مختصر خطبتي الحرمين 13 من جمادى الأولى 1438هـ                 محافظ القدس: العدوان على المدينة غير مسبوق                 عسيري: شرعية اليمن تتقدم.. والانقلابيون يسيطرون فقط على صنعاء وصعدة                 140 ألف طفل في الموصل يواجهون خطر الموت                 ‘فيضان كارثي‘ لمياه نهر الفرات في سوريا... الأمم المتحدة تحذّر                 قبيلة ليبية كبرى تنتفض ضد ‘حفتر‘                 أطفال السودان بحاجة لـ110 ملايين دولار                 خلال 24 ساعة...السعودية تعترض ثلاثة صواريخ حوثية                 البرلمان العربي يناشد المنظمات الإنسانية لإنقاذ الروهنغيا                 الكشف عن مراكز تدريب إيران للمليشيات الشيعية                 أخبار منوعة:                 أحمد بن طولون                 مأساتنا مع الزبد قبل ذهابه جفاء                 بين الفضائيات ومواقع التواصل والتصدر للناس.. هذا هو دواء الدعاة                 صنيع الحصان!!                 ‘كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا‘                 هل بورما من الأُمة؟                 الحب الغائب                 المغلوب يتبع الغالب                 أعظم وظيفة في العالم!                
محرك البحث
القائمة البريدية
البريد الإلكتروني

     
دخول الأعضاء




(ثوابت الدين بين التسليم والاجتهاد والتبديل) خطب مختارة
غزوات الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (غزوة حنين) خطب مختارة
جديد الخطب   التـــصـنــيف   الخـطــــــباء   الجــوامـــــع
عنوان الخطبة هل أنت من الفائزين؟ اسم المدينة جده, المملكة العربية السعودية
رقم الخطبة 13339 اسم الجامع جامع العمودي بحي الخالدية
التصنيف الرئيسي أحوال القلوب, هدايات القرآن الكر يم التصنيف الفرعي هدايات السنة النبوية
تاريخ الخطبة 10/3/1438 هـ تاريخ النشر 12/4/1438 هـ
اسم الخطيب علي بن عمر با دحدح
أهداف الخطبة
عناصر الخطبة 1/ موازين الربح والخسارة 2/ أعظم الربح وأسوأ خسارة 3/ أمران تلزمهما إذا أردت الفوز 4/ أعظم وأول أسباب الفوز دنيوياً وأخروياً 5/ أعظم خسران في كل حال 6/ شتان بين طريق الشيطان وطريق الرحمن.
نسخة للطباعة
نسخة للتحميل
أرسل إلى صديق
اكتب رأيك
اتصل بنا
أضف إلى السلة
قيم المادة
نشعر بأثره في قلوبنا طمأنينة، وفي نفوسنا سكينة، وفي أحوالنا استقراراً، هذا كله فضل وفيض قليل من فيض ذلك الفوز الذي غاية الفوز ما هو؟ أن تفرح وأن تسعد وأن تطمئن وأن ترى أنك في خير عميم وفضل كبير، ذلك ينسكب ربما من آية تقرؤها، ذلك يفيض ربما من سجدة تسجدها، ذلك ربما يكون أعظم وأعظم من دمعة تذرفها، نحن بين يدينا الخير ولكننا غفلنا عنه، وشغلتنا عنه الدنيا بملاهيها ومنافساتها ومسابقاتها التي جعلت الناس يلهثون وراءها، ويغفلون عما وراءها مما هو النعيم المقيم، والفضل العظيم، من رحمة الله -سبحانه وتعالى- ورضوانه...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله..

 

معاشر المؤمنين.. أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإنها أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن وصية الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين في كتابه المبين إلى يوم الدين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

 

معاشر المسلمين: مسابقات للوظائف ثم منافسة بالمقابلات والمؤهلات، ثم يعلن عن الفائزين، ومنافسات في المناقصات، وتقدم فيها الإمكانيات والقدرات والأسعار وغير ذلك، ثم يكون هناك فائزون، وهناك انتخابات ورئاسات، ويكون فيها وعود ودعايات ثم فائزون كذلك وخاسرون، كل خسارة يقابلها فوز وكل فائز يماثله خاسر، ذلك ما نعرفه ويتداوله الناس ويرونه في حياتهم كل يوم.

 

وأنتقل بكم إلى حديث خادم حبيبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنس بن مالك وهو يخبرنا بقوله: بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- أقواماً من بني سليم إلى بني عامر، في سبعين - رجلاً - فلما قدموا قال لهم خالي، وخاله هو حرام بن ملحان -رضي الله عنه-، قال فقال لهم خالي، أتقدمكم فإن أمنوني حتى أبلغهم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإلا كنتم قريباً مني، فتقدم فأمنوه فبينما هو يحدثهم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ أومأوا إلى رجل منهم فطعنه فأنفذه، أي أنه أنفذ الطعنة في صدره إلى ظهره، فقال: "الله أكبر! فزت وربي الكعبة" (رواه البخاري في صحيحه).

 

هنا مفهوم آخر للفوز، هنا معنى آخر للفوز، هنا رؤية ومشاعر مختلفة عن كل هذه السفاسف التي ذكرناها، وعن كل تلك المنافسات الصغيرة، والفوز الذي لا قيمة له، أمام هذا الفوز المختلف في فكره ولونه وهيئته وطعمه وما يترتب عليه من بعد.

 

وأنتقل أيضاً إلى صورة قرآنية تبين فوزاً من نوع آخر عند فئة أخرى لكنها أيضاً بمقاييس أخرى مختلفة، (وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً) [النساء:73].

 

 مقياس المنافقين، لم ينظر هنا إلى مجاهدين يضحون بأرواحهم في سبيل الله، يبذلون مهجهم وأنفسهم لرفع راية الله، لكنه لما رأى أنهم قد حازوا شيئاً من المغانم التي لم تكن لهم مقصداً ولا غاية قال (يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً) وعندما تكون الأخرى التي فيها الكبد والجهد والجهاد وتكون العاقبة غير ذلك، يحمد الله أن لم يكن معهم، تلك موازين مختلفة مختلة متناغمة أحياناً، ومتعارضة أحياناً كثيرة في مفهوم الفوز والخسارة.

 

 ما الفوز في الحقيقة والمعنى اللغوي والدلالة القرآنية، ثمة أمرين مهمين لكن إذا اجتمعا كان هذا هو الفوز الحقيقي، حتى من حيث المعنى اللغوي كما قال الراغب الأصفهاني: "الفوز الظفر بالخير مع حصول السلامة"، تظفر بخير وتسلم وتأمن وتنجو، نجاة من جهة وخير وفيض من العطاء تناله، وأمران آخران لا بد أن ننتبه لهما في الفوز، لا قيمة لفوز مؤقت، ينتهي في وقت قصير يذهب خيره ونفعه، وربما يبقى قليلاً من بريقه ووهجه.

 

ولا خير كذلك في فوز بطعم المرارة، بفوز فيه حرمة، بفوز يكون قائماً على غش وتدليس، وعلى واسطة ومحسوبية، يفرح به صاحبه، وهو حري أن يعض أصابع الندم على فعلته وعلى ما خالف به أمر الله سبحانه وتعالى.

 

 الفوز الأعظم تصوره وتذكره لنا آيات القرآن، نحن لسنا ممن يسيرون مع القوم كما يقولون، لسنا ممن يسيرون ويتأثرون بالدعايات، خذ كذا وستفوز بكذا، ولا المسابقات التي تثير هذه المنافسات، وإنما كما قال الحق -سبحانه وتعالى-: (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) [آل عمران:185]، هذا هو الفوز الذي نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يكرمنا به.

 

ولو تأملت المعنى فإن الزحزحة تكون لشيء ثقيل، وتكون شيئاً فشيئاً، وقليلاً قليلاً، فكأنما هذا كان على وشك أن لا يكون من أهل الجنة، فزحزح قليلاً وقليلاً وقليلاً بعمل صالح من هنا وهنا، ورحمة الله تسبق ذلك، وأدخل الجنة فقد فاز، ذلك هو الفوز الحق، والعجب كل العجب من أننا نعرف ذلك في الآيات، ونقرأه ونتلوه في الصلوات، لكنه لا يكون مستقراً في النفوس والقلوب، بحيث يكون موجهاً ومذكراً دائماً،.

 

فهذا رسولنا -صلى الله عليه وسلم-، كما في حديث سهل بن سعد يجعل لنا المقارنة ويربط لنا بالآيات، قال عليه الصلاة والسلام: "لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، وَقَرَأَ: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ)"، وقال: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَيَأْتِي إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ".

 

أمران إذا أردت الفوز، صلتك بالله وأن لا ينال الناس منك أذىً، ولا ظلماً ولا غشاً، وإنما تعطيهم الذي تحب أن يعطى لك، وتأتي إليهم بالذي تحب أن يؤتى إليك، هكذا يربط المصطفى -صلى الله عليه وسلم- الأمر في مقارنة بين الجنة في سوط واحد فيها، وبين الجنة وكل ما فيها، ثم يبين هذه الآية ويربط بها. والحديث رواه مسلم من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص.

 

إذا كان الأمر كذلك أفلا يعنينا ويهمنا بدرجة عظمى وأولوية قصوى، أن ننظر ما أسباب الفوز الحقيقي في كتاب الله عز وجل؟ ماهي الأمور التي ينبغي أن نحصّلها لنفوز؟ في الوظائف نأخذ الشهادات، ونستحضر طريقة المقابلات، في المنافسات نأخذ أيضاً شهادات الاعتماد وفي غير ذلك وذلك نأخذ أسباباً، لكن الفوز هنا له أسباب أخرى، وله مؤهلات مختلفة، وله ضريبة وعطاء غير الذي نألفه والذي يصنعه الناس في دنياهم في كل أحوالهم وفي سائر مجالاتهم وفي كل منافساتهم، إنها أمور أخرى.

 

أولها وفي مقدمتها الإيمان والعمل الصالح، أعظم وأول أسباب الفوز دنيوياً وأخروياً، الفوز الحقيقي وليس الفوز الظاهري، الفوز الذي فيه الدوام والاستمرار، وليس الفوز الذي يكون عابراً، وقصيراً، والفوز الذي يكون نعيمه ليس فيه تنغيص، من فوز يكون نعيماً مشوباً بتنغيص أكبر منه في بعض الأحيان، وعد الله لنرى الأمرين العظيمين أولاً (وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة:72].

 

الفوز الأعظم هو رضوان الله -سبحانه وتعالى-، وانظر إلى ما ورد كذلك عند البخاري من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن رسولنا -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ يَقُولُونَ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ فَيَقُولُ هَلْ رَضِيتُمْ فَيَقُولُونَ وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ فَيَقُولُ أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالُوا: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا".

اللهم إنا نسألك غفرانك، ورضوانك يا رب الأرض والسماء.

 

هذا هو الفوز الحقيقي، هذه هي المنافسة التي ينبغي أن ننشغل بها، عربونها الإيمان والعمل الصالح، (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) [الجاثية:30].

 

وتأمل في قصة أصحاب الأخدود، الذين انتهت حياتهم بأخاديد شقت لهم، ونيران سعرت، وكان وقودها أجسادهم، والله -عز وجل- يقص علينا قصتهم فيقول (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) [البروج:11].

 

وهذا هو الموضع الوحيد في القرآن الذي وصف فيه الفوز بالكبير، أي فوز هذا الذي انتهى بحرق أجسادهم؟ قد قالوها قبل ذلك، آمنوا بالله وصدّقوا به والتجأوا إليه وتعلقوا به، فكانت نهاية حياتهم حينئذ فوزاً حقيقياً، وكلنا يعرف قصة الرجل الذي جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مؤمناً ثم خرج معه مجاهداً، فلما انتهى الجهاد قسم النبي الغنائم وأعطاه ماله، فقال ما على هذا تبعتك، وإنما تبعتك أن أجاهد في سبيل الله، فأصاب بسهم من ههنا فيخرج من ههنا فأقتل فأفوز وأدخل الجنة.

 

 فلما كان من بعد إذا هو من الشهداء، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- صدق الله فصدقه، أولئك الذين نظروا إلى الفوز الحقيقي، نظروا إلى حقيقة الدنيا نظروا إلى هذه المنافسات الصغيرة، والعقول الصغيرة التي تبقى مع الأمنيات والأعطيات الصغيرة، دون أن ينظروا إلى ما هو أعظم من ذلك، وقد جاء في الحديث الصحيح عند البخاري عن آخر الزمان أن السجدة تعدل الدنيا وما فيها.

 

الأمر أيها الإخوة الكرام نعرفه في القرآن، نعرفه في ما نقوم به من فرائض الله -عز وجل- من صلاتنا وذكرنا ودعائنا، نشعر بأثره في قلوبنا طمأنينة، وفي نفوسنا سكينة، وفي أحوالنا استقراراً، هذا كله فضل وفيض قليل من فيض ذلك الفوز الذي غاية الفوز ما هو؟ أن تفرح وأن تسعد وأن تطمئن وأن ترى أنك في خير عميم وفضل كبير، ذلك ينسكب ربما من آية تقرؤها، ذلك يفيض ربما من سجدة تسجدها، ذلك ربما يكون أعظم وأعظم من دمعة تذرفها، نحن بين يدينا الخير ولكننا غفلنا عنه، وشغلتنا عنه الدنيا بملاهيها ومنافساتها ومسابقاتها التي جعلت الناس يلهثون وراءها، ويغفلون عما وراءها مما هو النعيم المقيم، والفضل العظيم، من رحمة الله -سبحانه وتعالى- ورضوانه.

 

ومن ذلك أي من عربون ومواصفات ومتطلبات الفوز طاعة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، (وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) [الأحزاب:71]، ويقول الحق جل وعلا: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [النساء:13].

 

ومن ذلك أيضاً، اتباع الصحابة -رضوان الله عليهم-، واقتفاء أثرهم، وليس كمن يدعي إسلاماً وهو يسبهم أو يلعنهم أو يكفرهم والعياذ بالله، تأمل قول الحق -سبحانه وتعالى- (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ -رضي الله عنه-مْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة:100].

 

 كل ذلك في صورة واضحة جلية، تربط بين الأمر وبين منتهاه في غايته، في دخول الجنة وفي حصول الفوز العظيم الذي نريده كلنا، والصدق مع الله كذلك عربون في هذ الشأن، كما قال الحق -سبحانه وتعالى-، قال الله: (هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [المائدة:119].

 

وأخيراً في هذا المقام وليس آخراً الخوف من الله -سبحانه وتعالى- (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) [النور:52].

 

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا جميعاً من الفائزين، وأن يجعلنا ممن يفوزن برضوان الله -سبحانه وتعالى-، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

معاشر المؤمنين: أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإنها أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فلنتق الله في السر والعلن، وأن نحرص على أداء الفرائض والسنن، وأن نجتنب الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام خذ بنواصينا إلى طريق الهدى والسداد، واجعلنا من الفائزين برضوانك يا رب العالمين.

 

عربون مهم لابد من ذكره وهو مذكور في القرآن كثيراً، عربون تقديم الروح فداءً لله -عز وجل- ونصرةً لدينه، الجهاد في سبيل الله -سبحانه وتعالى-، الذي شوهت صورته بتجريمه، وبصورة من يمارسه ادعاءً وهو عنه ومنه بريء، هذا الذي قال فيه الحق -سبحانه وتعالى- (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة:111]؛ صفقة ليس لها مثيل في كل الصفقات، صفقة قيمتها التي يبذلها العبد روحه وحياته، ونعيم الله -سبحانه وتعالى- ورضوانه قيمتها التي لا تقدر بثمن مهما كان.

 

وإذا نظرنا إلى ذلك أيها الإخوة الكرام، فإنه ينبغي لنا أن نراجع أنفسنا، نحن اليوم نفتن، وننظر إلى من فاز كما قلنا بعطاء أو فاز بمنصب أو جاه أو وظيفة، تتطلع إليه أعيننا وأحياناً تتوق إلى ما عنده أنفسنا، ولا نلتفت إلى ما وراء ذلك، كأننا بالبهرج ننخدع كما انخدع أصحاب قارون، لما خرج عليهم في زينته، (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ) [القصص:79]، لكن الآخرين نظروا إلى غير ذلك، نظروا إلى ما وراء ذلك ورأوا ما ستكون العاقبة لمن يغفل ولمن يدعي أن هذا ملكه، وأن هذا بجهده ونحو ذلك، حتى كانت الخاتمة (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ) [القصص:81].

 

كما نعلم، كثيرة هي الصور التي ينبغي أن ننظر إليها، وانظر إلى الخسران من جهة أخرى والحديث فيه يطول، فإن الخاسر الحق هو الذي يخسر كل هذا الذي ذكرناه، أول خسارة من خسر الإيمان، فكان كافراً والعياذ بالله، ذلك خسرانه أعظم خسران في كل حال، وفي كل وقت وفي كل صورة من الصور، قد نرى في حياة الناس من يحزن لأنه خسر مالاً أو صفقة، من يبكي لأنه فقد حبيباً أو عزيزاً، من يتحسر لأنه فاته منصب أو مقام من المقامات والله جل وعلا يقول: (الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) [الأنعام:12]، (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الزمر:15].

 

 بل القرآن يخاطبنا مخاطبةً تستدعي لفت النظر وتحريك العقل، عندما يخاطب الحق -سبحانه وتعالى- فيقول: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) [الكهف:103،104]، كم من صور لهذا في واقع حياة أمتنا؟ كم من صور لمثل هذا فيما نراه حولنا؟ وربما أحياناً نكون نحن ممارسين لأمر تنطبق عليه هذه الصفة، أعاذنا الله وإياكم.

 

الأمور في هذا كثيرة، أعظمها وأجلها وأخطرها الذين يحقق الخسران الأعظم ما جاء في اتباع الشيطان (وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً) [النساء: 119]، طريق الشيطان وطريق الرحمن، إذا تركت هذا فأنت إلى هذا أقرب أو أنت فيه أسلك، وهذا أمر ينبغي الحذر منه والخوف، وكذلك (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [العنكبوت:52].

 

 ما نراه اليوم من تصديق وإيمان ودعم وتأييد لأمر وأمور وأحكام وصيغ تخالف ما في كتاب الله، وما في هدي رسولنا الأعظم -صلى الله عليه وسلم-، والله -سبحانه وتعالى- أيضاً يحذر من قرناء السوء (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) [فصلت:25]، هذا هو الخسران الذي ينبغي الحذر منه، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ) [آل عمران:149].

 

 متابعة الكافرين خسران أعظم، يتجلى في واقع حياتنا كلما اتبعت أمتنا هؤلاء أو هؤلاء من شرق أو غرب، ونحن نرى الثمار المرة لهذا الاتباع، وهو خسارة في الدنيا والعياذ بالله، وكذلك خسارة في الآخرة، أعاذنا الله وإياكم.

 

نسأل الحق -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا وإياكم من الفائزين وأن يجنبنا مسالك الخاسرين، ونسأله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا ممن يزحزح عن النار ويدخل الجنة ويكون من الفائزين.

 

اللهم إننا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم تول أمرنا وارحم ضعفنا واجبر كسرنا واغفر ذنبنا وبلغنا اللهم فيما يرضيك آمالنا، اللهم طهر قلوبنا وزك نفسونا وهذب أخلاقنا، وحسن أقوالنا وأخلص نياتنا وأصلح أعمالنا وضاعف أجورنا وبلغنا اللهم فيما يرضيك آمالنا.

 

 

 
تنزيل مرفقات المادة
أضف مشاركتك
الإسم
البريد الالكتروني
عنوان المشاركة
نص المشاركة
أدخل رمز التحقق :