طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > استراتيجية الخطيب > مقالات > خطبة الجمعة واستراتيجيّة بناء التميّز الحضاري تنظيرًا وتطبيقًا ( 2/2 )

ملتقى الخطباء

(5٬746)
37

خطبة الجمعة واستراتيجيّة بناء التميّز الحضاري تنظيرًا وتطبيقًا ( 2/2 )

تاريخ النشر : 1435/03/07
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

ونحنُ معشَرَ الخطباء أولَى الناسِ بهذه الرسالة والمسؤوليّة، وخاصّةً على مستوى خطبة الجمعة، إنّنا إذا أحسنّا فهمَ ما مضَت الإشارة إليه، وأتقنّا في مشوارنا الخطابي بناءَ كلّ تلكَ المجالات في الإنسان والأمّة، عبر تفعيل استراتيجيّة متكاملةِ المفرَداتِ والإجراءات والخطواتِ والمقاييس؛ فقد حقّقنا بكلّ فخرٍ واعتزاز رسالةَ الخطيبِ المنشودةِ في فريضةٍ رساليّةٍ هي من أهمّ الفرائض على الإطلاق !.   

 

 

 

 

ثانيا: الدراسة التطبيقية:

 

مقدّمة منهجية لا بُدّ منها:  

 

      خلقَ اللهُ الإنسانَ في أحسنِ وأمثَلِ تقويم نفسيٍّ وعقليٍّ وجسدي، بما وهبه إيّاهُ من وجودٍ وحياةٍ وقُدرة وإرادة، وسمع وبصر وكلام، وشعور وإحساس، وسائر الحواسّ الظاهرةِ والباطنة،، وقدرةٍ على التعلّم والتدبير، والاستنتاج والاكتشافِ والتفكير، قال الله تعالى: ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ* وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ* لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم ) [ التين: 1-4 ].  ثم جمع اللهُ له مع جمالِ الصورةِ وإتقانِها جمالَ وجلالَ الإخراجِ والهدايةِ  في كلّ مقوّماتِ الحضورِ والشهودِ الأمثلِ في عالمِ الوجود، فأرسلَ إليهِ سبحانهُ وتعالى " رسالاتٍ ربّانيّةً عظيمةً جليلة تهدي هذا المخلوقَ للتي هي أقومُ، لتناسِبَ الرّسالةُ ذاتُ الصّراطِ الأقومِ حالَ هذا المخلوقِ الذي اختِيرَ لهُ أحسنُ تقويمٍ في خلقِه " 1.  

 

      حينَ يتمكّنُ الإنسانُ المسلمُ والأمّةُ المسلمةُ من تحقيقِ ذلك الإخراجِ وتلكُم الهداية القيِّمَةِ في واقع الحياة؛ نقولُ حينئذٍ أنّنا أمام أمّةٍ تمكّنت بفضل الله – تعالى – من تحقيق " فريضة التميُّز الحضاري "، وأخذِ مكانِها الطبيعيّ  في واقع الحياة، بما يجعلها مهيّأةً لقيادة الإنسانيّة نحو سعادةِ الدّارين !.   

 

       التميُّز الحضاري إذًا معناه:

 

      تحقيقُ الحضورِ والشهودِ في الواقع الإنساني بالصورةِ القيّمَةِ والمقوّماتِ الرّاقيةِ الجميلةِ التي أخرجَ بها الوحيُ الإنسانَ من الظلماتِ إلى النور.   فإذا أحسنَ الإنسانُ والأمّةُ فهمَ تلكَ المقوّماتِ والأسس الشاملة، واستيعابَها وتصوُّرَها غيرَ مشوّهةٍ ولا مجتزَئة، واستطاعَ بعد ذلك العيشَ بها والحضورَ بها في واقعِ الحياةِ والممارسات؛  فقد حقّق بالفعل ِ" فريضةَ التميُّز الحضاري المنشود " !.    

 

       باستقراءِ الوحيِ قرآنًا وسُنّةً، وتتبُّعِ ما نزلَ فيه من تشريعاتٍ وتوجيهات حكيمة؛ تظهرُ تلكَ المقوّماتُ الشاملةُ المتكاملة التي " تصنعُ أنموذَجَ الإنسانِ المسلم الراشِد " و" أنموذَجَ الأمّةِ المسلمة الراشِدَة "، وتحقّقُ بمجموعها  " الحضورَ الإنسانيّ الرّاشِدَ المنشود " كما يحبُّهُ اللهُ ويرضَاه 2، وهذه المقوّماتُ والصّفات في حقيقتها  " منسجِمَةٌ مترابطة "، لا يمكنُ الفصلُ بينها إلاّ على مستوى الإرشادِ والتعليم  للتقريب فحسب:

 

          مقوّماتٌ تبنِي في الإنسانِ الاعتقادَ والإيمانَ الصحيح، وهي أجلُّ المقوّمات والأسس على الإطلاق.  

 

          ومقوّماتٌ تبنِي في الإنسانِ التعبُّدَ الصحيحَ بما تشمَلُهُ العبادةُ وتتّسِعُ لهُ من معنى: من  فرائضَ  وأركان، ونوافل ومستحبّات، ونشاطاتٍ إنسانيّةٍ مختلفة يُبتغى بها وجهُ الله.  

 

          ومقوّماتٌ تبنِي في الإنسانِ القيَمَ والفهمَ والتصوّر السليم للكون والحياة وسُنن الأنفس والآفاق، وهي مُنبَثِقةٌ عن المقوّماتِ الأولى متمّمة لها.  

 

          ومقوّماتٌ تبنِي النفسَ الإنسانيّةَ الراقيَة والإحساسَ والشعورَ النبيل.

  

          ومقوّماتٌ تبنِي في الإنسانِ الأداءَ الاجتماعيَّ الصّحيح، في مختلف جوانِبِ المعاملةِ والحياة الاجتماعيّة.   

          ومقوّماتٌ أخرَى تصنعُ الواجبَ الرّساليَّ للفردِ المسلم والأمّةِ المسلمة على السّواء.

 

      اجتماعُ هذه الأسس والمقوّماتِ – بجهودِ البنّائين الحقيقيّين 3 – كفيلٌ بإخراجِ تلك الصورةِ الرائعةِ المُشرِقة التي يمكن أن نطلقَ عليها " تميُّزًا حضاريًّا حقيقيًّا للإنسان ".  

 

      ونحنُ معشَرَ الخطباء أولَى الناسِ بهذه الرسالة والمسؤوليّة، وخاصّةً على مستوى خطبة الجمعة، إنّنا إذا أحسنّا فهمَ ما مضَت الإشارة إليه، وأتقنّا في مشوارنا الخطابي بناءَ كلّ تلكَ المجالات في الإنسان والأمّة،  عبر تفعيل استراتيجيّة متكاملةِ المفرَداتِ والإجراءات والخطواتِ والمقاييس؛ فقد حقّقنا بكلّ فخرٍ واعتزاز رسالةَ الخطيبِ المنشودةِ في فريضةٍ رساليّةٍ  هي من أهمّ  الفرائض على الإطلاق !.    

 

      بعد هذا التمهيد الذي لا بُدّ منه؛ نأتي إلى الدراسة التطبيقيّة التنفيذيّة التي نرسُمُ بها صورةً عمليّةً نموذجيّة، لكيفيّة تحقيق هذا المشروع عبرَ خطبة الجمعة 4، وفقَ منهج التخطيط الاستراتيجي، وهي محاولةٌ ارتكازيّة يعتريها ما يعتري كلّ محاولة شاقّة مثلها، واجتهادٌ في مشروعٍ عظيمٍ واسعٍ معقّدٍ لا شكّ أنّهُ  قابلٌ للتعقيبِ والتصويب، والإثراءِ والتطوير، وهذه طبيعةُ كلّ المشاريعِ الكبيرة المعقّدة.  

 

تطبيق على: خطبة الجمعة واستراتيجيّة تحقيق التميز الحضاري

 

      تذكّر أخي الخطيب أنّنا قلنا في تعريف التخطيط الاستراتيجي 5  أنّهُ:

 

   عبارة عن سياسة وأسلوب في التفكير والإدارة، يتم من خلاله تحديد الأهداف بعيدة المدى، مع تصميم الوسائل والأساليب الموصلة إليها 6.  

 

     بمعنى أنك سوف تطبّق هذا التعريف على منهج " تحقيق مشوارك الخطابي لفريضة التميّز الحضاري ".  

 

     ركائز التخطيط الاستراتيجي الفعّال وتطبيقها على فريضة التميّز الحضاري:

 

المنهجيّة تقتضي أن نبني على نفس الركائز التي درسناها سابقًا في الوعاء الاستراتيجي المقترح:

 

 1:  تحديد جهة الإنجاز:

 

     إنّها أوّلُ ركيزةٍ يقوم عليها هذا المشروع الاستراتيجي الفعّال =  أنتَ أخي الخطيب ذو الهمّة العالية، والفهم والتصوّر السليم لموضوع " فريضة التميّز الحضاري "، والإيمان بهذا المشروع الاستراتيجي، وبقدرتكَ على تحقيقه وتنفيذه بإذن الله – تعالى – في الميدان، ولو بعد عدّة سنوات 7  !.  

 

  2: امتلاك الرسالة الواضحة في الموضوع:

 

      الرسالة في التخطيط الاستراتيجي لفريضة التميّز الحضاري تحتوي على:  

 

         أ / من أنا ؟:  وهو سؤال يحدّدُ الهويّة، والجوابُ عنهُ هنا تطبيقًا على الموضوع " أنا بإذن الله الخطيبُ المتميّزُ الذي يؤمنُ بالتميُّز، ويؤمنُ  بالتخطيط الاستراتيجي للمشاريع، ويسعى لتحقيق هذا التميّز في أمّته عبر مشواره الخطابي.  

 

       ب /  ماذا أفعل ؟ ولمن أفعل ؟:    وفي الجواب على هذا السؤال يجب تعيينُ  مجال الاستهداف 8 والقطاع المستهدف بخطبة الجمعة في موضوعنا تحديدًا:

 

  [ فمجال الاستهداف المقصود به هنا:  " مشروع التميّز الحضاري للفرد والمجتمع والأمّة "   في العناوين العامّة التالية:  

 

           المقوّماتُ التي تبنِي في الإنسانِ الاعتقادَ والإيمانَ الصحيح، وهي أجلُّ المقوّمات والأسس على الإطلاق.  

 

          والمقوّماتُ التي تبنِي في الإنسانِ التعبُّدَ الصحيحَ بما تشمَلُهُ العبادةُ وتتّسِعُ لهُ من معنى: من  فرائضَ  وأركان ،ونوافل ومستحبّات، ونشاطاتٍ إنسانيّةٍ مختلفة يُبتغى بها وجهُ الله.  

 

          والمقوّماتُ التي تبنِي في الإنسانِ القيَمَ والفهمَ والتصوّر السليم للكون والحياة وسُنن الأنفس والآفاق، وهي مُنبَثِقةٌ عن المقوّماتِ الأولى متمّمة لها.

  

          والمقوّماتُ التي تبنِي النفسَ الإنسانيّةَ الراقيَة والإحساسَ والشعورَ النبيل.  

 

          والمقوّماتُ التي تبنِي في الإنسانِ الأداءَ الاجتماعيَّ الإيجابيَّ الصّحيح، في مختلف جوانِبِ المعاملةِ والحياة الاجتماعيّة.   

 

          والمقوّماتُ التي تصنعُ الواجبَ الرّساليَّ للفردِ المسلم والأمّةِ المسلمة على السّواء  ].   

 

و [ القطاع المستهدف بالتخطيط هنا هو:  رُوّادُ خطبة الجمعة على مستوى المسجد سماعًا مباشرًا، وعلى مستوى مواقع التواصل الاجتماعي متابعةً وسماعًا، وعلى مستوى قرّاء الخطب المنبريّة وسامعيها مسجّلةً بشكل عام  ].

 

      ج /  لماذا أفعل  ؟:  الجواب:  من أجل صناعةِ وإخراجِ "  أنموذَجِ الإنسانِ المسلم الراشِد " و" أنموذَجِ الأمّةِ المسلمة الراشِدَة "، التي تحقّقُ في الوجودِ " الحضورَ الإنسانيّ الرّاشِدَ المنشود " كما يحبُّهُ اللهُ ويرضَاه.    

 

  3: تقويم تشخيصي للأوضاع الراهنة:   

 

     على مستوى القطاع المستهدف لديكَ أنتَ تحديدًا، وعلى مستوى مجال الاستهداف الذي أشرنا إليه، كيف هو الآن في واقع الحال الذي تعملُ فيه في جميع النقاط التي أشرنا إليها في مجال الاستهداف قبل قليل ؟، وعلى مستوى المخاطر والعقبات المحيطة بعملك ومكانك وإمكانيّاتك والجو الذي تعمل فيه، وعلى مستوى الدّعوات والأفكار المنافسة والموازية التي تسعى إلى هدم وتخريب قطاع الاستهداف، وربما الجهود التي تقوم بها أنت مع قطاعِكَ المُستَهدَف.

 

 كل هذا يتم دراسته ومناقشته بشكل واقعي وموضوعي وواضح ودقيق، ويُسجّل الخطيبُ كلّ شيء لأخذه بعين الاعتبار في التخطيط، لتكون الخطوات دقيقةً ومدروسة.

 

 4: امتلاك الرؤية الواضحة في الموضوع:

 

    الرؤية كما رأينا في التخطيط الاستراتيجي تعني " الواقع بعيد المدى الذي يلمسُهُ الخطيبُ بفكرِهِ وأمانيهِ وطموحاته تخطيطًا، والذي يهدفُ إلى الوصول إليه تنفيذًا بإذن الله  "، والرؤيةُ يمكن أن تكونَ مكتوبةً على شكل شبكة أهداف وهذا أجوَد وأفضل.  

 

     وإذا طبّقنا هذه الركيزة على موضوعنا " فريضة التميّز الحضاري " يمكن أن نرسُمَ الصّورةَ الواضحةَ التالية لقطاعنا المستهدَف:

  

الصورةُ التي أرَى عليها قطاعي المستهدَف بعد سنوات من مشواري الخطابي تبيّنُها المعالم التالية:

 

/  النجاحُ في صناعة مسلمٍ وميلاد مجتمع صحيح العقيدة قوي الإيمان.  

 

/  النجاحُ في صناعة مسلمٍ وميلادِ مجتمع عابدٍ لله تعالى، بكل ما تعنيه العبادةُ الصحيحةُ وتدل عليه.  

 

/ النجاحُ في صناعةِ مسلمٍ وميلادِ مجتمعٍ سامِيَ القِيَم، سليمَ الفهمِ والتصوّر للكون والحياة، وسُنن الأنفس والآفاق.

 

/  النجاحُ في صناعةِ مسلمٍ وميلادِ مجتمعٍ سليمٍ في البِنيةِ النفسيّة والمشاعرِ والأحاسيس.

  

/  النجاحُ في صناعةِ مسلمٍ وميلادِ مجتمعٍ ذِي أداءٍ اجتماعيٍّ إيجابي وصحيح، في مختلف جوانب المعاملة الاجتماعية.  

 

/  النجاحُ في صناعةِ مسلمٍ وميلادِ مجتمعٍ ذِي هدفٍ رسالِيٍّ في الوجود.   

 

                 مجموع هذه النقاط يصنع " فريضة التميُّز الحضاري ".  

 

5: ماذا أمتلك لتحقيق هذه الرؤية الاستراتيجية السابقة ؟:

 

     بحيثُ يكونُ لديكَ أخي الخطيب فكرةٌ واضحةٌ عن الإمكانيات والموارد والفُرص الواقعيّة المتاحة أمامك، والموجودة بين يديكَ فعلاً، ليتمّ تدارُك الناقص.  وهاهنا في مشروع " فريضة التميُّز الحضاري " تحتاجُ على الأقل إلى:  تحضير وتكوين نفس مسبَق في الموضوع قائم على بناء معرفِي مُحكَم ومتكامل 9، كما تحتاج إلى تجهيز المقر ( المسجد هاهنا ) بكل التحضيرات والتجهيزات والتسهيلات المناسبة والمساعِدَة على الفهم والاستيعاب والتواصل الإيجابي الفعّال مع الجمهور طيلة مشوارك الخطابي، بالإضافة إلى بذل الجهد لفتح المجال لتوزيع النشاط والمجهود الخطابي على أوسع نطاق عبر الكتب والمجلاّت والجرائد والإذاعات ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.   

 

6: رسم الخطة الاستراتيجية للمشروع الخطابي:   

 

     عند تحديدكَ أخي الخطيب لكل الركائز السابقة يمكنك حينئذٍ رسم خطّة مشروعِكَ الخطابي بشكل واضح، وتحديد الوسائل والآليّات لتنفيذ الأهداف المسطّرة فيه.

 

    ولا بأسَ من التذكيرِ بأنَّ  " الخطةَ الاستراتيجية طويلةُ الأجل،  وتستهدف المستقبل..  وتوضع فيها الخطط من الأعلى إلى الأسفل " 10،  أي سَطّر الهدف الأكبر الأبعد قبل الهدف الأصغر الأقرب.   

 

        مشروع " فريضة التميّز الحضاري ":  مشروعٌ طويلُ الأجل، وهو في حقيقته بناءٌ لأنموذَجِ الإنسانِ المسلمِ الراشدِ وأنموذَجِ المجتمعِ المسلمِ الراشد في عدّة مقوّمات، وهذا يحتاج إلى سنوات، والخطيبُ الذي حدّدَ رؤيتَهُ المستقبليّة الواضحة في هذا الموضوع، والتي سوف تتحقق بإذن الله في عدّة سنوات؛ مطالبٌ باستيعاب المراحل الضمنيّة لجميع تلك السنوات بكلّ دقّة، فهو سوف يوزّع خطَبَهُ بما يخدمُ جميعَ تلك المقوّمات، مع تحديد المقاييس المطلوبة على مستوى كل مقوّم استراتيجي 11،  هذا هو المخطّط الاستراتيجي الواضح، ويجب أن تَصبَّ جميعُ الخُطَب 12 في النهاية بمجموعها ومقاييسها في طريق تحقيق الرؤية المنشودة التي أشرنا إليها في الركيزة الرابعة.  

 

   [ سوف تحددّ أخي الخطيب  " الخطة الخطابيّة السنوية " لكلّ عام ( تقريبًا 52 خطبة في العام الواحد ) ، ثم  " الخُطّة الخطابيّة الفصلية –  تقريبًا 13 أو 14 خطبة في الفصل الواحد  " ،  ثم   " الخطّة الخطابيّة الشهريّة  أربع أو خمس خطب " ، وهكذا، على أن تَصبَّ أخي الحبيب جميعُ خُطَبِكَ بمجموع مفردَاتها ومراحلها ومقاييسها في طريق تحقيق الرؤية المنشودة التي أشرنا إليها في الركيزة الرابعة  ].    

 

  7: تحديد الوعاء الزّمني لتحقيق مفردات المشروع:

 

    لضمان الفاعليّة في التنفيذ، وضمان القدرة على القياس والتقويم المستمِر والمراجعة.  

 

نموذج من الخطة الاستراتيجية الخطابيّة  لمشروع " فريضة التميّز الحضاري " :

 

     لو تكلّمنا على سبيل المثال في هدفٍ واحدٍ من أهدافنا البعيدة التي سطّرناها بطموحنا نحن الخطباء ضمن مشروع التميّز الحضاري "  النجاح في صناعة مسلمٍ وميلاد مجتمع صحيح العقيدة قوي الإيمان " ، هذا الهدف الاستراتيجي يتحقق بدون شك في عدّة سنوات، فهو –  على مستوى المشوار الخطابي – هدفٌ بعيدُ المدَى يحتاجُ إلى تخطيط وتسطير أهدافه الضمنيّة بمفرداتها ومقاييسها المطلوبة، وتوزيعها على السنوات والفصول،  وربّما كل هدفٍ ضمنِيٍّ يُطرحُ تعليمًا وتربيةً في أكثر من عشر خُطب بجُرعات وأساليب متنوّعة.  خُذ على سبيل المثال " رُكن الإيمان بالله  "، ما أجلّهُ وما أعظمَهُ من هدف !، و" النجاح في صناعة مسلمٍ وميلاد مجتمع صحيحِ قويِّ الإيمانِ بالله " يحتاجُ من الخطيب إلى تعليمٍ وتربيةٍ موزّعةٍ على الخطب بأساليبَ ومقاييس متنوّعة فيها التعليمُ وفيها السردُ وفيها القصص وفيها الردُّ وفيها التكرار، وفيها مختلفُ الأساليبِ والطرُقِ التي تنتهي بمجموعها إلى تثبيتِ ذلك الهدف علمًا وعملاَ.  

 

   وهكذا في تصميم المفردات  والمقاييس الضمنيّة لبقيّة الأهداف الاستراتيجيّة الأخرى:

 

النجاحُ في صناعة مسلمٍ وميلادِ مجتمع عابدٍ لله تعالى، بكل ما تعنيه العبادةُ الصحيحةُ وتدل عليه.

  

النجاحُ في صناعةِ مسلمٍ وميلادِ مجتمعٍ سامِيَ القِيَم، سليمَ الفهمِ والتصوّر للكون والحياة، وسُنن الأنفس والآفاق.

 

النجاحُ في صناعةِ مسلمٍ وميلادِ مجتمعٍ سليمٍ في البِنيةِ النفسيّة والمشاعرِ والأحاسيس.  

 

النجاحُ في صناعةِ مسلمٍ وميلادِ مجتمعٍ ذِي أداءٍ اجتماعيٍّ إيجابي وصحيح، في مختلف جوانب المعاملة الاجتماعية.

 

النجاحُ في صناعةِ مسلمٍ وميلادِ مجتمعٍ ذِي هدفٍ رسالِيٍّ في الوجود.

  

   أكتفي في هذا المقال بهذا القَدر، ويمكن الاستفادة من الملف العلمي النموذجي الذي طرحه الزُّمَلاءُ الأساتذة في الفريق العلمي لملتقى الخطباء في مجال " البناء الحضاري والقيمي للإنسان من منظور إسلامي.

 "   https://khutabaa.com/scientific_files/192252

 

                  هذا وصلّ اللهم وسلّم وبارك على نبيّك محمّد وعلى آله وصحبِهِ والتابعين.  

 

 

الهوامش:

 

 [1] –  معارج التفكّر ودقائق التدبّر: عبد الرحمن حسن حبنّكة الميداني –  دار القلم –  دمشق، سوريا –  ط 1 – 1420هـ ،2000م – ج ( 2 ) ص ( 403 ).   

2- لاحِظ أخي الحبيب كيف أنَّ أهل الكتاب أخفقوا في تحقيق التميّز الحضاري المنشود، بسبب أنهم حُمّلوا التوراة والإنجيل؛ فحرّفوا الكتب والرسالات، وفرّطوا في  الفرائض والواجبات،  ثم لم يحملوا ما وردَ فيهما من مقوّماتِ بناءِ الإنسانِ الراشِد كما يحبه الله ويرضاه، والأمّة الراشدة كما يحبُّها الله ويرضَاها !.   المسلمون يجب أن يكونوا على خلاف هذا واقعًا ومنهاجَا، فنسأل الله التوفيق إلى ما يحب ويرضَى.  

3 –  للأسف الشديدِ يُطلقُ الماسونِيُّون على أنفسهم لقب " البنّائين !  "، وهم يعملون في الحقيقةِ على خطّ الهدم والتخريب لمقوّمات الوجودِ الإنساني الراشِد، ولا يعملونَ أبدًا على خطّ البناء والإنجاز !، وأحقُّ الناسِ بوصف البناء  خلفاءُ الأنبياءِ والرسل عليهم السلام، الذين يبنون الإنسان ويعمرون الحياة الإنسانيّة بمقتضى المنهج الرباني الخالد.      

4- عبرَ خطبة الجمعة أساسًا، ولا شكّ أنّ للدروس والمحاضرات والندوات والجهودِ الأخرى للخطيبِ دورٌ مصاحبٌ وتكميليٌّ في هذا البناء

5- مقال للكاتب: تنسيقية الخطباء ومنهج التخطيط الاستراتيجي للمشاريع –  ركن الاستراتيجية – زاوية مقالات –  ملتقى الخطباء.  

6 – انظر : دليل التدريب القيادي  –  د هشام يحي الطالب –  المعهد العالمي للفكر الإسلامي- فرجينيا –  ط 2 – 1416هـ ،1995 م، ص ( 106 ).  

7 – ولا بأس هنا من استعانة الخطيب بكل ما يراه مناسبًا لتحقيق أهدافه، من أفراد أو مؤسسات.   

8-  مجال الاستهداف المقصود به المفرَدَة التي سيتمُّ فيها تدخّل الخطيب تغييرًا أو بناءً أو إصلاحًا.  

9-  تحت كل  هدف استراتيجي من  الأهداف الموضّحة في الرؤية:  عناوين لمصادر وسلاسل علمية وفكرية وكتب ودراسات ومقالات وبحوث يستعين بها الخطيبُ في بناء نفسِه وتكوين الملكة العلمية والفكرية التي تعتبرُ زادَهُ في خوض مشوار هذا المشروع العظيم.  ولما كانت متنوّعة متجدّدة وأغلبها معروف لدى الخطباء يسهل عليهم الوصول إليه؛ اكتفيت بالإشارة إلى المطلوب، دون تفصيل هذه العناوين ولا اقتراحها.   

10 – مهارات التفكير والتخطيط الاستراتيجي كيف تربط بين الحاضر والمستقبل :  د محمد عبد الغني حسن هلال –  مركز تطوير الأداء والتنمية –  مصر الجديدة –  ( د ط ) – 2008 م،  ص ( 53 ، 57 ).   

11 – المقاييس المقصودُ بها المقادير والجُرعات الخطابيّة المطلوبة، وهي تتحدّد حسب نوع الهدف وقيمته في التشكيل العام للبناء.   

12 – ويمكن أن يستعين الخطيب ببرامج أخرى مصاحبة تدعّم خطبة الجمعة في تحقيق فريضة التميّز الحضاري منها: برامج التعليم والتربية والتوعية بمختلف أصنافها المكتوبة والمسموعة والمرئيّة والإلكترونية،  إقامة دوَرَات وورشات استماع ونقاش، محاضرات وأيام دراسية، مخيّمات، زيارات ميدانيّة، توزيع كتب ونشرات ومطويّات. .   

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات