الكورونا من آيات التخويف

خميس النقيب

2022-10-05 - 1444/03/09
التصنيفات: مقالات في الوعي

اقتباس

البشر في نهاية المطاف هم بشر لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولايملكون حياة ولا موتا ولا نشورا !!.. وهم أذلاء إلى الله مهما اعتزوا، ضعفاء إلى الله مهما استقووا، فقراء...

(وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا)

تابعت ما يحدث في مشارق الأرض ومغاربها من صراعات مريرة، وحروب مسعورة، وأمراض منتشرة وأوبئة مدمرة، وخاصة وباء الكورونا الذي أصاب الكثيرين بالهلع والرعب والفزع.

 

رغم تباين التحليلات، واختلاف التفسيرات، فإنها حتمًا رسائل من ربِّ الأرض والسموات، في صورة آيات كونية، وظواهر تأديبية تخويفية: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا)[الإسراء:٥٩].

استرجعت خواطري، وأدرت رأسي لأكتب -بتوفيق الله وعونه- هذه السطور لعلها تصل فتوقظ القلوب وتنبه الضمائر وتحفز العقول.

 

يجتاح العالم أقمار صناعية، وثورات إلكترونية، وتطورات تكنولوجية، لكن هل تُجدي تكنولوجيا من دون الله؟ هل تنفع قوة من دون الايمان؟ هل تبقى حياة ناعمة أو طاعمة مطمئنَّة بغيرالله؟

 

كلا !!!

 

البشر في نهاية المطاف هم بشر لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولايملكون حياة ولا موتا ولا نشورا !!.. وهم أذلاء إلى الله مهما اعتزوا، ضعفاء إلى الله مهما استقووا، فقراء إلى الله مهما اغتنوا ؛ كيف؟ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)[فاطر:١٥].

 

الناس إذا أصابهم الغرور، مؤمنهم وكافرهم، أبيضها وأسودها، قويهم وضعيفهم، غنيهم وفقيرهم، الحاكم والمحكوم فإن الله يبتليهم بالأوجاع تهذيبا وتقويما لعلهم يرجعون.

 

قال تعالى: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) قال القرطبي: فيه خمسة أقوال، ومنها: أنها آيات الانتقام تخويفا من المعاصي. قال ابن كثير: قال قتادة إن الله تعالى يخوف الناس بما شاء من الآيات لعلهم يعتبرون ويذكّرون ويرجعون. ذُكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود رضي الله عنه، فقال: "يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه". وهكذا رُوي أن المدينة زلزلت على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرات، فقال عمر: أحدثتم! والله لئن عادت لأفعلن ولأفعلن.

 

ولما كُسفت الشمس على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فزع إلى جمع الناس في المسجد، ثم بدأوا جميعا في صلاة مختلفة في هيئتها عن الصلوات المعتادة، تضرعا إلى الله عز وجل أن يرفع عنهم البلاء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله عز وجل يخوّف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره". ثم قال: "يا أمة محمد! والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته. يا أمة محمد! والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا".

 

وكذلك كان عدم فهم قوم صالح للآية التي أرسلها الله إليهم: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ)[الأحقاف:24]، فلم يجدوا في السحابة التي أظلتهم سوى أنها ظاهرة من ظواهر الطبيعة التي تتسبب في نزول المطر، خاصة وأنهم كانوا محتاجين إلى المطر. ولكن لم تكن هذه الغمامة سوى العذاب الذي قالوا فيه من قبل (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ)[هود:32].

 

إن وباء الكورونا خرج من مكان قال مسؤوله: من يقف أمامنا، من يستطع أن يوفقنا، لا أحد يستطيع أن يقف أمامنا؟! بعد أن أمعن في الموحدين إذلالا وتعذيبا، وحرقا وقتلا!! ونسي أن هناك الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد !! جبار الأرض والسماء سبحانه القاهر الغالب، المعز المذل؛ فأهل الأرض إذا تعدوا الحدود، وخانوا العهود وتملكهم الغرور ضربهم الله بسيف انتقامه كيف؟

قديما اغترت عاد وتملكها الشطط: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ)[فصلت:١٥] ما الذي حدث سلط الله عليهم جندا من جنده، وما يعلم جنود ربك إلا هو (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنصَرُونَ)[فصلت:١٦].

 

ليتعلم الناس أن التحصن بالقوة من دون الله ضعف، والتحصن بالمال من دون الله فقر، والتحصن بالعزوة من دون الله عزلة، أما التحصن بالله عز وجل فهو القوة والغنى والعزوة.

 

بنو إسرائيل قالو (وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)[المائدة:64]، وقالوا (إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ)[آل عمران:١٨١] كانت النتيجة (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ)[الإسراء:133].

 

وكذلك الذين يفضِّلون الضلالَ على الحلال، والكفر على الإيمان، والخير على الشر، والعمى على الهدى - يحيطهم غضبُ الله وانتقامه، فيضربهم بصواعقه: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[فصلت:١٧].

 

هذا على المستوى الجماعي، أما على المستوى الفردي، فإليك عزيزي القارئ ما جاء به القرآن الكريم:

قال فرعون: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)[النازعات:24]، فأهلكه الله في الأسفل -قاع البحر-، وقال: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)[القصص:38] (وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي)[الزخرف:21] فجعل الله الأنهار تجري من فوقه.

 

أصدر أوامره بأن أي مولود يُولد يُذبح فورًا: (يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ)[القصص:٤]، والتي لم تُبلِّغْ عن مولودها، تُقتل مكان المولود؛ لكن الله تعالى قضى على ملكه بمولود تربَّى في قصره: (عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)[القصص:9].

 

أتاه الله تعالى من حيث لا يحتسب، فقتله بنفس القانون الذي سنَّه، فكانت نهايته على يد المولود الذي نجا مِن قتله، والذي تربى في قصره وهو موسى -عليه السلام-، أما فرعون فأتاه الله من حيث لم يحتسبْ فأغرقه وأبقى على جثته؛ ليكون لمن خلفه عبرة وعظة وآية (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً)[يونس:92].

 

قارون، كانت (إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)[القصص:٧٦].

 

لا يحبُّ الفرحين بالظلم والاستبداد، لا يحب الفرحين بالبغي والبطش أمثالك، (قَالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي)[القصص:٧٨].

 

تجبرا وتكبرا، فكانت النتيجة: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ)[القصص:٨١].

 

الإنسان أي إنسان -مؤمن أو كافر، جاحد أو شاكر، مقيم أو مسافر- إذا اعتد بقوته أو ماله، فهو مهزوم مهما تحصن بالحصون؛ لا قوتُه تمنعه من الله، ولا حصونه تمنعه من الله؛ فالله هو القاهر الغالب، القوي القادر، المعزُّ المذل، المانح المانع؛ فمن نسي الجبار العلي، من تخلَّى عن الله وتولَّى غير الله فهو ضعيف مهزوم مهما بلغت قوته، ومهما قويت حصونه وحُجته.

 

والإنسان وافتقاره إلى الله يصبح في حصن حصين الإمام الشافعي يقول: " كلما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي". العلماء الربانيون يقولون: "لم تبتلَّ بعد أقدامنا ببحر المعرفة"  كلما ازددت -كمؤمن- قوةً، أو غنىً، أو حِكمةً، أو عقلاً، أو ذكاءً، أو علماً، كلما ازددت تواضعاً وافتقاراً لله عزَّ وجل.

 

نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام حينما دعته امرأةٌ -سيدته- (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه)[يوسف:]، بماذا دعا الله عزَّ وجل؟ قال: (وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين)[يوسف:٣٣].

 

أنت بدون قوة الله معك لن تستطيع مقاومة هذه الإغراءات مهما كانت قوتك أو جاهك أو سلطانك.

 

افتقارك إلى الله تصبح منيعاً، في حصنٍ حصين، هو حصن الله جل في علاه.

 

والقوة من دون إيمان قوةٌ غاشمة ظالمة والإنسان إذا استغنى بقوته وأنصاره طغى، وبغى، ونسي خالقه ورازقه، فأخذ ما ليس له، وتعدى على حقوق الآخرين، سلب أرضاً ليست له، اغتصب ثروات ليست له، إن هذا العدوان أساسه الطُغيان، والطغيان أساسه الشعور بالاستغناء والقوة، لذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف".

 

كن قويا بركنك إلى الله، كما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم قبل الإسراء والمعراج: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين، إلى من تكلني، إلى عدو يتجهمني، أو إلى قريب ملكته أمري، إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي غضبك، أو تحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك"(رواه الطبراني في "الدعاء" ص ٥١٣).

 

ما أجمل ان تتجرد من حولك وقوتك إلى حول الله وقوته، في يسرك وعسرك، في قوتك وضعفك، في غناك وفقرك، في صحتك وسقمك.

 

الكورونا وباء مثل الطاعون الذي ظهر في عهد النبوة، في الصحيحين عن عبد الرحمن بن عوف قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه".

 

أما قوم يونس فقد فهموا الآية التي أرسلها الله تعالى إليهم فراجعوا أنفسهم وعادوا إلى ربهم فنفعهم إيمانهم؛  قال تعالى: (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ)[يونس:98].

 

وكل وباء مثل الكوليرا والكورونا وغيرها، مما يموت منه الناس، فإنه آيات الله يرسلها عز وجل للكافرين عذابا وللعاصين تخويفا، وللمؤمنين رحمة واصطفاء، إذا نزَل بأرضهم وظلوا فيها صابرين محتسبين، يعلمون أنه لا يصيبهم إلا ما كتب الله لهم، فإن من يموت منهم يكتب الله له أجر الشهيد.

 

اللهم احفظ للمسلمين البلاد والعباد واشفهم من كل الأمراض.

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات