طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > استراتيجية الخطيب > مقالات > سلسلة: خطبة الجمعة واستراتيجيّة تحقيق التماسُك زمنَ الفتن والنوازل العامّة (1)

ملتقى الخطباء

(4٬286)
39

سلسلة: خطبة الجمعة واستراتيجيّة تحقيق التماسُك زمنَ الفتن والنوازل العامّة (1)

تاريخ النشر : 1435/08/10
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

هذا وإنَّ الأثرَ التوجيهي البالغَ لخطبة الجمعة في الجماهير ينبغي أن يكونَ ثابتًا مستقرًّا في جميع الأوقات والأحوال، وأخصُّ ما يكونُ ويُطلبُ هذا الأثرُ في أزمنة الأزماتِ والفِتنِ والنوازل العامّة، لخصوصيّتِها من جهة سُرعةِ الانتشارِ وكثرَةِ الحِرَاكِ الجماهيري فيها، ولخطورتها على الاستقرارِ والأمن الفكري وسلامَةِ الوَحدةِ والمرجِعيّة والأوطان.

 

 

 

 

خطبة الجمعة من أبرز وسائل الاتصال الإعلامي الجماهيري 1، بل تميّزت عن كل الوسائل الإعلاميّة الجماهيريّة الأخرى بمزايا لا تتوافر لغيرها؛ من حيثُ كونُها شعيرةً من شعائر الإسلام متكرّرةً كلّ أسبوع 2، ومرتبطةً بصلاة الجمعة التي أمر اللهُ تعالى بالسعي إليها بقوله: )  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ([الجمعة: 9]، ومن حيثُ أنَّها تتم في جوٍّ مهيب تتهيّأ فيه النفوس والأبدان  للتلقّي، ومن حيثُ تميُّزُها بوجوب الإنصات إلى الخطيب وعدم الانشغال عنه بأيّ صورةٍ من صور الانشغال؛ مما جعلها حقًّا متميّزَةً عن سائر الخطب، والمحاضرات، والندوات الجماهيريّة، وممَّا جعلَ الاهتمامَ بها وبكلّ ما يخدمها بشكل عام مطلبًا شرعيًّا بامتياز.

 

هذا وإنَّ الأثرَ التوجيهي البالغَ لخطبة الجمعة في الجماهير ينبغي أن يكونَ ثابتًا مستقرًّا في جميع الأوقات والأحوال، وأخصُّ ما يكونُ ويُطلبُ هذا الأثرُ  في أزمنة الأزماتِ والفِتنِ والنوازل العامّة، لخصوصيّتِها من جهة سُرعةِ الانتشارِ وكثرَةِ الحِرَاكِ الجماهيري فيها، ولخطورتها على الاستقرارِ والأمن الفكري وسلامَةِ الوَحدةِ والمرجِعيّة والأوطان.  

 

ونحنُ الفريق العلمي في ملتقى الخطباء نهدِفُ من خلال هذه السلسلةِ المبارَكة إلى رصدِ وبناءِ استراتيجيّةٍ متكاملةِ المفرداتِ والإجراءات والمقاييس، تحقّقُ من خلالِها خطبةُ الجمعةِ التّماسُك والتوازُنَ والاستقرارَ الفكريّ والاجتماعيّ المنشود زمنَ الفتنِ والأزماتِ والمِحَن، وقد رأينا تقسيمَ مفرداتِها على النحو التالي:

 

المقال الأول: الإطار المفاهيمي للسلسلة.  

 

المقال الثاني: خطبة الجمعة ووظيفتُها الحيويّة قبل وأثناء زَمَنِ الفتن والنوازل العامّة ( مدخل عام ).  

 

المقال الثالث: خطبةُ الجُمُعةِ ووظيفتُها في صناعة الوعي الجماهيري بطبيعةِ الفتن وتفكيكِ أسانيدِها.  

 

المقال الرابع: خطبةُ الجمعةِ ووظيفتُها في صناعةِ الموقفِ الجماهيري زمنَ الفتنِ والنوازل العامّة (ثقافة الاعتزال وشدّة الارتباطِ بالله والحرص على الدّماء والأعراض والعقول والممتلكات).         

 

المقال الخامس: خطبةُ الجمعةِ ووظيفتُها في الكشف عن سُنَنِ اللهِ في الذين تلبّسُوا بالفتن والذين اعتزَلُوها (دراسة تاريخيّة نقديّة).

 

المقال السادس:  خطبةُ الجُمُعةِ ووظيفتُها في تبيين منهجِ السّلفِ الصالحِ في الفِتنِ والنوازل العامّة.  

 

المقال السابع: خطبةُ الجمعةِ واستراتيجيّة تثبيت الوَحدة الجماهيريّة زمنَ الفتن والنوازل العامّة.  

 

المقال الثامن: خطبةُ الجُمُعةِ وضرورة ربطِ الجماهير بالمرجِعيّة العلميّة العليا زمنَ الفتن والنوازل العامّة.  

 

المقال التاسع: خطبةُ الجُمُعةِ ووظيفتُها في بيان وجوبِ الالتفافِ حول الإمام زمن الفتن والنوازل العامّة.  

 

هذا ونسأل الله العظيم السلامة والعافية، والتوفيقَ إلى كل خير.   ومع المقال الأول:

 

 

الإطار المفاهيمي للسلسلة

 

قبل الشروع في تفصيل نقطة الارتكاز في هذه السلسلة، أعني وجوب اتّصاف خطبة الجمعة قبل وأثناء زمن الفتن والنوازل بالحيويّة والفاعلية والإيجابيّة والبناء والشّهود الرسالي، وبالتالي تخلّصها من السلبيّة والغيبوبة الحضاريّة؛ يحسنُ بنا أوّلاً –  ونحن في بداية حلقات هذه السلسلة المترابطة – أن نقدّم بالإطار المفاهيمي الذي يضبط للقرّاءِ على اختلاف طبقاتهم ودرجاتهم المصطلحاتِ المستخدمةَ في السلسلة، ليحسن البناء والتفصيل بعد ذلك، فنقول:   

 

الإطار المفاهيمي للسلسلة: متكون من خمس مفردات رئيسية نوضّحها في ما يلي:   

 

تعريف خطبة الجمعة: مركب إضافي متكون من كلمتين " خطبة " و" الجمعة ":

 

أما الخُطْبَةُ: بضمّ الخاءِ؛ فهي اسمٌ للكلام الذي يتكلّمُ به الخطيب 3،  يُقال: خَطَبَ خُطْبَةً – بضم الخاء – وخَطَابةً، وهي مشتقة من المخاطبة، وقيل: من الخَطْبِ، وهو الأمر العظيم؛ لأنهم كانوا لا يجعلونها إلا عنده 4.

 

وأما خِطْبَة – بكسر الخاء – فهي طلب نكاح المرأة، ووجه الاشتراكِ بين الخُطبة والخِطبَة: أنّ مادة الكلمتين "خطب" ترجع في أحدِ أصليها إلى "التخاطب بين اثنين"، وخِطبةُ المرأة تحتاجُ إلى تخاطُبٍ ومراجعة 5.   

 

وأما عن معنى الجُمُعة: فأصل الكلمة يدل على تضام الشيء، يقال: جمعت الشيء، أي ضممته، كما تأتي بمعنى الألفة في قوله: أدام الله جُمْعة ما بينكما؛ أي أُلفة ما بينكما، فهي بذلك تعني اجتماع الأجساد واجتماع القلوب.

 

وهي بضم الميم وإسكانها وفتحها: الجُمُعَة، والجُمْعَة، والجُمَعَة، والمشهور الضم، وبه قُرئ في السبع في قول الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه] (الجمعة: من الآية 9). والإسكان تخفيف منه، ووجه الفتح بأنها تجمع الناس كما يُقال: هُمزة، وضُحكة للمكثرين من ذلك، والفتح لغة بني عُقَيل، ويُجمع على جُمُعات وجُمَع 6.   

 

ويُقال إن هذا اليوم كان يُسمى في الجاهلية بـ "يوم العُروبة" 7، ثم سُمِّي قبيل الإسلام بـ "يوم الجمعة"، سمَّاه بذلك كعب بن لؤي 8، فكانت قريش تجمع إليه فيه، فيخطبهم ويعظهم، وقيل: لم يسم بيوم الجمعة إلا بعد الإسلام 9.  

 

فتحصّل ممّا سبق أنّ خُطبة الجُمُعَة:  مركب إضافي يدل على: "ما يُلقى من الكلام المتوالي الواعظ، باللغة العربية، قبيل صلاة الجمعة، بعد دخول وقتها ، بنية ، جهرا، قياما مع القدرة، على عدد يتحقق بهم المقصود "10.   وقد حاول الكاتب في هذا التعريف تقريب المفهوم المعروف عند جميع الناس لخطبة الجمعة ولكن بطريقة فقهية.    

 

مفهوم الاستراتيجية: هذه المصطلح يوناني قديم، مشتق من " فن الحرب "، والذي معناه التخطيط والتنفيذ العسكري طويل الأمد باستخدام كل الموارد المتاحة.  

 

وعلى هذا الأساس تم استخدام هذا المفهوم في بداياته.  أما اليوم؛  فقد اتّسعَ وصار متداولاً  في مختلف ضروب العلوم العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والإدارية وغيرها، ويغلب استعماله بين المصمّمين وصُنّاع القرار في تلك المجالات.    

 

وقد عرفها بعض الباحثين بأنها  :"خطة محكمة البناء ومرنة التطبيق، يتم خلالها استخدام كافة الإمكانات والوسائل المتاحة، بطريقة مثلى، لتحقيق الأهداف المرجوة"11. فهي إذًا  أسلوب عِلمِي منظّم محكم البناء يحوي جملةً من الخطوات والإجراءات والمقاييس، يتحقق به الهدف المنشود إذا تمّ التوظيف بطريقة مثلَى ومرِنَة.   

 

وهذا التعريف يمكن تصور مدلوله ببساطة عند تنزيله على موضوع هذه السلسلة "تحقيق التماسك زمن الفتن والنوازل العامّة"، بمعنى أنّ السلسلة تقدّم برنامج متكامل الخطوات والإجراءات والمقاييس يتحقق به بإذن الله التماسك والاستقرار زمن الفتن.    

 

مفهوم التماسُك:

 

التماسك في اللغة: مشتقٌّ من مَسَكَ يمسِكُ، مسكًا به: أي أخذ به وتعلّق، وأمسكتُ بالشيءِ وتمسّكتُ به واستمسكتُ وامْتَسَكْتُ كلُّهُ بمعنى: اعتصمت 12.  

 

وأما في الاصطلاح : فهو مصطلح اجتماعي يهتم بدراسته ورصده علم الاجتماع، ويسميه التماسك الاجتماعي (Social Cohesion )، ويدرسه علم النفس الاجتماعي كذلك، والمقصود به "حقل القوى الجاذب للأفراد" 13 في المجتمع الواحد.  أو هو "تلك الحالة من قوة الترابط والانسجام والتلاحم في البناء الواحد" 14 .

  

وقد أشار علماء الاجتماع 15 إلى كون التماسك الاجتماعي يكشف عن عدّة خصائص رئيسية في الجماعة من أهمها :

 

ارتباط الأفراد بمعايير وقيم عامة (وهذا كما سنرى مهدد بالاهتزاز والاختراق زمن الفتن والنوازل العامة).  

 

والثانية: توحد الأفراد بالجماعة (وهذا كما سنرى مهدّد أيضًا بالاهتزاز والتلاشي زمن الفتن والنوازل العامة).   

 

وفي سلسلتنا هذه:  نعني بالتماسك عُمق وقوة الترابط والانسجام والتلاحم والولاء في المجتمع المسلم المستقبِل لخطبة الجُمُعة، وخاصّةً أمام التحدّيات وفي أزمنة الفتن والأزمات، وهذا العمق والقوّة هو الذي يعصم الأمّة بفضل الله تعالى من التفكّك والانقسام والتمزّق والتصادُم وتشتت القيم والمعايير، ذلك أنّ التحدّيّات بمختلف أصنافها تهدف إلى خلخلة الترابط المجتمعي وزعزعة الانسجام في البناء والنسيج الواحد 16 ، وهذه الاستراتيجية المقدّمة الهدف منها رعاية وتطوير هذا الترابط والانسجام والتلاحم في البناء، أو قُل هو باختصار: "المحافظة على عضويّة الجماعة 17 "، كما قال وأوصَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم :"عليكم بالجماعة" 18.       

 

مفهوم الفتن:

 

الفتن لغة: جمع فتنة، والفتنة أصلها الابتلاء والاختبار، قال ابن فارس :"الفاء والتاء والنون أصل صحيح يدل على ابتلاء واختبار، من ذلك الفتنة.  يقال: فَتَنْتُ أفتِنُ فتنًا، وفتنت الذهبَ بالنار إذا امتحنتُهُ" 19.  والهدف رؤية الجودة من عدمها 20.  

 

وقال ابن منظور في بيان معنى الفتنة واستعمالها في النصوص الشرعية  تبعا للأصل اللغوي :" وأصلها مأخوذ من قولك فتنت الفضّة والذهب أي أذبتهما بالنار لتميّز الرديء من الجيد..  والفتنة اختلاف الناس بالآراء..  والفتنة ما يقع بين الناس من القتال،  والفتنة القتل ومنه قوله تعالى: [إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ] (النساء: من الآية 101 )، وكذلك قوله في سورة يونس: [عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ] (يونس: من الآية 83) أي أن يقتلهم، وأما قوله صلى الله عليه وسلم :" إنّي أرى الفتن خلال بيوتكم" 21 ، فإنه يكون القتل والحروب والاختلاف الذي يكون بين المسلمين إذا تحزّبُوا" 22.   

 

وفي المعجم الوسيط 23 :  ". .   والإعجاب بالشيء والاستهتار به والتدليه 24 بالشيء والاضطراب وبلبلة الأفكار وفي التنزيل: [فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة] (آل عمران: من الآية 7) "  ا. هـ.   

 

أما الفتنة اصطلاحًا: فهي كثيرة التصرف في الاستعمال 25، وجميع تلك المعاني اللغوية موجودة في الفتن على اختلاف بينها في الشدّة والكثرة والزمان والمكان.  قال الحافظ المناوي:  "الفتنة: البليّة وهي معاملة تظهر الأمور الباطنة " 26. وهذا يلتئم تماما مع التعريف اللغوي الذي يرجع إلى الامتحان والاختبار، فإن الجودة والرداءة في الذهب والفضة لا تظهر وتنكشف إلا بالفتنة التي هي الامتحان والاختبار.   

 

وقال الأستاذ ماجد الكيلاني:  " الفتنة هي الامتحان أو الاختبار المذهب للعقل أو المال أو المضل عن الحق " 27.   

وهذا التعريف يلتئم كذلك مع التعريف اللغوي الذي يرجع إلى الامتحان والاختبار، ويبيّن آثار هذا الامتحان.  

ولذلك يمكن تعريف الفتنة إجرائيًّا بأنها :"ما يَعْرِضُ للعباد من اختبارات في أمور دينهم ومعاشهم، مما يُظهر السرائر والبواطن وتنكشف به الحقائق".     

 

مفهوم النوازل:

 

لغة: جمع نازلة: وهي المصيبة الشديدة من شدائد الدهر.  قال ابن فارس :"النون والزاء واللام كلمة صحيحة تدل على هبوط شيء ووقوعه.. والنازلة: الشديدة من شدائد الدهر تنزل" 28.   

 

وفي الاصطلاح: النوازل هي أمور تحدث في المجتمعات تحتاج إلى فقه في فهمها، وفقه في كيفية التعامل معها. ولذلك اشتهر هذا المصطلح عند الفقهاء، وهم يطلقون النازلة على المسألة الواقعة الجديدة التي تتطلَّب اجتهادًا، كما قال ابن عبد البر – رحمه الله -: "باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة" 29.  

 

وقال النووي – رحمه الله-: "وفيه اجتهادُ الأئمة في النوازل، وردّها إلى الأصول" 30.  وقال ابن القيم – رحمه الله-: "وقد كان أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم –  يجتهدون في النوازل"31.  

 

ويمكن أن يستنبط جملة من الأوصاف للنازلة، منها: أنها واقعةٌ، وجديدةٌ، وشديدة.   وقد استنبط بعض أهل العلم هذه الشروط من المعنى اللغوي للنازلة 32.  

 

والذي يظهر أن الوصف الأول والثاني وصفان طبيعيان لمعنى النازلة؛ لأن المسألة التي تحتاج إلى اجتهاد شرعي في الغالب لا بد أن تكون قد وقعت، وكانت من المسائل الجديدة، وهذا في جميع المسائل، ثم تختص النازلة بكونها شديدةً، بحيث تلتفت لها الأمة في مجموعها، وترتبط بها حاجاتها،  وقد يحصل حولها الاختلاف والتفرّق وما ينتج عنهما، ويترتب على ترك الاجتهاد فيها ضررٌ على المسلمين.  

 

وننبّه إلى أننا في هذه السلسلة لا نقصر النوازل على صورتها الفقهيّة المعهودة فحسب، على أهميّتِها؛ بل هي تتعدّى في معنى الوقوع والجِدّة والشدّة إلى النوازل العقديّة والاجتماعية والاقتصاديّة والسياسيّة والعسكرية وغيرها 33، ممّا يعرّضُ مجموع الأمّة إلى الحِراكِ الجماهيري والاختلاف وما ينتج عنهما من أثر على التماسك والانسجام ، فتحتاجُ آنئذٍ لاستراتيجيّة تصون البناء العامّ للأمّة من التفكك والزيغ، ويلتقي هاهنا هذا المفهوم بمفهوم الفتنة.   

 

ملاحظة: ورد تعبير "العامّة" تحرُّزًا من الفتن والنوازل الخاصّة بالأفراد، فإنَّ من الفتن والنوازل ما هو خاص، كفتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره والمصائب الخاصّة وما شابه هذا، وكالنوازل التي تنزل بالفرد في وظيفته أو ماله أو شيء خاص به، وتحتاج إلى فتوى خاصّة به، فهذه ليست موضوعنا؛ إنما المقصود الفتن والنوازل الاجتماعيّة العامّة التي تموجُ موج البحر، والتي تحتاج إلى فقه في الفهم وفقه في كيفية التعامل لتحقيق العصمة والنجاة العامّة ، كما في المتفق عليه عن حذيفة رضي الله عنه قال:  كنا عند عمر – رضي الله عنه – فقال : "أيكم يحفظ حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في الفتنة؟ " فقلت:  أنا أحفظ كما قال.  قال: "هات إنك لجريء وكيف قال ؟".  قلت:  سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول :"فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".   فقال عمر: "ليس هذا أريد إنما أريد التي تموج كموج البحر !".  قال: ما لك ولها يا أمير المؤمنين ؟، إن بينك وبينها بابا مغلقا !.  قال:"فيكسر الباب أو يفتح؟"، قال: قلت:  لا،  بل يكسر.  قال :"ذاك أحرى أن لا يغلق أبدا ! ".

 

والمقصود أنها الفتن العامة التي يموج فيها الناس ويختلفون، وربما تراق بسببها الدّماء وتزهق الأرواح وتنتهك فيها الأعراض وتسلب فيها الأموال ويكثر فيها الاختلاف والهرج والمرج والقيل والقال، نسأل الله السلامة والعافية.  وسوف نأت إلى تفصيلها وبيانها فيما بعد.    

 

هذا وسوف نعود لجميع هذه المعاني في ثنايا البحث بزيادة بيان وتفصيل، والله المستعان سبحانه.  وصل اللهم وسلم وبارك على نبيك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.  

 

_________

1- انظر: حفيظ الرحمن الأعظمي:  "خطبة الجمعة وسيلة إعلام مهمة "، مقال بمجلة المجتمع، ع1805، 07/06/2008.   

2 –  حيث يستمع المصلِّي في العام الواحد إلى اثنتين وخمسين خطبة تقريبًا !.     

3 – تهذيب اللغة: الأزهري – مادة " خطب "، ( 7/ 246 ).  

4 – حلية الفقهاء: لابن فارس، ص ( 87 ).  

5 – معجم مقاييس اللغة: ابن فارس –  مادة " خطب "، ( 2/160 ).  

6 – لسان العرب: ابن منظور –  مادة " جمع "، ( 8/58 ) ، ومختار الصحاح: الرازي – مادة " جمع "، (  47 )..  

7  – ينظر: المحلى :لا بن حزم، ( 5/45) ،والجامع لأحكام القرآن  للقرطبي، ( 18/97 )، وفتح الباري لابن حجر ،( 2/353 ).  

8 –  هو كعب بن لؤي بن غالب، من قريش، من عدنان، يكنى بأبي هُصيص، من سلسلة النسب النبوي، ومن أبرز خطباء الجاهلية، كان عظيم القدر عند العرب حتى أرّخوا بوفاته إلى عام الفيل، أول من سن الاجتماع يوم الجمعة الذي كان يسمى بـ " يوم العروبة "، توفي سنة 183 قبل الهجرة. (ينظر: الكامل لابن الأثير، ( 2/9 )، وتاريخ الطبري، ( 2/185 ).    

9 – وانظر للتوسع والفائدة وبيان سبب التسمية عند العرب: خطبة الجمعة وأحكامها الفقهية: د عبد العزيز الحجيلان ، ص ( 18 ).   

10 – خطبة الجمعة وأحكامها الفقهية: د عبد العزيز الحجيلان ، ص ( 18 ).   

11 –  معجم المصطلحات التربوية والنفسية: شحاتة والنجار وآخرون، ص ( 39 ).    

12 –  لسان العرب: ابن منظور –  مادة " مسك "، ص  ( 555 ).  

13 – انظر في تعريف التماسك الاجتماعي: العولمة وأثرها على التماسك المجتمعي في الوطن العربي: د مولود زايد الطبيب –  المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر –  ليبيا، بنغازي – ط1- 2005 م ، ص ( 28 ) وما بعدها.     

14 – انظر: التطرف الديني وأثره على التماسك الأسري: كميلية خواج – مذكرة ماجستير في علم الاجتماع الديني غير مطبوعة – كلية العلوم الاجتماعية والإسلامية جامعة الحاج لخضر-  باتنة، الجزائر – سنة 2011م، ص ( 112 ).      

15 – قاموس علم الاجتماع: د عبد الهادي الجوهري، ص ( 69 ).   

16 – قد يكون المجتمع الواحد متنوّعًا من حيث الأعراق والأنساب والأصول بل والديانات، ومع ذلك يبقى محافظًا على تماسكه وانسجامه وتجانسه وتلاحمه الوطني وعدم وجود ما يشتت وحدته أو يحمله على الانقسام والتصادم، والسبب بعد توفيق الله هو اعتماد المؤسسات- والمسجد منها-  الاستراتيجية الملائمة العابِرَة للتنوع، وتفعيل  السياسات والمناهج الرشيدة المناسبة فهمًا وتطبيقًا، والتي تحوّل ذلك التنوع والاختلاف إلى انسجام وتكامل وائتلاف.   وسوف نفصّل هذا المعنى بإذن الله في مقال: خطبة الجمعةِ واستراتيجيّة تثبيت الوَحدة الجماهيريّة زمنَ الفتن والنوازل العامّة.    

17 – والحاصل أنه كلما توفر في المجتمع وحدة سياسية واجتماعية وثقافية، واستقر الأمان فيه، كان في حال الجماعة، أما إذا افتقد الأمن الاجتماعي والوحدة السياسية فإن المجتمع آنئذٍ يكون في حالة فتنة، والله المستعان.    

18-  صحيح الجامع الصغير ،ح  ( 2546 ).  

19 – معجم مقاييس اللغة: ابن فارس – مادة " فتن ".  

20 – الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية: الجوهري – مادة " فتن ".   

21 – جزء من حديث عند البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد.  

22 – لسان العرب: ابن منظور –  مادة " فتن ".  

23  –  المعجم الوسيط: ابراهيم مصطفى، أحمد الزيات، حامد عبد القادر، محمد النجار –  مادة " فتن ".   

24 – التدليه: ذهاب العقل من الهوى.  انظر لسان العرب –  مادة " دله ".  

25 – أعلام الحديث شرح صحيح البخاري : أبو سليمان الخطابي، تحقيق ودراسة:  محمد بن سعد آل سعود ، ( 1/480 ).  وانظر في معانيها واستعمالاتها في القرآن: رؤية شرعية للفتن والنوازل في الساحة العراقية :  حسن العراقي – مكتبة دار النصيحة – المدينة المنورة، السعودية – ط 1 – 2008م، ( ص 52 ) وما بعدها.     

26 – التوقيف على مهمات التعاريف: المناوي، ص ( 257 ).  

27 – فلسفة التربية الإسلامية: ماجد الكيلاني، ص ( 184 ).   

28 – انظر : معجم مقاييس االلغة لابن فارس، ( 5/417 ).   لسان العرب لابن منظور، ( 14/238 ) –  المصباح المنير للفيومي ،(2/825) – أساس البلاغة للزمخشري ، ص ( 452 ) –  مجمل اللغة لابن زكريا ،( 3/864 ) – مختار الصحاح للرازي، ص ( 335 ) – المطلع على أبواب المقنع لأبي الفتح البعلي الحنبلي، ص ( 95 )-   المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ،( 2/951 ) – معجم متن اللغة لأحمد رضا، (  5/ 442 ).  

29 –  جامع بيان العلم وفضله: ابن عبد البر، ( 2/55 ).   

30 –  شرح صحيح مسلم: النووي، ( 1/213 ).  

31 – إعلام الموقعين: ابن القيم، ( 1/203 ).  

32- فقه النوازل: د محمد الجيزاني، ( 1/124 ).   

33 – ووفق هذا المفهوم يكون من أشهر النوازل القديمة حادثة الردّة زمن أبي بكر، ومحنة القول بخلق القرآن زمن الإمام أحمد.  ومن أشهر النوازل الواقعة في هذا العصر:  سُقُوط الخلافة الإسلاميَّة، وعلى أثر ذلك وقع الاحتلال الأجنبي الكافر على مُعظم الديار الإسلامية، وقد نتج عنه تقسيم بلاد المسلمين إلى دُوَيلات، وإحلال القوانين الوضعية والأنظمة البشريَّة المستوردة من الغرب الكافر دستُورًا للمسلمين، وإقصاء الشريعة الإسلامية في التحاكُم إليها إلا في قضايا محدودة كالأحوال الشخصية ونحوها.  فهذا مما فتح باب الاختلاف والفتن والتحزّب والتنازع، وهو يحتاج من الأمّة إلى اجتهاد حقيقيّ على بصيرة يجمع طاقاتها ويوحّد كلمتها.     

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات