طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > استراتيجية الخطيب > تدريب > استراتيجية احتواء الوقائع والأزمات (1) الأزمات النفسية الوجدانية (الجزء الثاني)

ملتقى الخطباء

(675)
1393

استراتيجية احتواء الوقائع والأزمات (1) الأزمات النفسية الوجدانية (الجزء الثاني)

تاريخ النشر : 1439/06/25
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

ومخطئ من ظن أن أزمة كعب بن مالك الوجدانية بدأت عندما لم يقبل النبي -صلى الله عليه وسلم- عذره فما بعد، بل كانت أزمته الحقيقية ساعة إيقانه أنه قد تخلف -مع المنافقين- عن الغزو، ألم تستمع إلى قوله: “فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء”، وقد جاء علاجه القرآني النبوي ليستخرج من فؤاده ذلك الندم واللوم والتأنيب النفسي.

البشر هو البشر؛ قلب وإحساس وشعور قبل أن يكون طبائع وغرائز وفِطَر فوق أنه لحم ودم وشهوات… قد يصيبه الضعف والوهن حينًا، وقد يقع في الذنوب والأخطاء أحيانًا، قد يعز عليه شيء من متاع الدينا ويحرص عليه، قد يحزن لفقدان حبيب، قد يأسى لغدر صديق… والسبب في كل ذلك: أنه “بشر”.

 

لقد كان أفضل أجيال الأمة هو جيل الصحابة، ومع ذلك ألم يخاطبهم القرآن قائلًا: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) [آل عمران: 152]، أليس منهم من فر يوم أحد وكان ذلك بسبب ذنوبهم: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) [آل عمران: 155]، وهذا الجيل الفاضل عرضة كذلك للأزمات النفسية الوجدانية التي تعصف وتتلاعب بالقلوب والنفوس.

 

نعم، قد يعصم الإيمان من الانجراف والانحراف والتطرف في الرضا أو الغضب، نعم قد يلجم المرءَ دينُه أن يقول أو يفعل إلا ما يرضي الله -سبحانه وتعالى-، لكن قد تبقى الأزمة النفسية التي يجدها المرء وخزًا في صدره وكمدًا في قلبه… مهما بلغ إيمانه وتقواه وعلمه ودينه، والسبب في ذلك: أن الجميع “بشر”.

 

وقد بدأنا في لقائنا السابق استعراض بنود “استراتيجية التعامل مع الأزمات النفسية الوجدانية”، وذكرنا ساعتها بنودًا أربعًا كانت كالتالي:

البند الأول: بعث الطمأنينة في القلب.

البند الثاني: المكاشفة والمصارحة.

البند الثالث: الرد إلى الهدف الأصيل.

البند الرابع: المواساة بالبشرى والكلمة الطيبة، وموعدنا الآن مع تمامها:

 

البند الخامس: استغلال عامل الوقت:

لقد عشت مدة من الزمن لا أفهم كيف استطاع النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتريث في حادثة الإفك، ولماذا تريث؟ وما الحكمة من تريثه؟! أقصد: أن الأمر قد استغرق شهرًا أو يزيد حتى نزلت البراءة من السماء تقول عائشة: “وقد مكث شهرًا لا يوحى إليه في شأني شيء”([1])، فلماذا لم يستدع النبي  – صلى الله عليه وسلم- صفوان بن المعطل فيستجوبه وهو -صلى الله عليه وسلم- اللبيب المؤيد بالوحي، بل لماذا لم يفاتح -صلى الله عليه وسلم- عائشة في الأمر بصراحة ويستمع إلى حديثها وهي الفتاة الغرة الساذجة وهو -صلى الله عليه وسلم- المحنك الخبير الخريت؟!

 

ثم هدى الله -عز وجل- عقلي -بعد الحكمة التشريعية- إلى أنه -صلى الله عليه وسلم- استغل عامل الوقت، إن مرور زمن محسوب على أزمة معينة يساهم في تكشُّفها، واستبانة أبعادها واستكانة المشتعل منها، وترك المساحة للعقول والقلوب الحية لتراجع مواقفها المتسرعة، وموعظة القلوب الحية -إذا ظهرت الحقيقة- كيف كانوا ظالمين حين خاضوا فيما خاضوا فيه بغير علم!

 

ولعل هذه حكمة من الحكم التي من أجلها فُرِض الاعتداد على المرأة المطلقة أو المترملة فليست العدة لاستبانة خلو الرحم فقط؛ فإن هذا يُعرف غالبًا بمضي شهر واحد ونزول حيضة واحدة، بل قد يُعرف في زماننا في لحظة واحدة من خلال تحليل أو أشعة أو فحص أو ما شابه، وإنما الحكمة هي مرور زمن وفترة انتقالية تخمد فيها ذكرى الزواج الأول بأفراحه وأتراحه، وتتجاوز فيها المرأة أزمة طلاقها أو أزمة موت زوجها، وتتشوف فيها نفسُها إلى بدء حياة أخرى مع زوج آخر فذلك هو عامل الزمن.

 

وعليه، فيحسن بالخطيب استغلال عامل الزمن في إصلاح الأزمات والتعامل معها، فإن كان يلقي درسًا أو محاضرة وثار عليه أحدهم محتدًا مغضبًا قد احمر وجهه وانتفخت عروق رقبته حتى عرف فيه الخطيب صدق الغضب -وليس ذاك الغضب المصطنع-، وكان غضبه لسوء فهم وليس تعنتًا… فليس أجدى مع ذلك الغاضب من استخدام عامل الزمن، وتركه حينًا يراجع نفسه ويهدأ، ولعله ساعتها يدرك خطأه ويثوب إلى رشده، أما مجابهة مثل هذا الغاضب فلن تزيده إلا حردًا وعنادًا، وستشتد الأزمة تأزمًا!

 

إن أغلب الناس لا يستجيب في غضبه لنصح ناصح ولا لموعظة واعظ، ولو استجاب أحد لاستجاب ذاك الرجل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فعن سليمان بن صرد قال: استب رجلان عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، فغضب أحدهما فاشتد غضبه حتى انتفخ وجهه وتغير، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد”، فانطلق إليه الرجل فأخبره بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: “تعوذ بالله من الشيطان”، فقال: أترى بي بأس، أمجنون أنا، اذهب!([2]).

 

نعم، لا تكون درجة المسلم الذي يستجيب من المرة الثانية أو الثالثة كدرجة ذلك المخبت الذي يستجيب فورًا ومن أول وهلة، ومن هؤلاء أبو مسعود الأنصاري الذي يحكي فيقول: كنت أضرب غلامًا لي بالسوط، فسمعت صوتًا من خلفي: “اعلم، أبا مسعود”، فلم أفهم الصوت من الغضب، قال: فلما دنا مني إذا هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإذا هو يقول: “اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود”، قال: فألقيت السوط من يدي، فقال: “اعلم أبا مسعود، أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام”، قال: فقلت: لا أضرب مملوكًا بعده أبدًا([3]).

 

أما صحيح الإيمان وقوي الإيمان فهو من يملك نفسه عند غضبه وعند حزنه أول ما يتذكر أو يُذَكَّر، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: مر النبي -صلى الله عليه وسلم- بامرأة تبكي عند قبر، فقال: “اتقي الله واصبري” قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأتت باب النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: “إنما الصبر عند الصدمة الأولى”([4])، فلا شك أن موت عزيز لديها هو أزمة كبرى بالنسبة لها، فلما أمرها النبي -صلى الله عليه وسلم- بالصبر فرفضت تركها ومضى، ولم يُعِد عليها، وسلَّمها لعامل الزمن يعينها على تجاوز أزمتها ومراجعة نفسها.

 

وقد جاء عند الطبراني أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعاد عليها النصح ثلاث مرات: “فقال لها ثلاثًا، ثم انصرف”([5])، لكنه بسند ضعيف -كما توقعتُ- فقد قال الطبراني بعده: “لم يرو هذا الحديث بهذا التمام عن عطاء بن أبي ميمونة إلا يوسف بن عطية”، ويوسف بن عطية هذا متروك ضعيف واهٍ كما قال الذهبي وغيره، وما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ليكثر على امرأة ردت بهذا الجواب في مثل تلك الأزمة التي تمر بها، وقد جاء في رواية للبخاري: “فجاوزها ومضى”، والفاء تفيد السرعة والتعقيب.

 

وأحيانًا يدخل الخطيب مع أحد الناس في نقاش حول مسألة معينة، والخطيب فيها على حق وصواب لكنه يجد صدودًا وإعراضًا أو استخفافًا وتسفيهًا من الطرف الآخر، وعندها نقول للخطيب: لا جدوى الآن من مجابهته، ولكن استخدم معه عامل الزمن، اتركه الآن على نية العودة لمناقشته، وكم من أزمات في مساجدنا تضخمت وهي صغيرة وتفاقمت وهي تافهة بسبب أن أطرافها لم يستغلوا عامل الزمن؛ فعاندوا الغاضب وسكبوا “البنزين” على نار مشتعلة فزادوها اشتعالًا!

 

لكن قد تحتم ظروف معينة على الخطيب أن يواجه ويجابه ولا يؤجل، فكيف إذًا يوفق بين هذا وذاك؟ أقول: من خلال “الكر ثم الفر”.

 

البند السادس: الكر ثم الفر:

إن النفسية المتأزمة وجدانيًا لا تحتمل الهجوم عليها بالنقد ولو كان بحق، وفي الناحية الأخرى قد يجد الخطيب نفسه مضطرًا لبيان الحق في ذات الوقت، فما يفعل؟! أقول: الحل في الترفق في جلاء الحق والنقد وذلك عن طريق استخدام أسلوب: “الكر ثم الفر”؛ فأما أسلوب الكر فمعناه: أن تبين لهم وجه الحق وتواجههم بالنقد، أما أسلوب الفر: فأن تسبق فتذكر ما تتوقع أنهم يردون أن يقولوه، فلا تضطرهم إلى النطق به، لأنهم إن نطقوا به تجرؤا وتمادوا، وزال ذلك الحاجز من الهيبة التي يحجز الفرد أن يتجرأ على خطيب المسجد.

 

فإذا كرَرْت فنقدت عيب الشخص المتأزم وخطأه -مضطرًا لأنك لا تستطيع تأجيله-، فبعد ذلك “فِرّ” بذكر ما يود هو أن يقوله مُنزِلًا نفسك منزلته، ففي واقعة الأنصار لما وجدوا في أنفسهم حين اختص النبي -صلى الله عليه وسلم- الطلقاء بغنائم حنين، في هذه الواقعة “كَرٌ” وذلك أن قال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي”([6])، فكيف إذًا تعتبون للعاعة من الدنيا والفضل عليكم كبير؟!

 

وفيها بعد الكر فرٌ، وذلك في قوله -صلى الله عليه وسلم- لهم: “ألا تجيبونني يا معشر الأنصار” قالوا: وبماذا نجيبك يا رسول الله، ولله ولرسوله المن والفضل! قال: “أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم وصدقتم، أتيتنا مكذبًا فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك”([7])، وفي رواية: “خائفًا فآمناك”.

 

ولا أنسى ذلك الرجل -رحمه الله- وقد تبرع بالطابق الأرضي من منزله فجعله مسجدًا، وقد تكفل بجميع حوائجه، وذات يوم وبينما جلس الأطفال مع خطيب المسجد يحفظون القرآن وقد تعالت به أصواتهم، فإذا بذلك الرجل يخرج عليهم محتدًا غاضبًا ثائرًا: “ماذا تفعلون في مسجدي! هل بنيته من مالي لتقلقوا به راحتي فلا أستطيع النوم! إن لم تنتهوا لأغلقنه!” وبدأ بطرد الأطفال خارج المسجد… وكان خطيب المسجد ذكيًا حصيفًا فكرَّ عليه -في هدوء وأدب- قائلًا: “ألم يقل الله -تعالى-: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) [الجن: 18]؟ ألم يقل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، إلا كان زائر الله -عز وجل-، وحق على المزور أن يكرم زائره”([8])، فكيف نطرد زوار الله من بيت الله؟!”.

 

ثم فرَّ الخطيب قائلًا له: “لقد منَّ الله عليك ووفقك فبنيت لله هذا المسجد، وأحسب أن كل مصل أو تال للقرآن أو حافظ له فيه يصلك مثل أجره، أوتقطع أجرك وحسناتك بيديك!”، ثم وعده أن يعمل ألا تعلو أصوات الأطفال فلا تزعجه، وقد طاب خاطره.

 

البند السابع: الغضب المحسوب عند التجاوز:

ليس معنى أن نرفق بالإنسان المتأزم نفسيًا أن نعطيه الحق في إهانة من حوله والتطاول عليهم، كلا، بل لا بد أن يلزم كلٌ حده فلا يجاوزه، وإلا كان ما لا يحمد عقباه… والسؤال: هل يواجه الغاضب -والغضب أزمة- إذا أخطأ أو تجاوز مثلما يواجه غيره؟ والجواب: كلا، بل يواجه بغضب لكنه غضب فيه رفق أو فلنسمه: “غضبًا محسوبًا”؛ فلا هو عارم قاطع ولا هو خائر مائع.

 

يروي جابر -رضي الله عنه- فيقول: غزونا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعاب، فكسع أنصاريًا، فغضب الأنصاري غضبًا شديدًا حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: “ما بال دعوى أهل الجاهلية!” ثم قال: “ما شأنهم؟” فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري، قال: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “دعوها فإنها خبيثة”، وقال عبد الله بن أبي ابن سلول: أقد تداعوا علينا، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل…([9]).

 

إن الأنصاري قد غضب وله بعض الحق في غضبه، فقد كسعه رجل كثير المزاح، والكسع هو ضرب دبر غيره بيده أو رجله، وغضبه ذلك لم يكن بملكه، لكن هل هذا يبرر أن يقيم فتنة ويشعل حربًا بين المهاجرين والأنصار بسبب غضبه ذلك؟! اللهم لا، بل الأنصاري قد تجاوز الحد إذ نادى مستنجدًا بفئة من المسلمين ضد أختها مشعلًا شعلة التحزب والطائفية والفرقة! ومعطيًا فرصة سانحة لابن سلول رأس المنافقين أن يتقول على المسلمين! لذلك فقد تصدى له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسمى دعواه تلك بـ”دعوى الجاهلية”، ثم وصف نفس دعواه تلك بأنها: “خبيثة” وفي رواية: “منتنة”… وهذا أقل ما قد يواجه به ذلك الغاضب المتجاوز.

 

زميلي الخطيب: إنك ملاق -لا محالة- غاضبًا متجاوزًا أو صاحب أزمة متعدٍ، فإن رأيت أن الخير في التصدي له، فليكن في تصديك له رفق وإلا فسد الأمر، قرر الحقائق التي تجاوزها الشخص المأزوم، وصِف الفعل الخاطئ ولا تصف المخطئ، فتصدى، ولكن تصديًا غير مباشر؛ فإن التصدي المباشر في مثل هذا الظرف لا يأتي بخير.

 

البند الثامن: الهجر والهدوء المطبق عند استشعار الندم:

ما قررناه توًا كان بخصوص من يمر بأزمة نفسية وجدانية لكنه تعدى وتجاوز حده، لكن هل هذا ينطبق على من رجع منهم وندم؟ نقول: لا، بل لهذا أسلوب آخر في الاحتواء غير الأول، وهذا الأسلوب هو: الصمت أو الهدوء المطبق، فإنه يبعث في قلب من تجاوز أو أخطأ أثرًا مؤدِبًا ومعلِّمًا لا يحدثه سواه.

 

تخلف كعب بن مالك -رضي الله عنه- عن غزوة تبوك فتكاثرت عليه الهموم والأزمات، فما أن أيقن بتخلفه حتى تملكه الغم والندم، ثم جاءته رسالة من ملك غسان تدعوه إلى الردة، ثم رفض النبي -صلى الله عليه وسلم- قبول عذره، ثم أمر المسلمين بهجره والمخلفين معه، ثم اعتزلته زوجته، وطال عليه الأمر أربعين يومًا… فيالها من أزمة عنيفة بل هي أزمات!

 

وقد التزم النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة تجاهه الصمت المطبق والهجر التام، الذي أثَّر في كعب أيما تأثير، فمنذ اللحظة الأولى وفور عودة النبي -صلى الله عليه وسلم- من تبوك وهو يعامله بهذا الأسلوب، يقول كعب: “فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب…”، وما زال الأمر كذلك بعدها، ولندعه يقص ذلك بنفسه فيقول: “فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت له فنشدته، فسكت، فعدت له فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي”([10]).

 

ولا يقولن قائل: إن كعبًا كان شديد التأثر نفسيًا مما اقترف، وقد تاب وندم، فلما كل هذا العقاب المؤلم نفسيًا؟ أقول: الحِكم كثيرة معلومة، وما يهمنا هنا أن هذا أسلوب رباني نبوي لاحتواء أزمته، بمعنى: أنه لو تيب عليه بغير هذا الهجر والصمت والعقوبة بأن قبِل النبي -صلى الله عليه وسلم- عذره من البداية مثلما فعل مع “المنافقين” لظلت نفسه تلومه على تخلفه وتؤنبه ولَما انتهت أزمته النفسية الوجدانية أبدًا ربما حتى الممات! لكن هذا الأسلوب في احتواء أزمته أقنعه وجدانيًا أنه قد أخطأ وتلقى العقوبة على خطئه، ونزلت التوبة عليه في القرآن، لا في قبول نبوي لعذره قد قُدِّم قبله إلى المنافقين… وما كانت أزمة كعب النفسية لتُحتوى بغير ذلك.

 

ومخطئ من ظن أن أزمة كعب -رضي الله عنه- الوجدانية بدأت عندما لم يقبل النبي -صلى الله عليه وسلم- عذره فما بعد، بل كانت أزمته الحقيقية ساعة إيقانه أنه قد تخلف -مع المنافقين- عن الغزو، ألم تستمع إلى قوله: “فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء”([11])، وقد جاء علاجه القرآني النبوي ليستخرج من فؤاده ذلك الندم واللوم والتأنيب النفسي.

 

وستقابل -أخي الخطيب- في مسجدك من يتخلف عن صلاة الفجر بعد أن كان من المواظبين عليها، فإن علمت وتيقنت أنه ما يتخلف من عذر بل تكاسلًا وتفريطًا، فاعلم أنه يمر بأزمة إيمانية، فلك أن تحتوي أزمته بشيء من الهجر والصمت والهدوء المطبق، إن ظننت أنه ممن ينفع معه ذلك…

***

 

زميلي الفاضل: قد كانت هذه بنود ثمانية لاحتواء الأزمات النفسية الوجدانية، وفي الحلقات القادمة من هذه السلسلة سوف نتناول -إن شاء الله- الاستراتيجية المناسبة في التعامل مع أنواع أخرى من الأزمات.

 

وفقك الله وأعانك ونفع بك.

 

—–
([1]) البخاري (2661)، ومسلم (2770).
([2]) البخاري (6048)، ومسلم (2610).
([3]) مسلم (1659).
([4]) البخاري (1283)، ومسلم (926).
([5]) الطبراني في الأوسط (6244)، وفيه يوسف بن عطية وهو متروك.
([6]) البخاري (4330)، ومسلم (1061).
([7]) أحمد (11730).
([8]) الطبراني في الكبير (6145)، وأمالي ابن بشران (1566)، وذكره الألباني في الصحيحة (1169).
([9]) البخاري (باب ما ينهى من دعوة الجاهلية)، ومسلم (2584).
([10]) البخاري (4418)، ومسلم (2124).
([11]) البخاري (4418)، ومسلم (2124).
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات