة الفتن وخصائصها وأسانيدها، بحيثُ تجعلُ الجماهير المقبلة على الخطبة والمسجد يدركونها إدراكًا بيّنًا، بل تصير لديهم قدرة على استشعارها والتنبّؤ بها باعتبارها كفاءةً من أعلى الكفاءات التي تصنعها التربية العلمية الصحيحة.  هذا الإدراك والاستشعار والتنبؤ  هو الذي يجعل الجميع يؤثّرُون فيها ولا يتأثّرُون بها.  

 

والوعيُ كيفما تصرّفَ دلّ على الإدراك التام، والوعيُ بالفتن حالةٌ عقليّةٌ عميقةٌ راقية، تنتُجُ عن تفاعل منظومةٍ من القواعِد والعقائِد والمبادئ والمفاهيم الصحيحة، يكونُ فيها العقل بحالة جهوزيّة ويقظةٍ وإدراكٍ تامٍّ لجوانب الفتنة وأبعادِها، فيتفاعل معها فهمًا وسلوكًا بالطريقة الصائبة وبالحكمة المطلوبة. وهذا هو الهدفُ الذي يجبُ على الخطبة والخطباء ترسيخَهُ في العقول والنفوس والأوضاع، والعمل على صناعته بمختلف الوسائل والأساليب الإقناعية المتاحة.  

                                                 إذا وضح هذا الهدف أقول:

 

إنّ أمّ الخصائصِ في موضوع الفتن العامّة، والتي ينبغي أن تساهم خطبة الجمعة في كشفها وتجليتها للجماهير: حصول الذهول عن العواقب والنتائج والمآلات: 

 

فالفتن العامّة على اختلاف أنواعها لها أسانيدُ تكاد تكون ثابتةً متكرّرة، ترجع إليها جميع خصائص الفتن،  يبعثُها أهل الشهوات أو الشبهات أو معًا، أو من كانت لديهم أجندات سريّة خاصّة، والجماهير هي وقود الفتن، ولما كان النظر في العواقب والمآلات من خصائص العقل والعقلاء، وكانت العقول تذهل إبّانَ الفتن؛ غاب عن الجماهير وهي تتحرّك بها أمواجُ الفتن قراءة العواقبِ واستشعارِ الغوائل والمآلات، فإذا لم يكن لها وعيٌ تامٌّ بهذا وبأسبابه وبحلقات إسناد الفتنة؛ ضلّت أحوجَ ما تكونُ إلى الاهتداء:   

 

ولهذا نقرأُ في الحديث قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: " إن بين يدي الساعة الهرج  ". قالوا:  وما الهرج ؟.  قال: "  القتل ، إنه ليس بقتلكم المشركين ولكن قتل بعضكم بعضا ( حتى يقتل الرجل جاره، ويقتل أخاه  ،ويقتل عمه، ويقتل ابن عمه ). قالوا: ومعنا عقولنا يومئذ ؟!. قال: "  إنه لتنزع عقول أهل ذلك الزمان، ويخلف له هباء من الناس يحسب أكثرهم أنهم على شيء وليسوا على شيء " 1.  

 

فالجماهير إبّانَ الفتن تتحرّك وعقولها معطّلة، ولا تدركُ حجمَ ما ينتجُ عنها من المفاسِد والشرور، ولا تكادُ تتصوّرها بسبب التعبئة العاطفية والانشغال بالمكاسب المؤقّتة واضطراب العقول التي أعمتها الشهواتُ أو الشُّبُهات، ثم إذا بها للأسف تتمَنّى عند نزولها وحلولها واستفحال شررِها وضررِها شطرَ ما كانت فيه من النّعَمِ أيّام السلامة والجماعة ، وهيهات !:    ولهذا قال عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه -: " أيها الناسُ عليكم بالطاعةِ والجماعة؛ فإنّها حبلُ الله الذي أمرَ به، وإنّ ما تكرهونَ في الجماعةِ خيرٌ ممّا تحبُّون في الفرقة  " 2. 

 

فانظُر كيف جعل ما يكرهه المرءُ زمن الاجتماع والاتّحاد من المفاسد والانحرافات والأخطاء أهون وأفضل من العواقب التي تؤول إليها الأمور عند الاختلاف والتفرّق، وهذا من دقيق فقهه رضي الله عنه!.  

 

هذا ممّا يجب على الخطباءِ بيانُهُ للناسِ وتربيتهم عليه زمن الجماعةِ والائتلاف، قبل نزول أسباب الفرقة والاختلاف وتحرّك حلقات الأسانيد واتّصالها، من باب تحقيق المناعة وتحصيل العصمةِ وصناعة الوعي التام بطبيعة الفتن والنوازل العامّة وعواقبها قبل حلولها.  

 

وباستقراء كثيرٍ من الفتن العامّة في القديم والحديث، التي عظُمَ ضررُها واستطارَ شررُها؛ تبيّن أنّ للفتن حلقاتُ إسنادٍ تكاد تكون ثابتةً متكرّرة، يستدعي بعضُها بعضًا، فإذا بالفتنة قائمةٌ تُهلكُ الحرثَ والنسلَ، وتحصُدُ الأخضر واليابس، وهي: 

 

 1 /  توفّر ذريعة المظلوميّة والاستحقاق صدقًا أو ادّعاءً.  

 2 /  وجودُ القيادة التي تؤطّر وتحرّك.  

 3 /  توفّر العصبيّة الجماهيرية ( الوقود ).  

 4 / صناعة الشحن والتعبئة العاطفية   

 5 / حصول شرارة الانطلاق. 

 6 / عموم الفسادِ وسوء العاقبة.  

 

وظيفة خطبة الجمعة صناعة الوعيِ بحلقات هذا الإسناد بمختلف الطرق والوسائل والأساليب الإقناعية المؤثّرة، والقيام بكل جدارة بتفكيك حلقاته التي يستدعي بعضُها بعضًا، وغالبًا ما يحصلُ التفكيك على مستوى الحلقة الثالثة " توفّر العصبيّة الجماهيرية ( الوقود ) "، فإذا تمكّنّا بفضل الله تعالى،  ثم بارتقائنا نحو وصف أقوى وسائل الاتصال الجماهيري 3 من الحيلولة دون وجود هذه القاعدة الرّخوة القابلة للاختراق والتوظيف، ونجحنا في عزلها وتحييدها وحملها على الانطفاء إبّان الفتن، والحيلولة دون وقوعها ضحيّة الاستغلال والمشاركة في بعث الفتن وتحريكها؛ نكونُ قد نجحنا في تفكيك جميع أسانيد الفتن مهما كانت قويّة، ومهما توفّرت فيها بقيّة الحلقات التي غالبًا ما تكونُ خارج نطاق تأثيرنا وسيطرتنا 4.   
  
   

هذا ومن أقوى ما يدعم استراتيجية الخطيبِ وهو يربّي في الناس الوعي بطبيعة الفتن ويفكّك أسانيدَها ضربُ الأمثلةِ التاريخيّة وتحليلها، وبيان كيف تدلُّ على موضوعنا وتؤكّدُهُ وتجلّيه، فإنّ التاريخ ديوان العِبَر وسِجِلُّ الدروس، وهو مجالٌ رَحبٌ للاستذكار والتذكّر، والادّكار والتفكر: 

 

نحاول معشر الخطباء تحليل حلقات هذا الإسناد في نموذج من نماذج الفتن العامّة المشهورة في التاريخ الإسلامي 5 ، وهي فتنة " ثورة الربض  بالأندلس سنة 202هـ ":   

في ولاية ثالث أمراء بني أمية في المغرب بعد أفول شمسهم في المشرق، في ولاية  " الحكم بن هشام الربضي " ( وذلك من سنة (180هـ =796 م ) وحتى سنة (206هـ =821م ) 6؛  كثر المنتسبون في زمانه إلى العلم حتى كان بقرطبة وحدها أربعة آلاف من المنتسبين إلى العلم والفقه، ثم انحرفت سيرة هذا الحاكمِ، ففرض الضرائب الجائرة وأظهر اللهو والصيد والفسوق والفجور ومعاقرة الخمر والعياذ بالله 7.  كان مقتضى الحكم الشرعي الذي هو صريح النصوص الشرعية 8  أن يبذل العلماء جُهُودَهُم في نصح الأمير وموعظته سراً، مع الاشتغال بتعليم الناس دينهم، وقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب الطاقة، والسكوت عن ذكر مثالبِ الأمير بين العامة والخاصة؛ رعاية لمصلحة اجتماع الكلمة، وبقاء الولاية، وحقن الدماء، والبعد عن أسباب الفتن !. 

 

ولكن الذي حصل غير ذلك !؛ غلبت عليهم الغيرة والعاطفة الدينية، وتملّكهم الغضب لحرمات الله الذي لم يضبطوهُ بحكم الله العليم الحكيم الذي قضى به على لسان نبيه حين قال صلى الله عليه وسلم: " ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة "  رواه مسلم.   وحين قال صلى الله عليه وسلم: "   من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية " متفق عليه. 

 

فلما رأى هؤلاء الفقهاء  ما يكرهون، ومنهم بعض الكبار المشهورين: يحي بن يحي الليثي راوي الموطأ 9،  وطالوت بن عبد الجبار المعافري !:   لم يصبروا على تلك الأخطاء والانحرافات والمفاسد في الأمير وسياسته، ولم يقدّروا مآلات الأمور والعواقب عند حصول الاختلاف والتفرّق ! ، بل نزعوا يداً من طاعة، وائتمروا ليخلعوه، ثم جيشوا لقتاله، فزحفت الجموع على القصر، في محاولة لدخوله والإطاحة بالأمير سنة 202 هجرية. 

 

تنبه  " الحكم بن هشام " للأمر، ودبر حيلة مع حاشيته مفادها أن يفتح ممرا في أحد الأسوار الخلفية لخروج جنده خفية، والذين التحقوا بالربض فأشعلوا النار في بيوت الثائرين المتمردين، وعندما شوهد الدخان تراجعت العامة انشغالا بإطفاء الحرائق التي اندلعت في دورهم، وحماية ممتلكاتهم، ووجدوا أثناء تراجعهم، عسكرا أباد الكثير منهم، وبتناقص عدد المحاصرين، خرج الجيش من الداخل فقتل الكثير من أهالي الربض، وقد لقي الناسُ مقتلة ً عظيمة على يد جند الحكم ( الجند الأخرص القساة ) 10،  وأمر بصلب أزيد من سبعين فقيها وعالما منكسي الرؤوس على طول شاطئ النهر 11! 

 

ثم كانت النتيجة الطبيعية:  تعاطفت العامّةُ مع الفقهاء، وهاجت وتأهبت للخروج !،  ولم يعد ينقصها إلا شرارة لتشتعل نيران الفتنة الكبرى !، واتقدت الشرارة بالفعل حين اختلف أحد موالي الأمير مع رجل من الرعية حول سيف 12، فقتل مولى الأمير الرّجُلَ، وتحزب الناس طائفتين، واقتتلوا. 

 

علم أمير الأندلس ( الحكم ) فجمع جنوده، والتقى الصفان فهزمهم، وولوا هاربين، والتقاهم جيش الأمير من خلفهم فأثخن فيهم حتى قتل منهم أربعين ألفاً !، عندها أعلنوا الطاعة، وأذعنوا، وطلبوا العفو !. 

 

الإشكالُ أنّهُ لم تقف العواقبُ والغوائل عند هذا الحد المؤسِف، فقد تشاور الحكم مع المقربين له، فتوصلوا إلى رأي لم يسبق أن وقع في تاريخ الأندلس، تمثل في تهجير سكان الربض جميعهم، وتهديم الحي بكامله وتحويله إلى مكان للحرث (مزرعة)، وغادر أهالي الربض حيهم بعائلاتهم تحت وقع صراخ الأطفال وبكائهم، وحسرة الكبار على أملاكهم وأرزاقهم، واشترط عليهم مغادرة المكان (الربض) في مدة ثلاثة أيام، جماعات متتالية، وسهل على السراق تتبعهم وتجريدهم مما حملوه معهم، غادرت طائفة منهم قرطبة باتجاه طليطلة، وثانية باتجاه المغرب (فاس) استعان بها إدريس الثاني في إقامة ملكه، وهاجرت طائفة ثالثة بتعداد أكبر يقدر بخمسة عشر ألف دون الصغار والنساء، عبر المراكب باتجاه الاسكندرية، ثم طردوا بعدها منها باتجاه جزيرة اقريطش (كريت الحالية). 

 

بل كان للمأساة فصل آخر في مدينة طليطلة، حيث نزلها ألوف من أهل الربض المتشرّدين، فولّى عليهم ( الحكم بن هشام ) أحد الدهاة الفاتكين يقال له ( عمروس ) فكاد لهم حتى قتل من أعيانهم خمسة آلاف رجل !.   

 

هذه – معشر الخطباء –   واقعة واحدة من وقائع التاريخ  ذهلت فيها عقول الخاصّة والعامّة عن العواقب والمآلات، فاضطرب فيها الأمن، وسفكت الدماء، واختلفت القلوب، ودمرت الديار، وتشرد الألوف، وقتل كثير من الأخيار، وبعد ذلك كله بقي الأمير على كرسي الإمارة حتى جاءه الأجل الموعود، في وقت غير بعيد عن زمن الفتنة بل كان بين موته وبينها أربع سنين فقط !. بل إنّ الحكم بن هشام بفضل من الله ومَنٍّ عليه تاب عن أفعاله في آخر عهده، ورجع عن ظلمه، واستغفر واعتذر للناس عن ذنوبه، ثم اختار من أبنائه أصلحهم، وإن لم يكن الأكبر؛ ليكون وليًّا لعهده، وكان من حُسْنِ خاتمته أنه قام بهذا الاعتذار وهذه التوبة وهو في كامل قوَّته وبأسه، وذلك قبل موته بعامين 13 !. 

 

فلو صبر العلماء وأتباعهم حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر أو يتوب الله عليه؛ لكان خيراً لهم وله، وللإسلام والمسلمين، ولكنها طبيعة الفتن !.  

 

إنّ على خطبة الجمعة أن ترتقيَ إلى مستوى تحليل مثل هذه الفتن، وفق حلقات إسنادِها، تجليةً لتلك الحلقات، وبيانًا وكشفًا لكيفيّة اتّصالها من أولها إلى آخرها حتّى تأكل الأخضر واليابس كما فعلت في ثورة الربض، وبهذا المنهج يتحقّق لدى الجماهير الوعي بطبيعة الفتن وأسانيدها، وتقوى عقولهم على فهمها واستيعاب تركيبتها السّنَنِيّة، وهو ما يُثمرُ القدرة على التنبّؤ والقياس باعتبارها كفاءة من أبرز كفاءات المنهجيّة العلمية السليمة !.   

         

                                       تطبيق على فتنة الربض:   

 

 1 /  توفّر ذريعة المظلوميّة والاستحقاق صدقًا أو ادّعاءً:   

ما من فتنةٍ إلا وأساسُها الإقناعي والتأثيري وجودُ ذريعة المظلوميّة والاستحقاق صدقًا أو ادّعاءً، فإن كانت هذه المظلومية – كما في نموذج الربض – موجودةً صدقًا فهذا وصفٌ كافٍ لاستدعاءِ بقيّة عناصر الإسناد وجذب التعاطف والتضامن، وإن لم تكن هذه المظلوميّةُ موجودةً حقًّا – كما يحصل في كثير من النماذج – قام أصحابها استغلال الدّعاية والتضخيم وتشويه الحقائق  بهدف تغليف الفتنة بخطاب المظلومية  الذي يحفّزُ لجذب التعاطف والتضامن!. 

 

في فتنة الربض لاحظنا كيف توفّر في الأمير وصفُ الاستبداد والفساد فعلًا،  فقد فرض الضرائب الجائرة كنوع من أنواع التضييق الاقتصادي على عموم الشعب، وهذا يدعوهم إلى النقمة على النظام والإحساس بالظلم والقهر، فإذا ما انضمّ إليه إظهار الأمير وحاشيته اللهو والصيد كصورة من صور الطبقيّة المترفَة في المجتمع الواحد؛ صار الشعبُ مهيّئًا للفتنة والحراك. كيف وقد انضمّ إلى هذا الفساد الشخصي من فسوق وفجور ومعاقرة للخمر والعياذ بالله 14  !،  من شأن هذه الأوصاف أن تجعل للطرفِ الآخر مستندًا يراهُ كافيًا بالنسبة إليه للمطالبة بالعزل والتغيير  والقيام بثورة!

.      

2 /  وجودُ القيادة التي تؤطّر وتحرّك:  

الجماهير تنتفضُ ولكنّها لا تقوى على تأطير نفسها وتطوير مطالبها  إلا بنوع قيادةٍ وتحريك، وقد لاحظنا في فتنة الربض أنّه تولاّها كثيرٌ من المنتسبين إلى الفقه باجتهادٍ منهم لا يقصدون فيه الإفساد 15، بل منهم علماء مشهورون موثوقون لدى الجماهير  كيحي بن يحي الليثي راوي الموطأ،  وطالوت بن عبد الجبار المعافري 16 ! ،و هما من تلاميذ الإمام مالك بن أنس !، بل انتهت ليحي بن يحي رياسة المذهب المالكي في الأندلس،  وذكروا أنه كان مجاب الدعوة !،  ومن شأن هذه القيادة التي تثق فيها الجماهير أن تكسبَ الفتن غطاءً استحقاقيًّا عاليًا!.    

 

ولكن مع ذلك ينبغي أن نعرف "  أن للفتن فقهًا خاصًّا لا بُدّ فيه من معرفة النصوص المتعلقة به، من كتاب الله عزّ وجل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن الفتن: "  يا حذيفة تعلّم كتاب الله واتّبِع ما فيه، ثلاثَ مرارًا " ( الصحيحة: 2739)، ولا بُدّ من معرفة الأحاديث المفصّلة المبيّنَة، ولا بُدّ من معرفة الآثار ومواقف السلف فهي عملٌ بمقتضَى الكتاب والسنّة، فيها إزالة إبهامات، والمزيد من التوضيحات..  إذ مسائل الفتن تحتاج إلى علمٍ خاصٍّ ودراسة عميقة، وتأمّلات دقيقة، كل ذلك للتوصّل إلى الحق والحقيقة " 17.     

3 /  توفّر العصبيّة الجماهيرية ( الوقود ):  

الجماهير هم الاحتياطي الاستراتيجي الخطر إبّان الفتن العامّة، وهم الوقود سريع الاشتعال في الفتن لأنهم دوماً يمتلكون القابلية للشحن والاستقطاب، والقابلية للشراء، والقابلية للتوجيه الأعمى، والقابلية لتغيير المواقف حسب الطلب!. 

 

 وللجماهير خصائص تكاد تكون مشتركة في جميع الفتن:  منها العفوية ، والعاطفية، القابلية السهلة للتشكيل من طرف الأذكياء والدّهاة، وتستهويهم سيناريوهات البطولة دون نظرٍ في العواقب والمآلات!.  

وقد ظهر في فتنة الربض ما يؤكّد كثيرًا من هذا:  حيثُ سهُل حملُهُم على الخروج بلا رويّة فحاصروا دار الأمير، وسَهُل فكّ الحصار والاعتصام بإحراق بعض الجُندِ بيوتهم وممتلكاتهم، وسهُلَ دعوتهم إلى وليمة عند عمروس فقتل منهم خمسة آلاف !، وهكذا.   

 

4 / صناعة الشحن والتعبئة العاطفية:  

 

الشحن العاطفي صناعة لها حذّاقُها !، فحينما تنطلق المنصّات المختلفة في التعبئة والحديث عن فساد ما  أو معصية تنتشر؛ تحشد العواطف باحترافية، وتستثير المواقف بإلحاح،  يستمر ذلك ليل نهار، وبمختلف الوسائل والأساليب الاحترافية، وربّما توجه التهم، وتفصل الأردية، ولو لم يلبسها أصحابها في حياتهم قط !، فإذا بالعامّة يقتنعون، وينفلت الأمرُ من أيدي الأخيار والعقلاء،  فتقع الكوارث وتنفتح أبواب الفتن وتستمر إلى أمدٍ ليس بالقصير، والسبب التجييش والتحريش والتعبئة العاطفية!.   

  وهذا ما وقع بالتدريج في فتنة الربض حتى حصل الخروج على الحكم ومحاصرة دار الإمارة!.  

 

وإلا فإنّ المنهاج يفرضُ غير هذا الموقف، وفرقٌ كبيرٌ بين العاطفة والمنهاج!: 

في صحيح مسلم عن حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه – قال: قلت يا رسول الله  إنّا كنّا بشَرٍّ فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر ؟، قال: " نعم "، قلتُ: وهل وراء ذلك الشرّ خير ؟، قال: " نعم ". قلت: فهل وراء ذلك الخير شر ؟. قال: " نعم ". قلت: كيف ؟، قال: "  يكون بعدي أئمّةٌ لا يهتدون بهداي، ولا يستنُّون بسنّتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس ". قال حذيفة قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك ؟ !.  قال: " تسمع وتطيع الأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع " 18.   

 

فانظُر كيف أنّ حكمة الشرع أعظم من حكمة الإنسان الضعيف المخلوق !، فاجتماع الكلمة مع تلك المفاسد أفضل، والخروج لا يقرّه الشرع ولا العقل لما يترتّب عليه، وينبغي مع هذا الصبر على نصح الأمير وموعظته سراً، مع الاشتغال بتعليم الناس دينهم، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب الطاقة، والسكوت عن التحريض وذكر المثالبِ بين العامة والخاصة؛ رعاية لمصلحة اجتماع الكلمة، وبقاء الولاية، وحقن الدماء، والبعد عن أسباب الفتن!.  

 

5 / حصول شرارة الانطلاق:  

 

فهي التي تذكي الصراع وتبعثُ الجموع وتهيّجهم، وقد تكون الشرارة في الفتن عفويّةً أو مصطنعة، واحدةً أو متعدّدَة مركّبَة،  وقد تمثّلت في هذه الفتنة في العسكريّ الذي قتل الحدّاد، وربما تخفي كتب التاريخ تفاصيل أخرى يمكن اعتبارها شرارة في هذه الحادثة. فالعقلاء يدركون طبيعة الشرارة ويحسنون التعامل معها بالحكمة الصائبة، أما غيرهم فيسهل استدراجهم والتأثير فيهم لغلبة العواطف على العقول، ولله الأمر من قبل ومن بعد!.   

 

6 / عموم الفسادِ وسوء العاقبة:  

 

الفتن لها مظهرٌ خادعٌ في البداية يستهوي ويؤثّر، يستحسنه أكثر الناس، ويعقدون عليه الآمال، ولكن سرعان ما تنكشف الحقائقُ والبواطن، وتتلاشَى الآمال كالزهرة التي تموتُ قبل أن تُثمر !. إلا العلماء الربانيين الراسخين في العلم فإنهم يعرفونها من بداياتها الأولى، كما قال الحسن رحمه الله : " إنّ هذه الفتنة إذا أقبلت عرفها كلُّ عالم، وإذا أدبرَت عرفها كلُّ جاهل " 19.   وعن أيوب السختياني قال: " كان الحسن يُبصِرُ من الفتنة إذا أقبلت كما نبصِرُ نحنُ منها إذا أدبرت " 20 .   

 

لما قام طالوت المعافري ويحيى بن يحي الليثي ومن شايعهما بالدعوة إلى نكث بيعة الأمير، والقول بأنه لا  يحلّ المكث ولا الصبر على سيرته الذميمة؛ عولوا على تقديم أحد أهل الشورى بقرطبة، وهو أبو الشماس أحمد بن المنذر بن الداخل الأموي ابن عمّ الحكم؛ لِما عرفوا من صلاحه وعقله ودينه فقصدوه وعرّفوه بالأمر، فأبدى لهم الميل في بداية الأمر، ثمّ وشى بهم بعد ذلك عند الحكم، وأوقف الحكم على صحة الحال.  

 

فلما حضر أقبل يسألهم عمّن معهم في هذا الأمر فلما عرفوا أنه كشفهم وسقطوا في يده؛ بادروا بالخروج فنجا منهم من نجا، وقتل كما رأينا من قُتل، وكان من الناجين طالوت ويحيى بن يحي الليثي.  أمّا يحي بن يحي فبعد انتهاء الفتنة كتب إلى الحكَم يطلبه الأمان، فاستجاب الحكم له !، فعاد إلى قرطبة في آخر أيام الحكم، ولم يزل تحت كرامته بقية أيامه !.  وأما طالوت المعافري فرجع تحت ولاية الحكم بعد اختباء عام في بيت يهودي 21 !.  

 

ثم مع هذا: ما الذي جنته هذه الثورة ذات البواعثِ النبيلة السامية على السّلم الأهلي والأمن الاجتماعي؟!: 

 

صلبُ أزيد من سبعين فقيها وعالما منكسي الرؤوس على طول شاطئ النهر !، قتلُ أربعين ألفًا عند التقاء الجيوش، تخريب الأراضي وحرق البيوت والممتلكات،  النفي والتهجير لسكّان الربض، ما فعله عمروس من قتل خمسة آلاف من الأعيان في طليطلة. . والقائمة مفتوحة والخسائر متنوّعة. .!. 

 

فانظر كيف أنّ الخطر كلّ الخطر في تداعيات الفتن وما تنتهي إليه حلقاتُها من التخريبِ والإفسادِ والتمزيق والتفجير والانشقاق والتدمير ، وإزهاق الأرواحِ وانتهاك الأعراض ونهب الأموال ، وهاهنا تكمنُ الفتنة!. 
    

قال شيخ الإسلام ابن تيمية يقارن بين واقع الحياة قبل الفتنة وبعد اهتياجها، وضرب مثلاً بقتال علي رضي الله عنه للخوارج : "..  ورجحان العمل يظهر برجحان عاقبته..  لكن بالقتال زاد البلاء وسفكت الدّماءُ وتنافرت القلوب، وخرجت عليه الخوارج وحكم الحكمان، حتى سمي منازعه بأمير المؤمنين؛ فظهر من المفاسد ما لم يكن قبل القتال ولم يحصُل به مصلحةٌ راجحة. وهذا دليلٌ على أن تركه كان أفضل من فعله ؛ فإنّ فضائل الأعمال إنما هي بنتائجها وعواقبها. . " 22. 

 

وقال – رحمه الله -: "  وإنما وقع الشر بسبب قتل عثمان، فحصل بذلك قوة أهل الظلم والعدوان وضعف أهل العلم والإيمان، حتى حصل من الفرقة والاختلاف ما صار يُطاعُ فيه من غيرُهُ أولى منه بالطاعة، ولهذا أمر الله بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف" 23.  

 

فعلى خطبة الجمعة أن تركّز تركيزًا واضحًا قويًّا على كلّ حلقة من حلقات إسناد الفتن، تكشفها وتبيّنُها بيانًا شافيًا في مختلف سلاسل الخطب والتوجيهات، وتضرب عليها الأمثلة من التاريخ القديم والحديث، عسَى أن يتحصّل لدى الجماهير  بمجموع ذلك البيان " الوعي " بطبيعة الفتن وأسانيدها 24. 

 

هذا ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعصمنا وإياكم من جميع الفتن والشرور.  

وصل اللهم وسلم وبارك على نبيك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.  
     

 

——————-

 

الهوامش: 

1  – السلسلة الصحيحة ،ح ( 1682 ). 
2 –  أخرجه ابن عبد البر في التمهيد: ج ( 21 ) ص ( 273 ) بسند لا بأس به. 
3 –  أكرّرُ على الدوام القول بأنّ  خطبة الجمعة من أبرزِ وسائل الاتّصال الجماهيري، وأنّ الخلل يكمنُ في جهاز الإرسال " الخطيب " ، أو إن شئتَ قل في " مؤسسة المسجد ". . . التقليدية..   التي تحتاج إلى تجديد وإصلاح وتحديث، والتي- في أغلبها على الأقل –  لم تواكِب التطور الحاصل  في مجال دراسة اتّجاهات الجماهير، والقواعد الجديدة في بناء وتحليل المحتوى، وفن الإقناع والتأثير وتشكيل الرأي العام انطلاقًا من النُّظُم المعرفيّة الجديدة المنفتحة لدى الجماهير..   وهذا ما نجحت فيه وفي توظيفه بالفعل الفضائيّات وأكثر وسائل الإعلام والاتّصال الجماهيري الأخرى، فهذه نصيحةٌ لنفسي ولإخواني الخطباء.       
4-  فلا يمكننا السيطرة والتحكم في ذريعة الظلم والمظلومية لأنها ربما نتاج واقع وممارسات، ولا في الرؤوس الذين يبعثون الفتن ويحركونها، ولا في صناعة الشحن العاطفي الذي تشرف عليه حاليًا مؤسسات ومنابر ضخمة وخبراء من مختلف التخصصات، ولا في الشرارة التي ربما كانت نتاج تخطيط أو أجندات سرّيّة، وإنما يمكن أن نتحكّم بإذن الله في الحلقة الثالثة بتحييدها تربويًّا ومنهجيًّا عبر الصبر على التربية والتوجيه وصناعة الوعي المنهجي الحقيقي !، وهذا الذي ينبغي أن ترتقي له مؤسسة المسجد والخطاب المسجدي.  
5 – وقد قمت بتفكيك وتحليل نفس عناصر الإسناد في فتن عامة معاصرة فوجدتها تنطبق تمام الانطباق، فلله الأمر من قبل ومن بعد.   
6  –  انظر: ابن عذاري: البيان المغرب، ج ( 2 ) ص ( 68 )،  والمقري: نفح الطيب ، ج ( 1 ) ص ( 339 ). 
7 –  انظر: ابن الأثير: الكامل في التاريخ،  ج ( 5 ) ص ( 413 )،  والمقري: نفح الطيب،  ج ( 1 ) ص ( 339 ). 
8 – سوف يأتي بإذن الله مقالٌ كاملٌ حول هذا الموضوع هو المقال التاسع بعنوان " خطبةُ الجُمُعةِ ووظيفتُها في بيان وجوبِ الالتفافِ حول الإمام زمن الفتن والنوازل العامّة ". 
9 –  يحيى بن يحيى الليثي ولد عام 152هـ وتوفي 234هـ، سمع الموطأ من الإمام مالك، قال عنه ابن عبد البر رحمه الله: قدم يحيى بن يحيى الأندلس بعلم غزير فعادت فتيا الأندلس بعد عيسى بن دينار الفقيه عليه وانتهى السلطان والعامة إلى رأيه، وكان فقيهاً حسن الرأي، ومن فتاواه: أن عبد الرحمن بن حكم صاحب الأندلس، نظر إلى جارية له في رمضان فلم يملك نفسه أن واقعها، ثم ندم وطلب الفقهاء، وسألهم عن توبته، فقال يحيى بن يحيى: صم شهرين متتابعين فسكت العلماء، فلما خرجوا قالوا ليحيى: لماذا لم تفته بمذهبنا عن مالك أنه يخير بين العتق والصوم والإطعام؟ قال: لو فتحنا له هذا الباب لسهل عليه أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة، فحملته على أصعب الأمور لئلا يعود، ينظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض، ج ( 1 ) ص ( 688 ).   
10 – جند الخرصاء، هم جنود مرتزقة جلبوا من بلاد العجم الأوروبية وعرفوا فيما بعد بالصقالبة، يطبقون الأوامر دون مناقشة، كوّن الحكم بن هشام منهم جندا خاصا للحراسة والقتال، لذا عرفوا باسم ( الجند الأخرص ).   
11 –  انظر: ابن الأثير: الكامل في التاريخ،  ج ( 5 ) ص ( 413-414 ).   
12 –  إذ أصلح حداد من عامة الناس سيف جندي من حراس الحكم، فلم يعجبه عمله ، فقتل الحدادَ ظلماً وجبروتاً معتمدا ًعلى سلطة الحكم، واحتشد الناس على هذا الحارس فقتلوه، ثم قامت الثورة الشعبية العارمة – وقد كانت مهيأة في النفوس-، فعبر الثائرون قنطرة قرطبة وحاصروا قصر الحكم وأتباعه في الجهة الشرقية.   
13 –  ابن سعيد المغربي: المُغرِب في حلي المَغرب، ج ( 1 ) ص ( 43  ).   
14 –  انظر: ابن الأثير: الكامل في التاريخ،  ج ( 5 ) ص ( 413 )،  والمقري: نفح الطيب،  ج ( 1 ) ص ( 339 ). 
15 – لسنا نقدح أبدًا ولا يجوزُ في نيّة وباعثِ الفقيهين رحمهما الله، إنما الحديث هنا عن المنهاج، وكما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:  " كم من مريد للخير لن يصيبه  " !  رواه الدارمي في سننه، ج ( 1 ) ص ( 68-69 )، وأورده الألباني في السلسة الصحيحة، ح (2005).  
16 –  هو طالوت بن عبد الجبار المعافري الأندلسي المالكي أخذ عن الإمام مالك بن أنس رحمهما الله. انظر: ترتيب المدارك، ج ( 1 ) ص ( 651 )، ونفح الطيب التلمساني، ج ( 2 ) ص ( 639 ).   
17 –  الفتن وسبيل النجاة منها للعوايشة، ص ( 89 ).  
18 – رواه البخاري، ح (3606 )، ومسلم، ح (1847 )، واللفظ له.  
19- انظر: الطبقات الكبرى، ج ( 7 ) ص ( 128 )،  والتاريخ الكبير للبخاري، ج (4 ) ص ( 322 )،  وحلية الولياء، ج (9) ص (24). 
20 –  انظر:  المجالسة وجواهر العلم للدينوري، ج ( 6 ) ص ( 86 ). 
21 – انظر: سير أعلام النبلاء الذهبي، ج ( 8 ) ص ( 258-259 ).   
22 – مجموع فتاوى ابن تيمية: ج ( 4 ) ص ( 414-442 ). 
23 – مجموع فتاوى ابن تيمية: ج ( 35 ) ص ( 74 ). 
24-  فليته يقوم أحد إخواننا الخطباء الأقوياء بتحليل فتنة الربض وغيرها في سلسلة خطابية  رائعة يفكّك فيها كل حلقات إسنادها مع الشرح والبيان والتمثيل والتأصيل، فبارك الله في الجهود والأوقات والعزائم.    

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات