مختصر خطبتي الحرمين 18 من جمادى الآخرة 1438هـ                 مقتل 40 حوثيًا حاولوا التسلل إلى السعودية                 نتنياهو: سنواصل النشاط الاستيطاني خارج الخط الأخضر                 إيران تتهم روسيا بتسهيل اختراق إسرائيل للأجواء السورية                 نصف مليون عراقي يواجهون خطر الموت بالموصل                 آلاف الصوماليين يفرون من ‘موسم الموت‘                 البوذيون في ميانمار يحتجون على منح المواطنة لأقلية الروهينجا المسلمة                 الاحتلال الفارسي يغتصب المزيد من الأراضي بالأحواز                 المبعوث الأممي إلى ليبيا: قلق من إمكانية خروج الأوضاع عن السيطرة                 أردوغان: موقف أوروبا من تركيا يعرض الأوروبيين للخطر                 أخبار منوعة:                 الرجل يكتب والمرأة تقرأ                 نخبة العالم الإسلامي وعالم الأشياء                 أمي .. لن اقدم لك ألما في ثوب السعادة ولا خطأ في ثوب الصواب !                 الهويني الهويني.. يا أهل العجلة                 العلمانية العربية نبتة غريبة زٌرعت في غير أرضها                 جريمة غسْل الأموال                 واجبنا في خدمة الإسلام                 وقفات مع مصطلح ‘السينما الإسلامية‘                 علاقة التقوى بالرؤية السديدة للواقع                
محرك البحث
القائمة البريدية
البريد الإلكتروني

     
دخول الأعضاء




الأخلاق المذمومة (البخس والتطفيف) خطب مختارة
الأخلاق المذمومة (الشماتة) خطب مختارة
جديد الخطب   التـــصـنــيف   الخـطــــــباء   الجــوامـــــع
عنوان الخطبة مدرسة حلب اسم المدينة جده, المملكة العربية السعودية
رقم الخطبة 13318 اسم الجامع جامع العمودي بحي الخالدية
التصنيف الرئيسي الدعوة والتربية, الأحداث العامة التصنيف الفرعي منهج أهل السنة في المعرفة والتعامل
تاريخ الخطبة 17/3/1438 هـ تاريخ النشر 10/4/1438 هـ
اسم الخطيب علي بن عمر با دحدح
أهداف الخطبة
عناصر الخطبة 1/ محبة الكلمة الطيبة والأنس بها 2/ أهمية حسن الظن بالله سبحانه وتعالى 3/ وقفات ودروس وعبر من أحداث حلب 4/ هل ما حدث في حلب هزيمة؟ 5/ أسباب النصر والرحمة.
نسخة للطباعة
نسخة للتحميل
أرسل إلى صديق
اكتب رأيك
اتصل بنا
أضف إلى السلة
قيم المادة
نصيريون باطنيون وروافض صفويون، ونصارى أرثوذوكسيون، وآخرون كاثولوكيون، كلهم في آخر الأمر على رقعة شطرنج واحدة يتناغمون، ذاك يقتل، والآخر يدعي أنه منزعج، والثالث على الأرض يذبح، والرابع من فوق يقصف، والصورة واضحة، ومن لم تتضح له الصورة فإنه أعمى القلب والبصيرة قبل أن يكون أعمى البصر، سلمنا الله وإياكم من ذلك.

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

معاشر المؤمنين: وصية الله سبحانه وتعالى لكم في كل آن وحين إلى قيام يوم الدين في كتابه المبين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

 

إخوة الإسلام: روى الشيخان من حديث أبي هريرة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لاَ طِيَرَةَ وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ قَالُوا وَمَا الْفَأْلُ قَالَ الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ"، وقال ابن بطال: "جعل الله في فطر الناس محبة الكلمة الطيبة، والأنس بها"، الكلمة الطيبة والفأل من حسن الظن بالله سبحانه وتعالى، وروى الترمذي من حديث أنس "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا خرج لحاجته أحب أن يسمع يا نجيح يا راشد".

 

 من هذا المنطلق وتأسياً برسولنا -صلى الله عليه وسلم-، وتقديماً للفأل والكلمة الحسنة والصالحة، وثقة بوعد الله، ويقيناً بما جعل من سننه -سبحانه وتعالى-، هذه وقفات نأخذ منها دروساً وعبراً من مدرسة حلب، ولا أحسب أن أحداً لم يتابع بقلبه وروحه قبل بصره وسمعه، تلك الأحداث بما فيها من المآسي والآلام، لكننا ننظر فنرى معالم عظمى، ومنافع جديرة بأن تحظى باهتمامنا، وها نحن نقف معها واحداً واحداً.

 

أولاً: معرفة حقيقة العداء والأعداء، وذلك في كتاب الله، لكن تصديق الأحداث يجعل العبرة بها أعظم، والاتعاظ بها أقوى، والنظر والتدبر فيها أكثر أهمية، فالحق -سبحانه وتعالى- قال: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) [الحج: 39،40].

 

هذا التصوير القرآني نراه رأي العين، في تلك الأحداث التي مر قبلها وسيمر بعدها ما يؤكد ذلك، وهذه الآيات على وجازتها فيها كثير وكثير مما ينبغي أن ننتفع به، فكما أشار بعض أهل التفسير قالوا: إن فيها بشارة لأن الله قال: (وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) [الحج:39].

 

وقال الرازي: "أُخرجوا بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب الإقرار والتمكين لا موجب الإخراج والتسيير".

 

 وقال ابن كثير: "ما كان لهم إساءة ولا ذنب إلا أنهم وحدوا الله وعبدوه لا شريك له" كما قال جل وعلا: (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ) [الممتحنة:1]، وكما قال تعالى: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) [البروج:8].

 

 توحيدكم إيمانكم تشبثكم بسنة نبيكم -صلى الله عليه وسلم- هو جريمتكم الكبرى، ودعك من أكاذيب الإرهاب، واترك ما يقال من الشنائع والفظائع التي يصنعها الأعداء، وللأسف يروجها بعض الأبناء، ولو نظرنا في حقيقة العداء، فإننا نقف أيضاً مع قوله -سبحانه وتعالى-: (كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ) [التوبة:8].

 

هل ثمة تصوير أعظم من هذا وأوضح؟ ألستم ترون منافقي السياسة من المجرمين المشاركين في القتل مباشرة وغير مباشرة، وهم يذمون وينتقدون، ويدّعون الإنسانية، ويقولون أقوالاً يزعمون أنهم يرضوننا بأفواههم، ولكن الله أخبرنا عن حقائق ما في قلوبهم، والحق جل وعلا أوجز فقال: (لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) [التوبة:10]؛ قال بعض أهل التفسير: "كيف يراعي حق المؤمنين من لا يراعي حق الله" قوم كفروا بالله، قوم يحاربون دين الله، قوم يقتلون عباد الله، قوم يدمرون بيوت الله، كيف يمكن أن يرجى أن يكون لهم عهد ولا ذمة بحال من الأحوال.

 

وهنا تظهر الحقيقة، وهي أن الوحشية والإجرام هو قرين الكفر والكافرين، كنت اليوم قبل أن آتي في زيارة لرجل كبير في السن عظيم في الخبرة، طاف الدنيا وجال فيها، وكان يقول باختصار شديد، ليس عند المسلمين فضلاً عن الإسلام أي نزعة لعنف أو إرهاب، ولو نظرنا فالشهادات في هذا من الأعداء قبل الأولياء، لكنها صناعة الإجرام ودعايته، وضعف بعض أبناء الإسلام في عقولهم، وميلهم أو ميل بعضهم بأهوائهم إلى أعدائهم، والأمر في هذا يطول.

 

فتلك بعض حقيقة الأعداء تجلت في مدرسة حلب واضحة، نحن نريد الدروس والعبر، لا نريد فقط أن نحزن ونألم، وفي الحديث ما يأتي على مثل هذه المشاعر، كيف ينبغي أن توظف وأن تحول إلى عمل إيجابي يؤجر عليه المرء، ويحركه ويدفعه نحو الأمل والعمل، لا باتجاه اليأس والإحباط، وأما حقيقة الأعداء فالأمر يطول، ولكن الإيجاز مرة أخرى في الكلام المعجز البين الذي نقرأه، ونحتاج كثيراً وكثيراً وكثيراً أن نتدبره، (وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) [الأنفال:73].

 

نصيريون باطنيون وروافض صفويون، ونصارى أرثوذوكسيون، وآخرون كاثولوكيون، كلهم في آخر الأمر على رقعة شطرنج واحدة يتناغمون، ذاك يقتل، والآخر يدعي أنه منزعج، والثالث على الأرض يذبح، والرابع من فوق يقصف، والصورة واضحة، ومن لم تتضح له الصورة فإنه أعمى القلب والبصيرة قبل أن يكون أعمى البصر، سلمنا الله وإياكم من ذلك.

 

 الصورة تتضح والدروس يسوقها الله -سبحانه وتعالى- لنا، ونرى كيف يتعاون الأعداء على ماب ينهم، فإن الإثني عشرية الشيعة في عقائدهم يكفرون النصيرية، ولكنهم اليوم يقاتلون صفاً واحداً، ضد أهل الإسلام، لا أقول أهل السنة لأن السنة هي الإسلام، والإسلام هو السنة، وليست السنة طائفة بل السنة هي إسلام محمد -صلى الله عليه وسلم- (وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) [الأنفال:73].

 

 قال ابن باز -رحمه الله-: "ظاهر الآية أن الكفار يوالي بعضهم بعضاً، والمؤمنين يوالي بعضهم بعضاً، فإذا لم يفعل المسلمون ذلك تكون فتنة عظيمة، وإذا والى المسلمون الكفار وجعلوهم أولياء صارت فتنة عظيمة"، وهذه هي فتنتنا اليوم، وهذا الذي يجري به قدر الله -سبحانه وتعالى- وفق سنته، لمن أعرض عن ذكره ولم يستجب لأمره، وغيّر وبدل فيما يجب أن يكون من ولاء المؤمنين ونصرتهم وأخوتهم، وانظر وتدبر.

 

ونمضي إلى حقيقة أخرى، الحكمة الربانية لأن بعض الناس اليوم ينظر وعنده بعض الأمور التي ينبغي أن ينتبه لها، عنده أمر قد يكون فيه ضعف في إيمانه بالقضاء والقدر، وتسليمه بأن لله -سبحانه وتعالى- في كل قدر حكمة بالغة بل ورحمة سابغة، وتأمل هنا قول الحق جل وعلا: (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ) [محمد:4].

 

 الله -عز وجل- قادر على أن يهزمهم ويهلكهم بجند من جنده جل وعلا، لكن كما قال البغوي: "هو قادر على أن يهلكهم ويكفيكم أمرهم لكن أمركم بالقتال ليبلوا بعضكم ببعض، فيصير من قتل من المؤمنين إلى الثواب، ومن قتل من الكافرين إلى العذاب".

 وقال ابن كثير: "شرع لكم الجهاد وقتال الأعداء ليختبركم ويبلوا أخباركم".

 

 والله -عز وجل- قال كما في الآية العجيبة في اختياره واصطفاءه -سبحانه وتعالى- لمن يشاء من عباده عندما قال: (وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء) [آل عمران:140]، قدر امرأة لا حول لها ولا طول، ولا يمكن يوماً أن تكون محاربة، وربما لم تفكر يوماً أن تكون في مواجهة تسمع فيها صوت الرصاص، إذا بقدر الله يختار ويصطفي من يشاء ليكون من الشهداء، في ميادين معارك وجهاد حقيقي، بين أعداء الله المحاربين لدين الله -سبحانه وتعالى-، وبين من أخرجوا بغير ذنب إلا أن يقولوا ربنا الله، وهكذا نجد الصور والعبر في هذا كثيرة.

 

وأنتقل إلى صور أخرى أعتقد أن كثيراً من الناس ربما غلبت عليهم حملة الإعلام، فلم يعد يرى الصور الإيجابية، وبالنسبة لي عجبت أني رأيت صوراً إيجابية كثيرة، ربما يخالفني في هذا غيري، لكني رأيتها هكذا بدون تفكير ولا تدبر، خاص بتلك الأحداث، لأن المؤمن يغلّب روح التفاؤل، يعرف سنن الله -عز وجل-، يوقن بوعد الله -سبحانه وتعالى-، يعرف أن بعد العسر يسراً، يعرف أن من كان مع الله وكان مظلوماً فإن الله -عز وجل- ينتصر له، وينتقم له ممن ظلمه عاجلاً أو آجلاً.

 

 ونعلم أن البغي والعقوق تعجل عقوبتهما وغير ذلك كثير، ننساه ونغفل عنه ونسمع الأخبار التي تأتي من هنا وهنا دون أن ننتبه إلى هذه الأمور، وهو الأمر الثالث أو الرابع الذي أسوقه، الصبر والثبات، عنوان عظيم، هؤلاء القلة القليلة، بالأسلحة الضعيفة اليسيرة، قاوموا دولة عظمى، ومعها دولة أخرى، ودولة ثالثة، ومرتزقة من هنا وهناك، وعلى مدى شهور لم يستطيعوا أن يكونوا في الأرض، ولم يستطيعوا أن يتقدموا كما ينبغي، وجاء هذا الاتفاق متوجاً لأولئك لا إلى هؤلاء كما سأذكر.

 

وهنا جال في خاطري وعدت أبحث في صفحة مشرقة من سيرة نبينا المصفى -صلى الله عليه وسلم-، وكل صفحاتها مشرقة، غزوة مؤتة، تعرفونها كانت بعيدة الشقة، كان العدد المقابل، ليس عشرة أضعاف ولا مائة ضعف، كان عدداً مهولاً، ذكر أن الروم كانوا في نحو مائتي ألف، والمسلمون في عدد قليل.

 

ونعلم ما كان من جعفر بن أبي طالب جعفر الطيار، وبعده زيد وبعده عبدالله بن رواحه، وبعده خالد بن الوليد الذي أدار المعركة وأحسن الانسحاب، وكان نصراً ولم تكن هزيمة، لأن بعض الناس اليوم يروّج أن ما وقع في حلب هزيمة، ولا أقول ذلك أبداً، وسأثبت هذا ومقامنا هذا لا يتيح كثيراً من الحديث في هذا.

 

روى البخاري كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية، "أن خالد بن الوليد -رضي الله عنه- قال: في ما وصفه عن قتاله وجهاده يوم مؤتة، قال اندق في يدي تسعة أسياف، ولم يبق فيها إلا صحيفة يمانية، قال ابن كثير وهذا يدل على أنهم أثخنوا في العدو وقتلوا منهم".

 

وهذا ساقه أيضاً غيره من أصحاب السير، وذكروا في مجمل هذا، أن الذي صنعه خالد والمسلمون كان بطولة فائقة، وشجاعة نادرة، وثباتاً عديم النظير، وأحسب أن صورة حلب تمثل هذا مع فارق ما كان عليه أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-، لكننا رأينا رجالاً رافعي الرؤوس، ونساءً إلى آخر اللحظات، ما كانت إحداهن تعطي دنية في دينها، ولا تهاوناً في شرفها، وهن محجبات متلفعات، بل رأينا صغاراً يقولون كلاماً يتصاغر معه الكبار، وهم يقولون سنعود وسنحرر بلادنا، ونطهرها من هؤلاء الأرجاس الأدناس.

 

وهنا النظر الضيق يظن أن الجولة الواحدة هي نهاية المعركة، ولا يرى أن الأمور تمتد أن الجولات تتعدد، كما سنذكر ويذكر كتاب ربنا -سبحانه وتعالى- في ذلك، ثم ماذا أيها الأخوة، هؤلاء خرجوا ولا يزال أخرجوا المدنيين وعصموا أرواحاً كثيرة، تبلغ عشرات الآلاف وقد تزيد عن مائة ألف، وأخرجوا الجرحى، وأخرجوا حتى المقاتلين، أتعلمون ما يعني ذلك؟ إنه يعني شيئاً كبيراً، في تصوري أنه يعني فشلاً لأولئك الذين أرادوا أن يرغموهم على القتل وعلى أن يسلموا ويستسلموا.

 

وإذا نظرنا إلى ذلك ننظر إلى صورة رابعة أو خامسة، وهي صورة الصبر مع الاستعلاء، وهذا الذي يوجهنا له القرآن جميعاً، نحن معاشر المسلمين من كانوا في ميادين المعارك ومن كانوا خارجها، والآيات هنا يطول الحديث عنها في سورة آل عمران عن غزة أحد وما جرى فيها لرسولنا الأعظم -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام رضوان الله عليهم، وأكتفي بقوله جل وعلا: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران:139].

 

نزلت الآيات في هذه الأحداث، وهنا وعلى وجه من الإيجاز، بيّن الله -سبحانه وتعالى- أن حثٌ لأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- على الجهاد والصبر على ما أصابهم من القتل والجرح، أي: لا تضعفوا ولا تجبنوا عن جهاد أعدائكم، لما نالكم من القتل والجرح، وأنتم الأعلون، قال الرازي فيها معان جميلة: "واحد منها أنكم الأعلون بأن العاقبة ستكون لكم بالظفر على أعدائكم".

 

وقال ابن عطية: "أنتم الأعلون لما يترتب على ذلك الطعن على من نجم نفاقه ومن تأود إيمانه واضطرب يقينه إلا ليتحصل الوعد لكم بالإيمان فالزموه" يعني من نافق، من تشكك، من قال ما قال، كما رأينا وللأسف الشديد حتى من بني جلدتنا، من قال ما لنا ولهم، من قال: هذه جولة ماحقة، وانظروا إلى صفحة لاحقة.

 

 أنتم الأعلون بإيمانكم فاثبتوا عليه ودعوا هؤلاء المتذبذبين والمتشككين، وقال الرازي: (أنتم الأعلون لأن قتالكم لله، وقتالهم للشيطان، لأن قتالكم للدين الحق، وقتالهم للدين الباطل) وقال في معنى ثالث: "أنتم الأعلون بالحجة، والتمسك بالدين، والعاقبة الحميدة، وأنتم الأعلون من حيث أن العاقبة تكون لكم وتظفرون، ثم قال (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) إن بقيتم على إيمانكم، والمقصود بيان أن الله -سبحانه وتعالى- إنما تكفل بإعلاء درجتهم، لأجل تمسكهم بدين الإسلام".

 

فمن أراد النصر والظفر والقوة والعزة فهذا طريقها، كما قال الله -عز وجل-: (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) علمتم أن هذه الواقعة ليست هي الأخيرة، وإنما الدولة تصير إلى المسلمين كما ذكر أهل التفسير، والحديث يطول ولكني أختم بأن الله -عز وجل- يسوق لأمتنا خيراً، ويقدم لنا من أبنائها نماذج، بقي أننا نحن الضعفاء، ينبغي أن نقوى، نحن الغافلون ينبغي أن نتذكر، نحن المقصرون ينبغي أن نبادر، نحن الذين لا نقوم بواجبنا تجاه ديننا وتجاه إخواننا ينبغي أن نعوض ذلك.

 

فأسأل الله -عز وجل- أن يردني وإياكم الى دينه رداً جميلاً، وأن يجعلنا ممن ينصرون دينه وكتابه وسنته نبيه وعباده الصالحين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

معاشر المؤمنين: إننا في هذا المقام نذكّر أنفسنا بواجبنا تجاه إخواننا، شعوراً واهتماماً وفكراً وهماً وعنايةً، وكذلك تضرعاً ودعاءً وذكراً وتعريفاً، وكذلك إنفاقاً ونجدة ونصرة بكل ما يمكن.

 

ونحن هنا أقول في هذا المقام إن فيما جرى بعض وجوه الخير كثير، أولاً هو اعتراف بوجود هذه المقاومة المجاهدة في أرضها، وإقرار بأن هذا قوة، لأنها تفاوضت مع دولة عظمى، وترك من يدعي أنه حاكم البلاد وهو بائعها، وهو القاتل لشعبها، ذلك المجرم الأفاك، وغيره كذلك من الصفويين المجرمين، لم يكن لهم قول ولا شأن.

 

وهذا يدل على أن أهل الحق يقدمون ويقدر لهم الله -عز وجل- ما يقدمهم، ووجه آخر، الإظهار للتبعية والذلة لهؤلاء، هؤلاء الصفويون القتلة لما قال لهم أسيادهم سنفعل كذا وكذا واخسؤوا ولا تتكلموا، مضى الأمر كما كان، ولم يكن منهم شيء، لا قليل ولا كثير، لا هذا ولا ذاك، ولا أولئك ولا هؤلاء، حتى نعرف أنهم متآمرون مع الأعداء، وأنهم أذيال كتب الله عليهم الذلة، وسنرى مزيداً من ذلتهم في صور كثيرة.

 

وفي أحداث قادمة بإذن الله -عز وجل-، وصورة ثالثة الإسعاد بالاختلاف والفرقة، هذه الأحداث الأخيرة أوجدت خلافاً وفرقة في صفوف أولئك الأعداء المجتمعين، أولئك كانوا يريدون ذبحاً وأولئك كانوا يريدون إخراجاً، يكفل لهم شيئاً من حسن المظهر بعد أن أصبحوا علامة على القتل والإجرام الشنيع، وإن كان غيرهم ليس بعيداً عنهم، كل ذلك يدلنا على وجوه كثيرة من الخير يسوقها الله -عز وجل- في ثنايا المحن.

 

نعم  كان هناك أسىً يمض القلوب، ويحزن النفوس، وتذرف له الدموع، ولكننا أيضاً نرى أن للإسلام قوة عظيمة، في اليقين والإيمان، قوة عظيمة في هذا الإسلام بحكمه وأحكامه، وكذلك بأبنائه فإن الله يسوقنا جميعاً، اليوم كثيرون منا تذكروا، وربما اتعظوا، وربما دعوا، وكان الدعاء أيضاً في القنوت، كل ذلك فيه خير لنا، لكننا لا ينبغي أن نسير الهوينا، نحن اليوم في سباق مع الزمن، لأن الأعداء يتكالبون على أمتنا تكالب الأكلة على قصعتها، ولأنهم يتخلون عن خلافاتهم ويجتمعون في عدائنا والله -عز وجل- قد أخبرنا (إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) [الأنفال:73].

 

أين اتحاد الأمة ولو في الرأي والوجهة الواحدة؟ أين اتفاق الكلمة بين العلماء؟ وكلهم علماء سنة وعلى منهج واحد، أين التوافق بين الفصائل المقاتلة في الميدان وهي تقابل جيوشاً ضخمة وقوة عظيمة؟ هذه الفرقة سبب عظيم من أسباب الضعف والوهن، وسبب عظيم من أسباب رفع النصر والرحمة، لابد أن تتغير (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد:11].

 

 يوم تتحد القلوب، وتتراص الصفوف، يوم تكون الوجهة واضحة، والمنهج سليماً، وينفي المنهج عنه خبثه من أولئك المنحرفين والمبتدعين والمحاربين للإسلام والمسلمين، حين يصبح الصف نقياً، سيكون بإذن الله -عز وجل- نصرٌ عظيم، ونحن به موقنون، وله منتظرون، وهو في عمر الزمان والأمم قريب وليس بعيد (وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً) [الإسراء:51].

 

نسأل الله -سبحانه وتعالى- لإخواننا في بلاد الشام وفي حلب، وفي اليمن وفي تعز، وفي العراق وفي الموصل، وفي فلسطين وفي غزة، وفي بورما و أراكان، وفي كل مكان أن يرفع الله -سبحانه وتعالى- عنهم الغمة، وأن ينزل بهم الرحمة، وأن يعجل لهم الفرج.

 

اللهم إننا نسألك أن تمسح عبرتهم، وتسكن لوعتهم، وتأمن روعتهم، وتسد جوعتهم، وتبسط أمنهم، وتوفر أرزاقهم، وتزيد إيمانهم، وتعظم يقينهم، وتجعل لهم فرجاً قريباً ونصراً عزيزاً يا رب العالمين.

 

 

 
تنزيل مرفقات المادة
أضف مشاركتك
الإسم
البريد الالكتروني
عنوان المشاركة
نص المشاركة
أدخل رمز التحقق :