طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > استراتيجية الخطيب > تدريب > أيها الخطيب: كُنْ، ولا تكن (2/2)

ملتقى الخطباء

(1٬933)
1325

أيها الخطيب: كُنْ، ولا تكن (2/2)

تاريخ النشر : 1439/02/17
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

إن من يصعد المنبر بلا تحضير متقن لخطبته فهو من المطففين مهما كان من المفوهين! وإن من يتصدر للخطابة وهو يعلم أن عنده جوانب قصور ثم تمر عليه السنون ولا يحاول أن يترقى ويستزيد لهو من الخطباء المطففين! وإن الخطيب الذي يخطب الجمعة دون أن يحدد في عقله ما الذي يريد أن يوصله للناس من أهداف وأفكار فهو من المطففين! وإن الخطيب الذي يخطب بلا خطة لهو من المطففين، وإن من اتخذ من الخطابة مهنة ووظيفة فهو كذلك من المطففين!…

 

هو أمر الله -عز وجل- لكل داعية وخطيب؛ أن يدعو إلى الله -تعالى- بالحكمة والموعظة الحسنة: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) [النحل: 125]، فالدعوة بالحكمة أي: “بالمقالة المحكمة، وهو الدليل الموضح للحق المزيح للشبهة، والموعظة الحسنة: الخطابات المقنعة والعبر النافعة”([1]).

 

وإننا نقول أن دعوتك وخطبتك -أيها الخطيب- لن تتوافر فيها الحكمة ولا تستحق أن توصف بأنها موعظة حسنة حتى تحقق فيها أمورًا كثيرة وحتى تراعي أثناءها آدابًا عديدة قد جمعنا بعضها ضمن بنود هذه الاستراتيجية الخطابية، وسميناها: “استراتيجية القبول الجماهيري”، التي حري بمن طبقها أن ينال القبول لدى سامعيه فتنفتح له قلوبهم وتذعن له عقولهم وتنقاد له جوارحهم، وقد ذكرنا في الجزء الأول أيها الخطيب: كُنْ، ولا تكن (1/2) من هذا المقال سبعًا من بنود تلك الاستراتيجية، والآن نتم ما بدأنا.

 

ثامنًا: كن محددًا واضحًا، ولا تكن مذبذبًا غامضًا:

قد يكون المستمعون على أتم استعداد للتلقي والقبول والعمل، لكن قد يدور الخطيب ويعيد وينثر الجمل نثرًا، ويضرب المعنى بالمعنى، ويورد ما يؤيد أمرًا وما يعارض نفس الأمر في آن واحد! فيخرج السامع ولا يدري ما يفعل! فما استفاد من الخطيب عملًا ولا نصحًا ولا قولًا!

 

ولا أنسى في أحداث تلك الثورات التي مرت ببعض الدول العربية وقد صعد أحد الخطباء على المنبر لإلقاء خطبة الجمعة، فبداية ذكر الدليل لحرمة الخروج على الحاكم، ثم صرَّح بوجوب الوقوف في وجه الحاكم الظالم، ثم عرَّج على ما في الخروج عليه من مفاسد وشر مستطير، ثم عاد فأكد حرمة السكوت على المنكر والظلم وأنه ينبغي رفعه، ثم رجع فرجَّح الحفاظ على الأمن والاستقرار وأن ما يحدث في ساعة واحدة من الفتنة أشد مما يحدث في فترة حكم حاكم ظالم كاملة، ثم نقض ذلك حين ذكر أن: “سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قال إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله”([2])!

 

فبالله أي شيء قد فهمه واستفاده سامعوه إلا التشويش والخلط والفوضى! فهل سيكنون محافظين على الأمن والاستقرار، أم يثورون مطالبين برفع الظلم وإقامة الشرع؟! هل يستكينون لأن الخروج على الحاكم حرام، أم ينتفضون لأن النهي عن المنكرات من الواجبات؟! هل إذا قاموا وثاروا فقتلوا فهم مثيرو فتنة محرمة قتلاها في النار، أم أنهم شهداء مع حمزة بن عبد المطلب؟!

 

وذلك الآخر الذي صعد المنبر متحدثًا عن سوء الظن، فذكر أن القرآن قد نهى عنه قائلًا: (اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ) [الحجرات: 12]، ثم أكد أن سوء الظن عصمة من الوقوع في الخداع، وما بيَّن ولا وضَّح مواضع حسن الظن ومواضع سوء الظن؟! فحدث الخلط عند سامعيه، فخرجوا لا يعي أحدهم أسوء الظن مفسدة فيتحاشاه، أم هو مصلحة فيتبناه؟!

 

أما ثالث من اشتكت منه المنابر فهو ذلك الذي حث الناس على الإنفاق ثم حضهم ألا ينخدعوا بخداع وادعاءات المتسولين الذين يسألون وأكثرهم كاذبون، ثم عاد فنهاهم عن البخل وألا يردوا سائلًا وإن جاءهم على فرس! فحار الناس هل يعطون أم يمنعون؟!

 

ولا أنكر أن كل واحد من هؤلاء الخطباء قد يكون فاهمًا ومحيطًا بموضع حديثه، وقد تكون الفكرة واضحة في ذهنه وعقله، أقول: لكن السامعين لا يطَّلعون على ما في قلب الخطيب ولا ما في عقله، وإنما يؤثر فيهم أسلوب عرضه ويهمهم منه ما ينطق وما يقول، لا ما يُكِنُّ وما يقصد! وأعيدها عليك -أخي الخطيب-: “إن للناس منك ما تقول، لا ما تنوي أن تقول”.

 

وكما أحثك -أخي الخطيب- أن تكون واضحًا في أسلوب عرضك وفي أهدافك مؤكدًا على الخطوط العريضة الفارقة بين مسألة ومسألة… فإني أدعوك كذلك أن تكون واضحًا في ألفاظك وعباراتك، فابتعد عن الكلمات المبهمات، أو تلك التي تحتمل أكثر من معنى، أو التي ليست من شعارنا، فقل: “الكفار والمشركين”، ولا تقل: “غير المسلمين”؛ فإنه لا يُدرى منها هل “غير المسلمين” كفار أم لا؟!

 

وقل: “الاحتلال اليهودي لفلسطين”، ولا تقل: “دولة إسرائيل”!، وقل: “الجهاد في سبيل الله” ولا تقل: “الكفاح والنضال”!، وقل: “أمتنا يوحدها الدين والعقيدة والإيمان”، ولا تقل: “تجمعنا القومية العربية والشعور الوطني”! وقل عن الشاردين من أبناء جلدتنا: “الغلاة والخوارج والبغاة”، ولا تقل: “الإرهابيين”!… فليكن حديثك -يا داعية الإسلام ويا خطيب المنبر- غير حديث السياسيين والقوميين واليساريين، واستبدل ألفاظهم السياسية بألفاظك الشرعية حتى لا تُحدِث خلطًا عند السامعين، وليشعر السامعون بفرق بين كلام رجل السياسية و”رجل الدين”.

 

تاسعًا: كن خطيبًا ولا تكن محاضرًا:

أتظن أنك لو صعدت المنبر يوم جمعة فتكلمت في برود وسردت عباراتك على نفس الوتيرة بين الهدوء والجمود، وخاطبت العقول ثم لم تعتن بخطاب القلوب، أنك بذلك قد أصبحت أحد الخطباء؟ كلا، أبدًا لستَ بخطيب، ربما تكون محاضرًا، لكنك لن تكون خطيبًا.

 

بل الخطيب هو من يتفاعل ويثور، هو من تخرج الكلمات من فمه ممزوجة بالحزن أو السرور، بالدموع أو البسمة، بالرغبة أو الرهبة، من إذا ثار ثارت الدنيا معه وردد المنبر والسواري والسامعون صدى ثورته، من إذا أنَّ وتوجع جاوبته الجماهير وعلا أنينها وتوجعها، من تستشف من نبرات صوته ما يدور في قلبه، من ترى في تعبيرات وجهه ما يجول في خاطره، ومن تلمح في بريق عينيه عزمه وقوته أو فرحه وبهجته أو كربه وشدته… ذاك هو الخطيب؛ من يستثير من يُحرِّك من يؤثر من يُغيِّر…

 

ومن تأمل في سيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهديه اتضح له ما نقول؛ فهذا جابر بن عبد الله يحدثنًا قائلًا: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: “صبحكم ومساكم”([3])، فهو -صلى الله عليه وسلم- حماسة تشتعل وشعلة لا تنطفئ، هذا في بعض الأحوال.

 

وهو -صلى الله عليه وسلم- في أحوال أخرى: رقة تقطر وعاطفة تستنشق، يشهد بذلك العرباض بن سارية -رضي الله عنه- فيقول: “قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم، فوعظنا موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون…”([4]).

 

فيا صاعد المنبر: كن متفاعلًا ولا تكن جامدًا، كي تكون خطيبًا، لا أن تكون -فوق المنبر- محاضرًا؛ فإن “الخطبة تتوخى الجانب الوجداني في الدرجة الأولى، فهي تقوم على التأثير، وإن كان عنصر الإقناع أساسيًا فيها، ولكن الخطيب يعمد إلى مختلف المؤثرات العاطفية فيستخدمها ليثير مكامن الاستجابة في السامعين، أما المحاضرة فالمعول فيها على الجانب المعرفي في الدرجة الأولى، والمحاضر يخاطب العقل ويلتمس أيسر السبل لإيصال المعلومات دون أن يلجأ إلى الإثارة”([5]).

 

عاشرًا: كن مُجمِّعًا، ولا تكن مُفرِّقًا:

يدخل الناس إلى المسجد لصلاة الجمعة مختلفة مشاربهم وأفكارهم وطبائعهم واتجاهاتهم، وقد يدخله مسلمان متخاصمان متنافرة قلوبهم، أو أخوان متدابران متهاجران، أو جاران متنازعان متشاجران… والواجب على الخطيب ألا يخرج جميع هؤلاء من أمامه إلا متآلفين متعاطفين متحابين تمامًا كما أمر ديننا.

 

لكن المؤسف أن يحدث العكس؛ فيدخل المسلمون المسجد أمة واحدة فإذا استمعوا الخطبة خرجوا أحزابًا متناحرة! فكأن خطيبهم يأتي على كل فتنة نائمة فيوقظها، وعلى كل جرح كاد أن يندمل فينكأه!

 

فهذا خطيب كان يخطب في إحدى القرى التي كانت قد شهدت أحداثًا دامية بين اثنتين من عائلاتها ما خمدت إلا من شهور، فإذا به يتحدث عن الكرامة والنخوة وعدم الرضا بالدنية وأن المسلم عزيز لا يرضى بالمهانة… فإذا بالعائلتين وقد ثار بعضهما على بعض ووقعت بينهما الوقيعة!… فحديث هذا الخطيب لو كان في ظروف أخرى لكان رائعًا ممتازًا، لكنه في هذا الموضع إلقاءً للنار فوق كومة قش!

 

وخطيب آخر يتحدث مرة عن صوت المرأة هل هو بعورة أم لا، وهل يحل لها كشف وجهها! ويتكلم أخرى عن لحم الجزور وهل ينقض الوضوء أم لا، وثالثة عن عدد التكبيرات في صلاة العيد، ورابعة عن التنفل في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وخامسة عن إخراج القيمة في زكاة الفطر… فكأنه يتتبع المسائل الخلافية والغرائب والشواذ فيطرحها على المنبر، فتكون النتيجة أن يعطي الناس أسبابًا للفرقة والاختلاف والتنافر… وما لهذا جُعل المنبر، ولا شُرعت خطبة الجمعة!

 

أخي الخطيب: إنما مهمتك أن تؤلف قلوب المسلمين على الحق، وأن تجمعهم على الثوابت والأصول التي لا اختلاف فيها، فلا تطرح المسائل الفقهية الخلافية على المنبر ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، فإن لها مكانها في الدروس وجلسات العلم، ولها أهلها، أما المنبر فإنه يجمِّع ولا يفرق، ويؤلف ولا ينفِّر، ويؤاخي ولا يقطِّع، تطرح من فوقه ما اتفق عليه دون ما اختلف فيه.

 

وقد يخرج علينا من يستشهد بقول الملائكة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في رؤياه: “ومحمد -صلى الله عليه وسلم- فرق بين الناس”([6])! والمقصود ليس التفريق بين المسلمين بعضهم البعض، كيف وقد قال الله -تعالى- لنا: (وَلَا تَنَازَعُوا) [الأنفال: 46]، وأعاد علينا: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) [الأنبياء: 92]، وإنما المقصود أنه -صلى الله عليه وسلم- “يفرق بين المؤمنين والكافرين بتصديقه وتكذيبه”([7])، “والمعنى: أنه من آمن به وأطاعه فقد نجا، ومن كفر به وعصاه فقد هلك، فهو حينئذ فارق بين الناجي والهالك من الناس”([8]).

 

حادي عشر: كن متقِنًا ولا تكن مطففًا:

لا أشك أن جميع خطباء الأمة يحفظون قول الله -عز وجل-: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) [المطففين: 1]، لكنني أشك كثيرًا في أن أغلبهم قد أنزل هذه الآية على نفسه!

 

نظرة قاصرة ساذجة أن يظن أحد الخطباء أن التطفيف إنما يكون في الكيل والميزان فقط؛ فإنما يكال ويوزن الطعام والشراب والمتاع، وإن الخطباء يحملون الدين والشرع والأخلاق والقرآن والسنة، أفيكون الحَب والخبز والجبن والشعير أهم وأخطر من دين الله وشريعته!

 

إن من يصعد المنبر بلا تحضير متقن لخطبته لهو من المطففين مهما كان من المفوهين؛ إذ أنه لو حضَّر ما سيقوله لجمهوره لكان أوقع وأروع وأسمع… وإن من يتصدر للخطابة وهو يعلم أن عنده جوانب قصور في حفظ الآيات أو الأحاديث أو في اللغة أو في التاريخ الإسلامي أو في الأساليب الخطابية أو في غيرها، ثم تمر عليه الأيام والشهور والسنوات وهو لا يحاول أن يجبر الكسر ويكمل النقص ويترقى ويستزيد، لهو من الخطباء المطففين… وإن الخطيب الذي يخطب الجمعة دون أن يحدد ويعين ويوضح في عقله ما الذي يريد أن يوصله للناس من أهداف وأفكار ومبادئ لهو من المطففين…

 

وإن الخطيب الذي يخطب بلا خطة ودون أن يقلب النظر في مجتمعه ليدرك ما يحتاجه الناس، فهو يخبط خبط عشواء لهو من المطففين… وإن من اتخذ من الخطابة مهنة ووظيفة لا يبتغي منها إلا توفير قوته ولا يراها إلا مصدر رزق ولقمة عيش، ولا يستخدمها لتعليم الدين ولا لرفعة الأمة ولا لجمع الكلمة فهو كذلك من المطففين!… وإن من يخطب لشهرة أو لإثارة أو لشهوة أو لإثبات ذات لهو من أبشع المطففين…

 

أما أنت أيها الخطيب القريب الحبيب: فكن من المتقنين، تسألني: كيف؟ أجيبك: أولًا: ضع لنفسك خطة خطابية تقيمها على أساس تأمل ودراسة لاحتياجات مجتمعك، ثانيًا: حدد أهدافك من كل خطبة واجعلها واضحة صادعة ودعمها بالأدلة ونوِّع طرق توصيلها إلى السامعين، ثالثًا: أتقن تحضير خطبك وتدعيمها بالأدلة والشواهد والقصص؛ احترامًا لنفسك وتقديرًا لسامعيك وأداءً لأمانتك على خير وجه، رابعًا: ليكن همك الإبهار والتجديد في أسلوب العرض مع حسن التأكيد على الثوابت والأصول… وليكن ذلك كله بالتوازي مع الاستزادة من العلم والتخصص، والترقي بنفسك إيمانيًا وعلميًا وعمليًا، ومتابعة الجديد من كل مفيد…

 

ثاني عشر:  كن موجزًا حتى لا تكون مملًا:

مهما علا قدرك، وارتفعت مكانتك، وكمُلت فصاحتك، ووفُرت محبتك في القلوب، فإياك أن تغتر فتطيل في خطبتك على هذه القلوب التي أحبتك حتى تملها! فمهما كنت فصيحًا فلست أفصح ممن أوتي جوامع الكلم -صلى الله عليه وسلم-، ومهما أحبك الناس فلن يحبوك كما أحب الصحابةُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، ومع هذا فلو طالعنا خطبه -صلى الله عليه وسلم- المنقولة إلينا لوجدناها لا تتجاوز الدقائق المعدودات! يدلي جابر بن سمرة -رضي الله عنه- بشهادته فيقول: “كنت أصلي مع النبي -صلى الله عليه وسلم- الصلوات فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا”([9])؛ أي: وسطًا بين الطول والقصر.

 

أما الشاهد الثاني فهو الحكم بن حزن الكلفي -رضي الله عنه- إذ يقول: “قدمت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سابع سبعة، أو تاسع تسعة، قال: فأذن لنا فدخلنا، فقلنا: يا رسول الله، أتيناك لتدعو لنا بخير، قال: فدعا لنا بخير وأمر بنا فأنزلنا، وأمر لنا بشيء من تمر، والشأن إذ ذاك دون، قال: فلبثنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيامًا، شهدنا فيها الجمعة، فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متوكئًا على قوس، -أو قال على عصا-، فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات…”([10])، فهذا هديه -صلى الله عليه وسلم- في خطبته؛ “كلمات خفيفات طيبات مباركات”.

 

أما في مواعظه -صلى الله عليه وسلم- فكان يراعي ألا يملَّ السامعين -مع تمام حبهم له-، لذا فكان لا يحدثهم كل يوم، يقول ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: “كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتخولنا بالموعظة في الأيام، كراهة السآمة علينا”([11])، والسآمة هي الملل.

 

وهذي نصيحة ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول فيها: “حدث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرار، ولا تمل الناس هذا القرآن، ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم، فتقص عليهم، فتقطع عليهم حديثهم فتملهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه”([12]).

 

أخي الخطيب: لقد تنبأ ابن مسعود -رضي الله عنه- بما أحدثه بعض الخطباء في زماننا، فقال يخاطب من حوله: “إنكم في زمان قليل خطباؤه كثير علماؤه يطيلون الصلاة ويقصرون الخطبة، وإنه سيأتي عليكم زمان كثير خطباؤه قليل علماؤه يطيلون الخطبة ويؤخرون الصلاة!…”([13])، فإذا علمت هدي الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلا عليك بمن تراهم في عصرنا يطيلون إطالة مملة حتى يضجر السامعون، فإن خير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-.

 

واعلم أن الخطيب الذكي الحصيف الفقيه الواعي الفاهم “يترك الناس قبل أن يتركوه”؛ نعم: يتركهم وينهي حديثه -بعد تمام الفائدة- وهم إليه متشوقون، ولا يطيل فيملهم فيتركوه بالقلوب والأفهام إن لم يغادروه بالأجساد، تلك علامة فقه الخطيب التي حددها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يقول عمار: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة، وإن من البيان سحرًا”([14]).

 

وإن سألتني الآن: فما الضابط في التطويل والتقصير؟ وما هو عدد الدقائق المناسب للخطبة والموعظة؟ قلت لك: أما الضابط فهو حاجة جمهورك وطاقتهم واستيعابهم ومراعاة ظروفهم، فقل ما أقبلوا، فإذا رأيت إدبارًا فأقصر، وبهذا قد علمتَ أنه لا يمكن تحديد عدد دقائق معين لكل المجتمعات ولكل الأحوال، وقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه وعظ الصحابة مرة فأطال، يقول عمرو بن أخطب: “صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن”([15]).

 

نقول: كانت هذه مرة نادرة على خلاف عادته -صلى الله عليه وسلم- فلا يقاس عليها([16])، ثم إنك لو تأملت هذه الرواية لأدركت أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يحدثهم بأمر غير عادي؛ إنه يحدثهم “بما كان وبما هو كائن”؛ يحدثهم عن بداية الخلق ثم عن نهايته… من الأمور الغيبية المشوقة التي لا تمل الأسماع منها مهما طالت.

 

 

([1]) تفسير البيضاوي (3/245)، الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت، الطبعة الأولى 1418 هـ.

([2]) الحاكم (4884)، وصححه الألباني (الصحيحة: 374).

([3]) مسلم (867).

([4]) ابن ماجه (42)، والترمذي (2676)، وصححه الألباني ().

([5]) فن التحرير العربي لمحمد صالح الشنطي (225)، الناشر: دار الأندلس للنشر والتوزيع – السعودية، حائل، الطبعة الخامسة 1422هـ – 2001م.

([6]) البخاري (7281).

([7]) مطالع الأنوار لأبي إسحاق ابن قرقول (5/221)، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – دولة قطر، الطبعة: الأولى، 1433هـ – 2012م.

([8]) مصابيح الجامع لابن الدماميني (10/154)، الناشر: دار النوادر، سوريا، الطبعة الأولى، 1430 هـ – 2009 م.

([9]) مسلم (606).

([10]) أحمد (17856)، وأبو داود (1096)، وحسنه الألباني (صحيح أبي داود – الأم: 1006).

([11]) البخاري (68)، ومسلم (2821).

([12]) البخاري (6337).

([13]) الطبراني في الكبير (9496).

([14]) مسلم (869).

([15]) مسلم (2892).

([16]) انظر: تحفة الأحوذي للمباركفورى (3/21)، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت.

 

أيها الخطيب: كُنْ، ولا تكن (1/2)

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات