طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||
ملتقى الخطباء > استراتيجية الخطيب > تجارب > الخطيب الناجح.. الشيخ محمد حسان نموذجًا

ملتقى الخطباء

(6٬504)
63

الخطيب الناجح.. الشيخ محمد حسان نموذجًا

تاريخ النشر : 1434/04/29
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

ينبغي أن تكون عليه الخُطبة والخطيب من مَيْزاتٍ، نَذْكر ما تميَّزَت به خُطب الشيخ – رعاه الله – من ميزات، وجعلَت الجموع الغفيرة تفضِّل سماعها، وتحرص على حضورها، وتتأثَّر بمضمونها، فتَخْشع القلوب، وتَذْرف الدُّموع، وتُسارع إلى التَّغيير والتطبيق، ثم نَذْكر نموذجًا من خُطَبِه، وطرَفًا من مَواعظِه، ونتفًا من أحاديثه،

 

 

 

 

تميَّزَت خُطبُ الشَّيخ ومواعِظُه التي يُلقيها – في أيام الجُمَع خاصَّة – بجملةِ ميزات جعلَتْها القِمَّة في الأداء والتَّأثير، ولعلَّنا في هذه العُجالة نشير إلى خطوطٍ عامَّة منها، والغرض من ذلك أن يحتذيَ الخطيبُ والواعظُ حَذْوَه، ويجعلها نبراسًا له في الإرشاد، ولا بدَّ قبل ذلك مِن الإشارة إلى ما ينبغي أن تكونَ عليه الخُطبة من صفاتٍ وميزات، أشرْنا إليها في سابقِ بُحوثنا، ونُجْمِلها فيما يلي:

أولاً: الإكثار من آيات الذِّكر الحكيم؛ ففيها الوعظ والشِّفاء، ثُمَّ الاستدلال بالمأثور الصحيح من الأحاديث، وتجنُّب الموضوع والضعيف منها.

ثانيًا: الاستِعانة بالقصص القرآنيِّ الواردة في القرآن والسُّنة، ورَبْط الموضوع بالواقع المعاصر؛ حتَّى يؤتي أكُلَه وثِماره.

ثالثًا: الإخلاص والصِّدق، وأن يكون الكلامُ صادِرًا من قلبٍ صادق، وتفكير هادئ، وألاَّ يَحُول بين الخطيب والمستمِع أيُّ حائل نفسي، سوى مراقبة الله، والخوف منه، ومحبَّة النُّصح للآخرين، وبَذْل النُّصح والمعروف لهم.

رابعًا: الوضوح والبيان، وأن تكون المادَّة العلميَّة وما يُراد طرْحُه وتعريف الناس به حاضِرًا في الذِّهن، واضِحَ المعاني لدى الجمهور؛ لأنَّه الغرض المطلوب من الخُطبة، والمقصود من الوعظ.

خامسًا: الحكمة والموعظة الحسنة، ومعرفة كيف يتسلَّل الواعظ إلى قلوب الحاضرين، فيصل إلى ما ينكرونه من حيث لا يَشعرون، فيشتدُّ في مواضع الشِّدة، ويلين في غير ذلك.

سادسًا: مهابة الخطيب في القلوب أمرٌ هام، فيستعمل خُلق الورَع والخوف كما هو دأب الصَّالحين، فلا يرتكب كبيرة أو يُصِرُّ على صغيرة؛ حتَّى تعظِّمه النُّفوس، وتَنْقاد لسماع كلامه[2].

وبعد هذا السَّرد لما ينبغي أن تكون عليه الخُطبة والخطيب من مَيْزاتٍ، نَذْكر ما تميَّزَت به خُطب الشيخ – رعاه الله – من ميزات، وجعلَت الجموع الغفيرة تفضِّل سماعها، وتحرص على حضورها، وتتأثَّر بمضمونها، فتَخْشع القلوب، وتَذْرف الدُّموع، وتُسارع إلى التَّغيير والتطبيق، ثم نَذْكر نموذجًا من خُطَبِه، وطرَفًا من مَواعظِه، ونتفًا من أحاديثه، وبالله التوفيق:
من أهمِّ ميزات خطب الشيخ:

أوَّلاً – بَراعة الاستِهْلال:
وذلك لِما حوَتْه من ألفاظ ومعانٍ مُحْكَمةِ المَبْنَى والمعنى، قويَّةِ التأثير، متينةِ الأسلوب، متضمِّنةٍ للمقصود، مُناسِبةٍ لمضمون الخطبة – حسن الابتداء وقوة الافتتاح – ومن عادة أسلوب الشيخ في الخطبة هو السَّبْر والتقسيم؛ فهو يَطْرح الموضوع على شكل نقاطٍ ومَحاور أساسيَّة، يدور حولَها الكلام، ولذلك فائدةٌ للخطيب؛ بحيث يُتابع طرْحَ الموضوع بكلِّ ثقةٍ وثَبات، وله فائدةٌ للمستمِع؛ ليكون الموضوعُ المرادُ طرْحُه واضِحَ المعالِم؛ مما له الأثر في تدعيم موقف الخَطيب، وزَرْع الثِّقة لدى المستمِع.

وهذا نموذجٌ مِن مقدِّمة الشيخ لِخُطبةٍ عن التَّوبة وشروطها:
بعد الحمد لله والصَّلاة على رسوله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: أمَّا بعد: "فحيَّاكم الله جميعًا أيُّها الإِخْوة الفُضَلاء، وطِبْتم وطاب مَمْشاكم، وتبوَّأتُم جميعًا من الجنَّة مَنْزلاً، وأسأل الله الحليمَ الكريم – جلَّ وعلا – الذي جمعَني مع حضراتكم في هذا البيت الطيِّب المُبارك على طاعته، أن يجمعَنا في الآخِرة مع سيِّد الدُّعاة المصطفى في جنَّتِه، ودار مقامته؛ إنَّه وليُّ ذلك، والقادر عليه.

أحبَّتي في الله، نحن اليوم على موعدٍ مع التَّوبة النَّصوح، وكما تعوَّدتُ حتَّى لا ينسحب بِساطُ الوقت سريعًا من تحت أقدامِنا؛ فسوف ينتَظِم حديثي مع حضراتكم – في هذا الموضوع الجليل العظيم – في العناصر المحدَّدة التالية:

أوَّلاً: وجوب التَّوبة.
ثانيًا: فضل التوبة.
ثالثًا: شموسٌ مضيئة في سماء التَّوبة.
رابعًا: شروط التوبة.
خامسًا: عقباتٌ في طريق التَّوبة، وكيف الخلاص منها.

فأعيروني القلوبَ والأسماع في هذه اللَّحظات، واللهَ أسألُ أن يتوب عليَّ وعليكم، وأن يستر عليَّ وعليكم في الدُّنيا والآخرة، وأن يجعلَنا ممن يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنَه؛ ? الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ? [الزمر: 18].

ثانيًا – من ميزات خُطَب الشيخ: التَّأثير المباشر:
وهذا واضحٌ لمن يستمع إلى دروس الشيخ، فإنه يجد في قلبه الرَّغبة في مُواصلة الاستماع إلى آخِر الحديث، ويجد النَّشاط في فعل الخير بَعْدَه، وهو يدلُّ على أنَّ الكلام يخرج من القلب، ومِن أعماق النَّفس، وأنَّ الخطيب يتفاعل ويتحمَّس لما يقول، وهو درسٌ للخطيبِ ألا يُصبح آلةً مجرَّدة من المشاعر، تُلقي الكلمات مجرَّدة من المعاني، ثم تنتهي وظيفته، فيكون بين مَن يدعوهم وبينه حجابٌ غليظ؛ لأنَّ مقصود الخطابة هو تحريكُ العواطف، وشَحْن العقول نحو مرضاة الله والدَّار الآخِرة، وصَرْفها عن نوازع الشرِّ حتَّى تستقيم على الهُدى والصِّراط المستقيم.

ثالثًا – الاختيار الأمثَلُ للموضوع:
فعامَّة مواضيع الشيخ التي يتناوَلُها في خُطَبه تُعالج ما يهمُّ قضايا الأمَّة، وتلتَمِس لها الدَّواء الشافي، وتُرشد إلى الطريق السويِّ، ليست مواضيعَ من نَسْج الخيال، أو بعيدةً عن واقع الأُمَّة والمنال؛ ولهذا فهي تُحرِّك الهِمَم، وتوقظ العزائم بما يَسُوقه الشَّيخ من وقائِعَ وأحداث، وبما يُناسب مقتضى الحال، ويُلائم الظَّرْف، وهو لذلك يتفرَّس في وجوه الحاضرين، فإنْ رأى فُتورًا في الإصغاء، وضعفًا في الانتباهِ والإقبال لجَأ إلى المُثيرات، ومنها: القصص الوارد في القرآن والسُّنة، وضَرْب المثَل، وهو كثيرٌ في خُطَب الشيخ، وهو تصوير المعاني بأشياء محسوسةٍ لتقريب المعنى إلى الأذهان، ومنها خبَرٌ فيه فائدة أو حدَث مهم، ثم يربطه بمعاني القرآن والسُّنن الكونيَّة، ومنها اختيارُ حادثة تكون محورَ الخُطبة، ثم يخرج بعد ذلك بحلٍّ لما وقع للمسلمين من بلاءٍ وضيق، كلُّ ذلك مع التفاعل الصَّادق، والرغبة المُفعَمة بالحبِّ والشفَقة.

رابعًا – التذكير بالأصل دومًا:
ألا وهو طاعة الله، وطاعة رسوله؛ فهي سببُ النَّجاة والسعادة، فإن استقام هذا الأصلُ سَهُل على الجمهور تطبيقُ بقيَّة فروع الإسلام، والاستجابة لتعاليمه، وهو ما ينبغي على الخطيب أن ينتهجَه، فيشير إليه عند كلِّ وقفة، أو حدَث، أو ترغيبٍ أو ترهيب، فإن رأى فيمن يَدْعوهم قُنوطًا ويأسًا مِن رحمة الله، بشَّرَهم بعظيمِ عفْوِ الله ورحمته، وأنَّه غفَّار لمن تاب، وأتى بالأحاديث والآيات الدَّالة على ذلك الأصل العظيم، فتنجو النَّفس من وساوس إبليس اللعين، وإنْ رأى فيهم تماديًا وعصيانًا وجرأةً على ارتكاب المعاصي، حذَّر من العقوبة وبيان حال الأُمم المكذِّبة، وما حلَّ فيها من عقابٍ وأنَّه لا أحد مُستثنًى من ذلك.

تنبيه هام:
بعض الخُطباء والوُعَّاظ يَستطرد في بيان أمراض المجتمع وآفاتِه، وبيان علاجه وتشعُّباته، لكن دون أن يقرنه بالأصل، وهو التوحيد، وطاعة الله ورسوله، فيُلهب الحماسَ والشُّعور والغيرة على حُرمات الله، ولكن سرعان ما يَخْفت ذلك الحماس بمجرَّد أن يَخرج السَّامع من المسجد[3]، وينصرف عن الخطبة؛ لأنه لم يربط القلوب بالله حبًّا وخوفًا ورجاء، والمتأمِّل في دعوات الأنبياء والرسل يجدُ أنَّها انطلقت في دعوتها من ذلك المنطلق؛ في إنذارها وتبشيرها، وهو الدعوة إلى التوحيد، وإفراد الله بالعبادة والطاعة، وسائرِ أنواع العبادات، ثم تُرْدِف ذلك بدعوتها إلى النَّهي عن المُنكَرات، وبيان المنهيَّات بالأسلوب الأمثَل، والدَّعوة بالحكمة والموعظة الحسَنة.

الأمر الثاني: تغليب جانب التَّرغيب على جانب الترهيب، وهو مِن الأخطاء التي وقع فيها بعضُ الخُطباء، فتَراه يتحاشى الكلام عن الموت وأحوال الآخِرة، وكلِّ ما فيه تخويفٌ ووعيد؛ ظنًّا منه أنَّ ذلك يدخل في إطار سَماحة الإسلام ورحمته للبشريَّة[4]، وأنَّ ذلك من شأنه أن يَجذب النَّاس إلى الإسلام، ويُرغِّبَهم فيه، وهذا خَطأ مُخالِف لمنهج الرُّسل في الدعوة إلى الله في الجَمْع بين التَّرغيب والترهيب، والإنذار والتَّبشير، فالنَّفس البشرية إنْ لم تَجِد مِن سِياط الخوف ما يحذِّرها من الوقوع في شرَكِ الشيطان وحبائله، وإلاَّ تمادَتْ في غيِّها وطغيانها، وسعَتْ في إرضاء شهواتها؛ ولذا جاءت الآيات الكريمات تُنذر وتخوِّف من عقاب الله، والتعرُّض من غضبه، وأليم عقابه، وشدَّة سطوته على مَن عصاه.
 

خامسًا: توظيف الانفعال:
فالشيخ لا ينخرط في العواطف بغير قانون، بل هو معتَدِل في غضَبِه وبكائه، وحُزنه وغيرتِه، ينسِّق حديثَه، ويرتِّب كلامه ويَبْنيه على مقدِّمات ونتائج، ويتحكَّم في أعصابه بحيث يَعرف متى يَرفع صوته ومتى يخفضه، ومتى يسكت لأجل التقاط الأنفاس، ومتى يهيِّج المشاعر، ومتى يُسكنها حسب ما يقتضي الحال وَفْق ميزانٍ دقيق، والغرَض من ذلك كُلِّه حمْلُ الناس على طاعة الله، واجتناب نواهيه.

سادسًا: التنويع:
التنويع في الخِطاب ما بين قصَّة مؤثِّرة، وحِكْمة نافعة، أو بيتٍ من الشِّعر مليح[5] جَزْل، أو خبَر ذي فائدة، أو مثَل من الأمثال، ثم رَبْط ذلك بمعاني القرآن والسُّنة، والسنن الكونيَّة، فهذا أهمُّ ما تميَّزت به خُطَب الشيخ؛ لأنَّ التنويعَ له تأثيرٌ في السامعين، فيَجْلب انتباههم، وينبِّه غافلهم؛ خاصَّة من خطيب ماهرٍ متمكِّن، يستحضر المعاني بقوالب من الألفاظ بأيسر سبيل، وهو مفيد؛ لأنَّ مَن يحضرون الخطبة ألوان ومستويات مختلفة؛ ما بين مثقَّف وأديب، وعالم ومتعلِّم، واختيار أبيات من الشِّعر الرائق – يناسب الحال والمقال، يجري مجرى الأمثال – يُضفي على الخطبة جمالاً إلى جمال؛ فإنَّ من شأن التنويع في الخِطاب والأسلوب أن يرفع الملل والسآمة عن الحاضرين، ويَمْنح الخطيب الشخصيَّة المؤثرة، ويجعله يملك زمام الأمر، ويأخذ بناصية الموقف.

وهذا نموذج مُختار – مَقاطِعَ – من خطبةٍ للشيخ بعنوان "طريق الهداية"[6]:
"أيُّها الأحبَّة، إنَّ أعظم وأشرف وأجلَّ نعمةٍ يمتَنُّ الله – جلَّ وعلا – بها على عباده: نعمةُ الهداية؛ نعمة الهداية للإيمان والتَّوحيد، بل لقد افترضَ الله – جلَّ وعلا – على عباده أن يتضرَّعوا إليه بطلب الهداية في كلِّ ركعة من ركعات الصلاة؛ سواء كانت الصلاةُ فريضةً أو نافلة، فما من ركعةٍ وإلاَّ تتضرَّع فيها إلى الله أن يهديك إلى الصِّراط المستقيم بقولك:? اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ? [الفاتحة: 6].
 

فما هي الهداية؟ وما أقسام الهداية؟
الهداية في اللُّغة: هي الدِّلالة أو الدَّلالة؛ بالكسرِ والفَتْح للدَّال، واللُّغتان صحيحتان، الهداية هي الدلالة والتعريف، والإرشاد والبيان، وهي تنقسم إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: الهداية العامَّة:
وهي مأخوذةٌ من قول ربِّي حين سأل فرعونُ موسى وهارونَ عن ربِّهما؛ قال فرعون: ? قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ? [طه: 49]، فأجابه موسى بقوله: ? قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ? [طه: 50]، هذه هي الهداية العامَّة؛ ? رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ? [طه: 50].

أيْ: ربُّنا الذي خلقَ كلَّ شيء على صورتِه وشكلِه اللاَّئق به، الذي يؤهِّله ويُعينه على أداء المنفعة والمصلحة والمهمَّة التي خُلِق من أجلها.

فالعين مثلاً خلَقَها الله بهذه الصُّورة البديعة، والشَّكلِ الجميل، وهيَّأها للإبصار، فخَلَقها في علبة عظيمة قويَّة؛ حتَّى لا تتلف، وأحاطها بالرموش؛ لتدفع الرموشُ عن العين الضرر، وأحاطها بأهداب لِتَمنع الأهدابُ العرقَ من أن يتَساقط إلى داخل العين، ثم أمدَّها بماء مالح؛ لتحفظ العينَ من الأتربة والميكروبات.

والأذن مثلاً خلقَها الله – عزَّ وجلَّ – بهذا الشكل البديع الجميل في هذا التَّجويف العَظْمي الدَّاخلي في الرأس، ثم أحاطها من الخارج بهذا الصوان الخارجيِّ الجميل، وهيَّأها للسمع حتَّى في النوم، وأمدَّها بماء مُر؛ حتَّى لا تتسرَّب الحشراتُ إليها وأنت نائم.

والفم مثلاً، خلَقَه الله بهذا الشَّكل البديع الذي يؤهِّله للطَّعام والكلام؛ فالشَّفتان تنفَرِجان للطَّعام، دون أمرٍ منك لهما بالانفراج، والقَواطِعُ تَقْطع، والأنياب تمزِّق، والضُّروس تَطْحن، واللُّعاب يسهِّل، واللسان يتحرَّك هنا وهنالك؛ لتيسير المضغ، وكذلك للكلام.

كلُّ هذا خَلْقُ مَن؟ كل هذا صُنْع مَن؟ كل هذا هُدى مَن؟
لِلَّهِ فِي الآفَاقِ آيَاتٌ لَعَلْ
لَ أَقَلَّهَا هُوَ مَا إِلَيْهِ هَدَاكَ
وَلَعَلَّ مَا فِي النَّفْسِ مِنْ آيَاتِهِ
عَجَبٌ عُجَابٌ لَوْ تَرَى عَيْنَاكَ
الكَوْنُ مَشْحُونٌ بِأَسْرَارٍ إِذَا
حَاوَلْتَ تَفْسِيرًا لَهَا أَعْيَاكَ
قُلْ لِلطَّبِيبِ تَخَطَّفَتْهُ يَدُ الرَّدَى
يَا شَافِيَ الأَمْرَاضِ مَنْ أَرْدَاكَ
قُلْ لِلمَرِيضِ نَجَا وَعُوفِيَ بَعْدَمَا
عَجَزَتْ فُنُونُ الطِّبِّ مَنْ عَافَاكَ
قُلْ لِلصَّحِيحِ يَمُوتُ لاَ مِنْ عِلَّةٍ
مَنْ بِالْمَنَايَا يَا صَحِيحُ دَهَاكَ
بَلْ سَائِلِ الأَعْمَى خَطَا وَسْطَ الزَّحَا
مِ بِلاَ اصْطِدَامٍ مَنْ يَقُودُ خُطَاكَ
قُلْ لِلبَصِيرِ وَكَانَ يَحْذَرُ حُفْرَةً
فَهَوَى بِهَا مَنْ ذَا الَّذِي أَهْوَاكَ
وَسَلِ الْجَنِينَ يَعِيشُ مَعْزُولاً بِلاَ
رَاعٍ وَمَرْعىً مَا الَّذِي يَرْعَاكَ
وَإِذَا تَرَى الثُّعْبَانَ يَنْفُثُ سُمَّهُ
فَاسْأَلْهُ مَنْ ذَا بِالسُّمُومِ حَشَاكَ
وَاسْأَلْهُ كَيْفَ تَعِيشُ يَا ثُعْبَانُ أَوْ
تَحْيَا وَهَذَا السُّمُّ يَمْلأُ فَاكَ
وَاسْأَلْ بُطُونَ النَّحْلِ كَيْفَ تَقَاطَرَتْ
شَهْدًا وَقُلْ لِلشَّهْدِ مَنْ حَلاَّكَ
بَلْ سَائِلِ اللَّبَنَ الْمُصَفَّى كَانَ بَيْ
نَ دَمٍ وَفَرْثٍ مَا الَّذِي صَفَّاكَ
وَإِذَا رَأَيْتَ النَّخْلَ مَشْقُوقَ النَّوَى
فَاسْأَلْهُ مَنْ يَا نَخْلُ شَقَّ نَوَاكَ
وَإِذَا رَأَيْتَ البَدْرَ يَسْرِي نَاشِرًا
أَنْوَارَهُ فَاسْأَلْهُ مَنْ أَسْرَاكَ
وَإِذَا رَأَيْتَ النَّارَ شَبَّ لَهِيبُهَا
فَاسْأَلْ لَهِيبَ النَّارِ مَنْ أَوْرَاكَ
وَإِذَا تَرَى الْجَبَلَ الأَشَمَّ مُنَاطِحًا
قِمَمَ السَّحَابِ فَسَلْهُ مَنْ أَرْسَاكَ[7]

أإلهٌ مع الله؟!!
قال ابن القيِّم: مَن تأمَّل بعض هداياته في خلقِه، لعَلِم أنَّه الإله الواحد الحقُّ الذي يستحقُّ أن يُوَحَّد، ويستحقُّ أن يُعبَد، بلا مُنازعٍ أو شريك؛ ? رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ? [طه: 50]؛ أيْ: ثُمَّ هَداه إلى ما يُصلِحه، ويؤهِّلُه للقيام بالوظيفة التي خُلِق من أجلها، ووُجِد من أجلها، هذه هي الهداية العامَّة، لو تدبَّرت كلَّ شيء في الكون لوصلت إليها.
 

بل لقد أضاف العلاَّمة الآلوسيُّ في "روح المعاني" إضافةً جديدة جميلة للآية، فقال: ? رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ? [طه: 50]، قال: ربُّنا الذي خلَق كلَّ شيء على صورتِه وشكله اللاَّئق به، وجعل هذا الشيء دليلاً على وجوده.
فَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ
تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الوَاحِدُ
سَلِ الوَاحَةَ الْخَضْرَاءَ وَالْمَاءَ جَارِيَا
سَلِ اللَّيْلَ وَالإِصْبَاحَ وَالطَّيْرَ شَادِيَا
وَلَوْ جَنَّ هَذَا اللَّيْلُ وَامْتَدَّ سَرْمَدًا
فَمَنْ غَيْرُ رَبِّي يُرْجِعُ الصُّبْحَ ثَانِيَا

لا أريد أن أُطيل النَّفَس مع كلِّ عنصر، وإلا فورَبِّ الكعبة إنَّ كل عنصر من عناصر اللِّقاء يحتاج إلى لقاء"…

ثُم يَستطرد الشيخ في بيان أقسام الهداية الأخرى، في عرضٍ لا يَملُّ السامعُ منه، ولا توَدُّ النفس الانقطاعَ عنه، يتسلَّل إلى أعماق النَّفْس؛ ليورثها الخشية والخوف من الخاتمة، ويدفعها إلى بَذْل الوُسْع في عمل الصَّالحات، وتجنُّب الموبقات، وسُلوك طريق الهداية؛ الطريق المستقيم.

 

[1] في بلاد الإسلام يوجد العديد من الخطباء والوُعَّاظ ممن لديهم التَّأثير في مجتمعاتهم، ولهم الكفاءة العلميَّة والأدبية في الخُطب؛ أمثال السديس – حفظه الله – وعائض القرني، وسعيد بن مسفر، وحسين يعقوب… وغيرهم، واخترنا الشيخ محمد حسان؛ لشهرته، ومعرفة الناس به.
[2] كتبتُ بحثًا بعنوان الخطيب الناجح – الأول والثاني – نُشِر على موقع الألوكة.
[3] أو ما يُعرَفُ بالأمور السياسيَّة، وتفريغ عواطف الناس فيما لا فائدة فيه؛ في دينهم ودُنياهم.
[4] وهو نهجٌ انتهجه بعض الدُّعاة؛ بسبب الحملة الشَّرسة التي يشنُّها أعداء الإسلام، والَّتي يَصِفون الإسلامَ والمسلمين من خلالها بالتطرُّف، فتراهم – أي: الدُّعاة – يتحرَّجون من الكلام عن الجانب الترهيبِي في الدِّين، ويبتعدون عن الكلام عن الجهاد وأنواعه، والداعية الفَطِنُ يتوسَّط في جميع أموره، فلا يُقنِّط ولا يجرِّئ الناس على معاصي الله.
[5] لي بحث بعنوان "الاستشهاد بالشعر وأغراضه في الخطبة" سيتمُّ نشره قريبًا – إن شاء الله.
[6] وهي من الخطب التي نُشِرت على مواقع عدَّة، إلى جانب خطبٍ مكتوبة نشرت على شبكة النت، وهي وإن كانت طويلة نسبيًّا – وهي الغالب على خطب الشَّيخ ومواعظه، ولكلِّ حال مقال – إلا أنَّ جمهورًا غفيرًا من المستمعين يحبُّون سماعها، ويرغبون في الاستفادة منها.
[7] استمع جيدًا إلى تلك الأبيات الرائعة التي يُلقيها الشيخ ليحُثَّ المستمع على التأمُّل والتفكُّر، وحثها على الشكر والعمل، إنه بحق إلقاء رائع.

 

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات