طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > استراتيجية الخطيب > تدريب > كيف تكون خطيبًا مقنعًا؟ (6) اخلق لديه الرغبة في الاقتناع والتغيير (الجزء الأول)

ملتقى الخطباء

(722)
1404

كيف تكون خطيبًا مقنعًا؟ (6) اخلق لديه الرغبة في الاقتناع والتغيير (الجزء الأول)

تاريخ النشر : 1439/08/06
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

انفقنا -أخي الخطيب- أن السامع لن يقتنع بكلامك حتى “يريد الاقتناع”، لكنه ما دام يحرد ويعاند ويكابر فلن تتخلق لديه تلك الإرادة أبدًا مهما حاولت؟! ألا ترى أقوامًا في مكة تنزَّل عليهم القرآن “كلام الله” فما اقتنعوا! خاطبهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نفسه فما اقتنعوا! رأوا القمر بأعينهم ينشق فلقتين فما اقتنعوا!…

لقد حيرنا أمر ذلك الشاب المتمرد؛ فقد تعاون خطيب الحي وواعظ البلدة وبعض الدعاة مع أبيه وأمه وأصدقائه وجيرانه، وحاصروه محاصرة لكي يقنعوه أن يغيِّر عدة أخطاء في سلوكه ويقلع عنه، لكنهم جميعًا فشلوا، مع أنهم ما قصروا في نصح وإخلاص ورفق ولين… فتُرى ما السبب في فشلهم جميعًا في تغيير سلوك ذلك الشاب؟

 

أجيب: ربما تكون هناك أسبابًا كثيرة منعته من التغير، لكن السبب الرئيس -في نظري- في فشلهم جميعًا في إقناعه هو: “أن الشاب لم يرد أن يتغير”، نعم؛ لكي يقتنع الإنسان لا بد أولًا أن يريد هو أن يقتنع، ولكي يتغير إنسان لا بد أولًا أن يعقد هو العزم على أن يتغير، أو على الأقل ألا يأبى ذلك أو يمانعه، أما بدون هذا فلن يستجيب لناصح ولن يقتنع ولو اجتمع عليه عقلاء الدنيا!

 

لقد عاش نبينا -صلى الله عليه وسلم- في مكة عمرًا، وظل ناصحًا وداعيًا ومحذرًا مستخدمًا كافة وسائل الإقناع وأساليبه، حتى كاد يقتل نفسه من شدة حرصه على هدايتهم، فعاتبه ربه قائلًا: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) [الكهف: 6]، ومع ذلك فلم يهتدوا جميعًا، بل ظل كثيرون منهم على الضلالة وماتوا عليها!

 

فهذا أبو طالب عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحاول -صلى الله عليه وسلم- معه بشتى الوسائل ليقنعه بالإسلام، لكنه يموت كافرًا، فعن سعيد بن المسيب عن أبيه أنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي طالب: “يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله” فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟!

 

فلم يزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله!([1])، واستمع حديث أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لعمه: “قل: لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة”، فأجابه أبو طالب: لولا أن تعيرني قريش؛ يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك!([2]).

 

وأيًا ما كان السبب الظاهري السطحي الذي صد أبا طالب عن الهداية، فيبقى السبب الحقيقي والجوهري أنه لم تكن في قلبه إرادة التغيير! وأيًا ما كان السبب المعلن لرفضه الاقتناع بالإسلام فيبقى السبب الأساسي لعدم اقتناعه هو أنه لم يرد أن يقتنع!

 

يشير إلى ما ندعيه قولُ الله -تعالى-: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) [الأنعام: 125]؛ فإن الله -عز وجل- قد أرجع الأمر إلى “قلب المخاطب، وإلى صدره”؛ فإذا أراد الله هداية أحد “شرح صدره” أي: “خلق لدية إرادة الاقتناع”، وإذا أراد -سبحانه- إضلال غيره “أغلق صدره” فنزع من قلبه “إرادة الاقتناع”، فلو أنفقت أموال الدنيا وجمعت له البلغاء والفصحاء وتلوت على مسامعه القرآن كله لما أسلم ولا آمن ولا اقتنع!

 

ولِما؟ نعود فنقول: لأن الإنسان لا يقتنع إلا إذا أراد هو أن يقتنع، وما دامت لم تحقق داخله “إرادة الاقتناع” فلن يقتنع مهما أكثرت عليه من الحجج والبراهين، نعم قد يدرك عقله ما تقول ويفهمه، لكن لن يقبله قلبه إلا إذا أراد هو أن يقتنع.

 

ولم يكن هذا حال أبي طالب وحده، بل هو حال أبي لهب وأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف، وجمع كبير أمثالهم لعلكم -زملائي الخطباء- تحفظون أسماءهم أكثر مني، فهل قصَّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في دعوتهم ونصحهم؟! حاشا لله! فلا -والله- ما قصَّر أبدًا، لكن الله -تعالى- لم يشأ أن يخلق في قلوبهم إرادة التغيير.

 

ولا أنسى أنني ظللت في أحد المساجد قرابة العشر سنين أخالط فئامًا من الناس ساعات طوال كل يوم أحاول أن أصلح عيبًا أو أدل على فضيلة… ثم خرجت من ذلك المسجد وأناسًا -حرصت على نصحهم- لم يتغيروا ولم ينتصحوا ولم يقتنعوا! والسبب -إن لم يكن تقصيري- أنهم لم يريدوا أن يتغيروا ولا أن يقتنعوا!

 

يذكِّرني حال هؤلاء جميعًا بحال من قال الله -تعالى- فيهم: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الأنعام: 111]، وإذا شاء الله -تعالى- هداية أحد قلَّب قلبه وخلق عنده إرادة التغيير، وفي خلقه -عز وجل- لهذه الإرادة في قلب العبد يستخدم -تعالى- أسبابًا قد تكون أنت -أيها الخطيب- من ضمنها، فطوبى لك إن جعلك الله -سبحانه- سببًا في هداية عبد من عباده.

 

والدليل على استخدام الله -تعالى- الدعاة أسبابًا لذلك قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعلي: “فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم”([3])، وتأمل قوله -صلى الله عليه وسلم-: “يهدي الله بك”؛ أي يجعلك سببًا في خلق إرادة التغيير داخل قلبه إن أذن -عز وجل- بذلك.

 

وهذا هو سؤالنا الذي عقدنا هذا المقال من أجل الإجابة عليه: كيف يجعلني الله سببًا في خلق إرادة التغيير في قلوب الناس؟ كيف نخلق عند السامع “إرادة الاقتناع”؟ ونقول: نرى ذلك من خلال الاستراتيجية التالية التي حري بمن طبَّقها أن يستعمله الله -تعالى- في خلق تلك الإرادة في قلب وعقل المستهدفين والمخاطبين، ويسوق إليه من أراد هدايته، ونلخص تلك الاستراتيجية في الأساليب التالية:

 

الأسلوب الأول: اجعله يدرك أنه على خطأ:

فإن الإنسان لا يبدأ التفكير في تغيير قناعاته واستبدالها بغيرها حتى يشعر أن فيها ما يستدعي أن يُغَيَّر، وحتى يعي ويدرك أنه على غير الحق، وإلا فلماذا عليه أن يتغير أو أن يتخلى عن قناعاته التي عاش عليها عمرًا؟!

 

ولعل القرآن فعل ذلك -أول ما فعل- مع من تنزل عليه القرآن -صلى الله عليه وسلم- حين عاتبه قائلًا: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) [عبس: 1-12]؛ ففي أسلوب بديع وفي حجج واضحة منطقية مقنعة متسلسلة أقنع الله -عز وجل- نبيه -صلى الله عليه وسلم- أنه كان على خطأ إذ أعرض عن ابن أم مكتوم الأعمى الذي جاءه طالبًا الهدى، في حين يقبل بوجهه على صناديد الكفر الذين رفضوا الهدى والنور!

 

ولقد أدرك نبينا -صلى الله عليه وسلم- تلك المفارقة التي وقع فيها -وإدراك الخطأ هو بداية التصحيح- “فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك يكرمه إذا رآه، ويقول: “مرحبًا بمن عاتبني الله فيه” ويقول: “له هل لك من حاجة؟”، واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين”([4])، ولولا هذا العتاب القرآني لربما ظن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنما فعله هو الصواب؛ إذ يحرص على إعزاز الإسلام بأشراف قريش، الذين قد يقولون في أنفسهم إذا رأوه مع الأعمى: “إنما اتبعه الصبيان، والعبيد، والسفلة!”([5])، لكن الله لا يترك نبيه -صلى الله عليه وسلم- على غير الحق.

 

وهذا أبو بكر -رضي الله عنه- يقطع النفقة عن مسطح بن أثاثة لما خاض في عرض ابنته عائشة، ظانًا أنه مصيب في ذلك، فيوضح له القرآن خطأه؛ فإن إدراك الخطأ هو أول خطوات التغيير والاقتناع، فقد نزل قول الله -تعالى-: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النور: 22]، فذكَّره القرآن أنما ينفق لوجه الله كي يغفر له؛ فهو الأحوج لأن ينفق، وذكَّره أن مسطحًا ابن خالته وهو مسكين ومهاجر لله فهو الأحق بأن ينفق عليه قبل سواه، وأن التعامل معه يكون بالعفو والصفح… وما أن أدرك أبو بكر خطأه في قطع النفقة حتى أعادها.

 

وبسند ضعيف يروي عمران بن حصين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما زال يحاور أباه الذي كان يعبد الأصنام حتى أدرك أنه على خطأ فأسلم، يقول عمران: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي: “يا حصين كم تعبد اليوم إلهًا؟” قال أبي: سبعة؛ ستة في الأرض وواحدًا في السماء، قال: “فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟” قال: الذي في السماء، قال: “يا حصين أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك” قال: فلما أسلم حصين قال: يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتني، فقال: “قل: اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي”([6]).

 

فلا أظن حصينًا إلا قد أدرك خطأه حين قال له -صلى الله عليه وسلم-: “فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟” فإذا به يجيب: “الذي في السماء”؛ إذن فالذي في السماء -عز وجل- وحده هو المستحق للعبادة، فكيف يشرك معه غيره!

 

ودائمًا نستشهد بقصة ذلك الشاب الذي أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- قائلًا: “يا رسول الله ائذن لي في الزنا”، وكيف أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد عمل جاهدًا لجعله يدرك خطأ ما قد جاء يستأذن فيه، فيقول له: “أتحبه لأمك… أتحبه لابنتك… أتحبه لأختك… أتحبه لعمتك… أتحبه لخالتك”، وقد أجاب الشاب في كل مرة بـ: “لا” مدركًا خطأه، ثم يقول له: فكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم ولا لبناتهم، ولا لأخواتهم…، ثم قرر -صلى الله عليه وسلم- أمامه في وضوح قائلًا: “فاكره لهم ما تكره لنفسك، وأحب لهم ما تحب لنفسك”([7])، ولقد تاب وأقلع، ولولا أنه أدرك الخطأ لما تاب، وهل يتوب من يظن أنه يفعل مباحًا؟!

 

ومن هنا يأتي خطر البدعة؛ فقد خالطت عددًا ممن تلبسوا ببعض البدع -ولعلك فعلتَ أيضًا بحكم كونك داعية وخطيبًا-، ولقد أدركت أن الأغلب منهم قد تلبسوا ببدعتهم وهم يظنونها قربة إلى الله!

 

فما أقبح أن يعيش المرء على الباطل وهو يظن أنه على الحق! ويحيا في الضلال وهو يعتقد أنه يَسْبح في أنوار الهدى! وينحطُّ إلى القاع وهو يتخيل أنه يترقى في معارج السماء! كمثل من صاحب الشيطان ظانًا أنه اهتدى: (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) [الأعراف: 30]، ومنهم من لا يدرك ما وقع فيه من ضلال وخطأ إلا يوم القيامة: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) [الزخرف: 36-37]، فيالطول حسراته! ذلك الخاسر، بل هو الأخسر: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف: 104].

 

فدورك الأول -أيها الخطيب- أن تُشعر من وقع في الخطأ أنه على خطأ، فتجعله يحس بالملمس اللزج للوحل الذي انغمس فيه، ويتذوق الطعم الآسن للمعصية التي ولغ فيها، ويستشعر الحصاد المر للخطأ… وهذه قد تكون مهمة سهلة مع بعض الناس، لكنها مهمة في غاية الصعوبة والتعقيد مع الكثيرين، فأعانك الله -أخي الخطيب- وسهل لك كل أمرك.

 

الأسلوب الثاني: تحييد عناده:

اتفقنا -أخي الخطيب- أن السامع لن يقتنع بكلامك حتى “يريد الاقتناع”، لكنه ما دام يحرد ويعاند ويكابر فلن تتخلق لديه تلك الإرادة أبدًا مهما حاولت؟! ألا ترى أقوامًا في مكة تنزَّل عليهم القرآن “كلام الله” فما اقتنعوا! خاطبهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نفسه فما اقتنعوا! رأوا القمر بأعينهم ينشق فلقتين فما اقتنعوا!… وكذا حال كل أقوام الأنبياء: (وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) [الأعراف: 132]، فقد أغلقوا -بعنادهم- أبواب الهداية دون قلوبهم؛ فتحضَّروا وتجهزوا وتهيأوا لعَدِّ كل معجزة يأتي بها نبيهم سحرًا، والمعجزات غاية ما قد يأتي به نبي لإقناع قومه.

 

ولا يختلف حالهم كثيرًا عن حال أهل قريش الذين تمادوا في عنادهم واستكبارهم حتى قالوا: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [الأنفال: 32]! فإنما دفعهم إلى هذا القول: العناد، ولولاه لقالوا: “اللهم، إن كان هذا هو الحق من عندك، فاهدنا له، ووفقنا لاتباعه”([8])، وقبلهم قوم هود -عليه السلام- الذين قالوا له: (يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) [هود: 53].

 

بل إننا نرى الفرق المختلفة ممن ينتسبون للإسلام، وكلهم يعلن أنه يتبع الحق ويسعى خلفه، ومع ذلك لا نرى بعض تلك الفرق يقتنع بخطاب بعض، بل على العكس؛ إن الهوة تتسع والخلاف يحتدم، وسيظلون كذلك إلا أن يشاء الله الذي قال: (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) [هود: 118]! ولا نظن أن العناد -الذي نلمسه في أغلبهم- إلا أنه هو السبب الرئيس في بعدهم عن الحق.

 

ولكل ما مضى، فإن قابلت -أيها الخطيب- معاندًا فلا تتعب نفسك في محاولة إقناعه قبل أن “تحيد عناده” أو تتجاوزه، وذلك من خلال الوسائل الآتية:

 

(1) إشعاره بشفقتك عليه وحب الخير له: فهؤلاء أنبياء الله -وقد رأينا من عناد أقوامهم- واجهوا هذا العناد بإشعارهم بالحنو والشفقة، فلما قال قوم نوح له: (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) أجابهم: (يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [الأعراف: 60-62]، فلم يقابلهم عنادًا بعناد واتهامًا باتهام وسبابًا بسباب، لكنه أشعرهم أنه ناصح يريد رشدهم.

 

ولما قال أبو إبراهيم له: (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) أجابه قائلًا: (سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) [مريم: 46-47].

 

ولطالما عمل القرآن والسنة على إيصال تلك الحقيقة إلى قلوب الناس؛ إنما النبي -صلى الله عليه وسلم- بهم شفوق رءوف رحيم، فقال القرآن: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [الأحزاب: 6]، وقال صاحب السنة -صلى الله عليه وسلم-: “إنما أنا لكم بمنزلة الوالد، أعلمكم…”([9]).

 

(2) الخروج من طور الخصومة: فأشعره أنك لا تعتبره خصمًا لك، بل إنك تعده من جملة أهلك وأحبابك، وأرسل إليه رسالة -من خلال كلماتك وأفعالك- تقول: “أنا لست عدوك”…

 

(3) تقديم نقاط الاتفاق: فما دام مخاطبك مسلمًا موحدًا فإن المشترك بينكما كثير، فأبرز المتفق عليه، وأجِّل المختلف فيه حتى يزول عناده، فإن زال فابدأ في تصحيح ما تراه عنده من خطأ… ولتحييد عناد المعاندين استراتيجية مستقلة تأتي في حينها مفصَّلة -إن شاء الله-.

 

يتبع بإذن الله.

 

—–
([1]) البخاري (1360)، ومسلم (24).
([2]) مسلم (25).
([3]) البخاري (3701)، ومسلم (2406).
([4]) تفسير الخازن (4/394)، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى، 1415 هـ.
([5]) تفسير الخازن (4/394)ـ.
([6]) الترمذي (3483)، ومسند البزار (3580)، وضعفه الألباني (صحيح وضعيف سنن الترمذي)ـ.
([7]) أحمد (22211)، ومسند الشاميين للطبراني (1066)، وصححه الألباني (الصحيحة: 370).
([8]) تفسير ابن كثير (4/47)، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية 1420هـ – 1999م.
([9]) مسلم (265)، وأبو داود (8)، واللفظ له.
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات