مختصر خطبتي الحرمين 21 رمضان 1438هـ                 فصائل سورية تكشف عن خسائر ميليشيا إيران في بادية الشام                 «ليلة 27 رمضان» في «المسجد الأقصى»: حشود فلسطينية واستفزاز صهيوني                 العراق: نزوح 700 ألف مدني من الجانب الغربي للموصل                 «التحالف اليمني لحقوق الإنسان» يدعو الأمم المتحدة لدعمه ضد انتهاكات الانقلابيين                 السودان يدين عملية استهداف المسلمين في لندن                 مجلس النواب يرحب بتعيين غسان سلامة مبعوثًا أمميًا جديدًا في ليبيا                 إيران تدفن 8 من عناصر الحرس الثوري قضوا في سوريا                 35 شاحنة مساعدات تركية للمحتاجين في سوريا                 أخبار منوعة:                 رمضان والممانعة الخُلقية،،،!                 وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ                 علامات الترقيم وخدمتها للنصّ العربي                 آمال وأماني                 رمضان والانبعاث الحضاري للأمة                 مصادر ومصائر الوعي                 غرقى في بحر السِّجال                 اطرق باب الدعاء                 الشمس لا شعاع لها                
محرك البحث
القائمة البريدية
البريد الإلكتروني

     
دخول الأعضاء




الأخلاق المذمومة (سوء الظن) خطب مختارة
(الصائمون بين الصوم عن المفطرات والصوم عن المحرمات) خطب مختارة
جديد الخطب   التـــصـنــيف   الخـطــــــباء   الجــوامـــــع
عنوان الخطبة روح العبادات اسم المدينة الرياض, المملكة العربية السعودية
رقم الخطبة 13285 اسم الجامع جامع فهد المقيل، بحي الرحمانية الغربية
التصنيف الرئيسي أحوال القلوب التصنيف الفرعي
تاريخ الخطبة 8/4/1438 هـ تاريخ النشر 6/4/1438 هـ
اسم الخطيب إبراهيم بن محمد الحقيل
أهداف الخطبة
عناصر الخطبة 1/صلاح الجوارح بصلاح القلوب 2/ ذكر أعمال القلوب مقترنة بالعبادات في كثير من آيات القرآن 3/أعمال القلوب فيصل بين الإيمان والنفاق.
نسخة للطباعة
نسخة للتحميل
أرسل إلى صديق
اكتب رأيك
اتصل بنا
أضف إلى السلة
قيم المادة
وَهَكَذَا -عِبَادَ اللهِ- رَأَيْنَا أَرْكَانَ الْإِسْلَامِ فِي الْقُرْآنِ تُحِيطُ بِهَا أَعْمَالُ الْقُلُوبِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْآيَاتِ، وَلَا يَحْتَمِلُ الْمَقَامُ ذِكْرَ كُلِّ آيَاتِ الْأَرْكَانِ وَمَا فِيهَا مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ؛ لِنَعْلَمَ أَنَّ رُوحَ الْعِبَادَاتِ إِنَّمَا هُوَ بِمَا قَامَ فِي الْقُلُوبِ مِنْ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ، وَكُلَّمَا كَانَ الْقَلْبُ حَيًّا بِأَعْمَالِهِ اسْتَمَدَّتِ الْعِبَادَةُ حَيَاتَهَا مِنْهُ، فَوَجَدَ الْعَبْدُ فِيهَا لَذَّةً تُزِيلُ ثِقَلَهَا وَرَهَقَهَا وَمَشَقَّتَهَا، وَتَطْرُدَ الْكَسَلَ وَوَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ عَنْهُ.

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ لِلهِ الْعَلِيمِ الْقَدِيرِ؛ عَلِمَ صَلَاحَ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِلْإِيمَانِ فَوَفَّقَهُمْ لَهُ، وَهَدَاهُمْ إِلَيْهِ، وَثَبَّتَهُمْ عَلَيْهِ، وَعَلِمَ فَسَادَ قُلُوبِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ فَخَذَلَهُمْ فَلَمْ يَهْتَدُوا، وَتَاهُوا وَضَلُّوا (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا) [الكهف: 17]، نَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا وَاجْتَبَانَا، وَنَشْكُرُهُ عَلَى مَا أَعْطَانَا وَأَوْلَانَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ مَا تَقَرَّبَ إِلَيْهِ الْمُتَقَرِّبُونَ بِأَفْضَلَ مِنْ صَلَاحِ قُلُوبِهِمْ، وَزَكَاءِ نُفُوسِهِمْ "إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ" وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ زَكَّى قُلُوبَ أُمَّتِهِ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَدَلَّهُمْ عَلَى أَرْكَانِهِ وَلَوَازِمِهِ وَمُكَمِّلَاتِهِ لِيُحَافِظُوا عَلَيْهَا، وَعَلَى نَوَاقِضِهِ وَنَوَاقِصِهِ لِيَجْتَنِبُوهَا، فَكَانَ السِّرَاجَ الْمُنِيرَ، النَّاصِحَ الْأَمِينَ، الْبَشِيرَ النَّذِيرَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَأَقِيمُوا لَهُ دِينَكُمْ، وَأَسْلِمُوا لَهُ وُجُوهَكُمْ، وَعَلِّقُوا بِهِ قُلُوبَكُمْ، وَأَحْسِنُوا فِي عِبَادَتِكُمْ؛ فَمَا تَقَرَّبَ مُتَقَرِّبٌ لِلهِ تَعَالَى بِأَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا افْتَرَضَهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدُهُ يَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى يُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحَبَّهُ وَفَّقَهُ لِلْخَيْرِ، وَحَجَزَهُ عَنِ الشَّرِّ، وَأَعْطَاهُ مَا سَأَلَ، وَأَعَاذَهُ مِمَّا اسْتَعَاذَ، وَكَانَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [يونس: 62 - 64].

 

أَيُّهَا النَّاسُ: إِذَا صَلَحَ قَلْبُ الْعَبْدِ صَلَحَتْ جَوَارِحُهُ، وَحَسُنَتْ أَخْلَاقُهُ، وَاسْتَقَامَتْ أَحْوَالُهُ، وَزَالَ عَنْهُ ثِقَلُ الْعِبَادَةِ، وَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً لِأَدَائِهَا، وَشَوْقًا إِلَيْهَا، وَفَرَحًا بِهَا؛ فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ قُوتُ الْقُلُوبِ وَغِذَاؤُهَا. فَإِذَا أُحْسِنَ أَدَاؤُهَا اقْتَاتَ الْقَلْبُ عَلَى غِذَاءٍ حَسَنٍ، وَإِذَا أُسِيءَ أَدَاؤُهَا اقْتَاتَ الْقَلْبُ عَلَى غِذَاءٍ سَيِّئٍ فَلَمْ تُؤَثِّرِ الْعِبَادَةُ فِي صَلَاحِهِ وَاسْتِقَامَتِهِ.

 

وَمَنْ قَرَأَ آيَاتِ الْعِبَادَاتِ فِي الْقُرْآنِ وَجَدَ حُضُورَ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ فِيهَا بِكَثَافَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ حَرَكَةِ الْبَدَنِ وَاللِّسَانِ فِي الْعِبَادَةِ قُنُوتُ الْقَلْبِ فِي مِحْرَابِ الطَّاعَةِ؛ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى اللهِ تَعَالَى.

 

وَفِي الْآيَاتِ الَّتِي تَنَاوَلَتِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالْإِنْفَاقَ كَمٌّ كَبِيرٌ مِنْ ذِكْرِ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ مَعَ الْعَبْدِ، وَالْإِنْفَاقَ مَفْتُوحٌ بَابُهُ، وَصَدَقَةَ التَّطَوُّعِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَيَتَصَدَّقُ بِمَالٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَمَجَالَاتُ الْإِنْفَاقِ كَثِيرَةٌ، وَأَنْوَاعُ مَا يُبْذَلُ كَثِيرَةٌ أَيْضًا.

 

وَفِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ذُكِرَ الْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ مَقْرُونًا بِالصَّلَاةِ وَالْإِنْفَاقِ فِي صِفَاتِ الْمُتَّقِينَ الْمُهْتَدِينَ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. وَالْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، وَهُوَ الدَّافِعُ لِلصَّلَاةِ وَالْإِنْفَاقِ وَجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [البقرة: 3].

 

وَفِي آيَةٍ أُخْرَى ذُكِرَ فِيهَا الْيَقِينُ بِالْآخِرَةِ مَقْرُونًا بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْجَزَاءِ. وَالْيَقِينُ بِهَا يَدْفَعُ صَاحِبَهُ لِإِحْسَانِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، مِمَّا يَكُونُ سَبَبًا فِي صَلَاحِ الْقَلْبِ وَاسْتِقَامَتِهِ (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) [النمل: 3].

 

وَقُرِنَ الْإِيمَانُ بِاللهِ تَعَالَى وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَخَشْيَتِهِ –سُبْحَانَهُ- بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَعِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي هِيَ نَوْعٌ مِنَ الْبَذْلِ وَالْإِنْفَاقِ (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ) [التوبة: 18].

 

وَفِي آيَةٍ أُخْرَى تُقْرَنُ خَشْيَةُ اللهِ تَعَالَى بِالْغَيْبِ وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، وَمِنْ مَنَازِلِ الْإِحْسَانِ مَعَ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ الَّتِي هِيَ أَيْضًا مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَيُقْرَنُ ذَلِكَ كُلُّهُ بِالصَّلَاةِ (إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) [فاطر: 18]، فَمَنْ رَاقَبَ اللهَ تَعَالَى فِي خَلَوَاتِهِ، وَزَكَّى نَفْسَهُ عَنْ رَذَائِلِ الْأَفْكَارِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَخْلَاقِ سَتَكُونُ صَلَاتُهُ بِرُوحٍ حَيَّةٍ لَا كَصَلَاةٍ رُوحُهَا مَيِّتَةٌ أَوْ مَرِيضَةٌ بِسَبَبِ فَقْدِهَا الْخَشْيَةَ وَالتَّزْكِيَةَ.

 

وَاقْتِرَانُ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْإِنْفَاقِ كَثِيرٌ جِدًّا فِي آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.

 

وَأَمَّا الصِّيَامُ -سَوَاءً كَانَ صِيَامَ فَرِيضَةٍ أَمْ كَانَ صِيَامَ تَطَوُّعٍ- فَيَتَجَلَّى فِيهِ الْإِخْلَاصُ وَالْخَشْيَةُ وَالْمُرَاقَبَةُ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: "الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي".

 

وَفِي أَوَّلِ فَرْضِ الصِّيَامِ كَانَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الْإِفْطَارِ وَهُوَ نَائِمٌ وَاصَلَ إِمْسَاكَ الصَّوْمِ لَيْلَتَهُ وَنَهَارَ غَدِهِ إِلَى الْغُرُوبِ مِنْ قَابِلٍ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ بَالِغَةٌ، وَوَقَعَ أَنَّ أَحَدَ الصَّحَابَةِ كَانَ مَجْهُودًا مِنَ الْعَمَلِ فَنَعَسَ وَقْتَ الْإِفْطَارِ فَفَاتَهُ الْفِطْرُ وَلَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ فِي لَيْلَتِهِ وَغَدِهِ، فَرَحِمَتْهُ زَوْجَتُهُ لِمَا رَأَتْ بِهِ مِنَ الْجُوُعِ وَالْعَطَشِ فَقَالَتْ لَهُ: "كُلْ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ نِمْتُ، فَقَالَتْ: لَمْ تَنَمْ، فَأَبَى، فَأَصْبَحَ جَائِعًا مَجْهُودًا". وَفِي رِوَايَةٍ: "فَأَيْقَظْتُهُ فَكَرِهَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ وَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ" فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي مُنْتَصَفِ النَّهَارِ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى الرُّخْصَةَ بِالْأَكْلِ فِي اللَّيْلِ سَوَاءً نَامَ الصَّائِمُ أَمْ لَمْ يَنَمْ. وَيَتَجَلَّى فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ مُرَاقَبَةُ هَذَا الصَّحَابِيِّ لِرَبِّهِ –سُبْحَانَهُ-، وَخَشْيَتُهُ إِيَّاهُ بِالْغَيْبِ، وَصَبْرُهُ عَلَى أَلَمِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ بِمُوَاصَلَةِ الصَّوْمِ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَاخْتِيَارُ ذَلِكَ عَلَى الْفِطْرِ، وَلَا أَحَدَ يَعْلَمُ بِهِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى. وَكُلُّ ذَلِكَ بِفِقْهِهِ مَا فِي عِبَادَةِ الصَّوْمِ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ وَعُبُودِيَّتِهِ لِلهِ تَعَالَى؛ إِذْ لَيْسَ مُجَرَّدَ إِمْسَاكٍ عَنِ الْمُشْتَهَيَاتِ الظَّاهِرَةِ فَحَسْبُ حَتَّى تُمْسِكَ الْقُلُوبُ عَنْ هَوَاهَا، وَتَقْنُتَ لِمَوْلَاهَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

 

وَالْحَجُّ خَامِسُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ حِلٌّ وَتَرْحَالٌ، وَانْتِقَالٌ مِنْ شَعِيرَةٍ إِلَى أُخْرَى، وَآيَاتُهُ فِي الْقُرْآنِ مَمْلُوءَةٌ بِذِكْرِ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، فَذُكِرَ فِيهَا الْإِحْسَانُ وَالصَّبْرُ وَالْوَجَلُ وَالْإِخْبَاتُ، وَكُرِّرَ فِيهَا التَّقْوَى وَالشُّكْرُ وَالْإِخْلَاصُ، وَنُوِّهَ فِيهَا بِتَعْظِيمِ الشَّعَائِرِ وَالْحُرُمَاتِ، وَكُلُّ أُولَئِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، وَهِيَ رُوحُ الْحَجِّ وَحَيَاتُهُ وَأَثَرُهُ (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) [الحج: 29- 30]، وَبَعْدَهَا بِآيَاتٍ وَفِي سِيَاقِ آيَاتِ الْحَجِّ (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج: 32].

 

وَفِي أَوَّلِ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ الْمَنَاسِكِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [البقرة: 189]، وَفِي خِتَامِ آيَاتِ الْمَنَاسِكِ مِنْ سُورَةِ الْحَجِّ (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) [الحج: 37]، وَبَيْنَ بِدَايَةِ آيَاتِ الْمَنَاسِكِ وَخَاتِمَتِهَا حُضُورٌ مُكَثَّفٌ لِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ فِي كُلِّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَفِي كُلِّ انْتِقَالٍ مِنْ مَشْعَرٍ إِلَى آخَرَ؛ لِيَظَلَّ الْحَجُّ حَيًّا فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ بِحُضُورِ رُوحِهِ وَمُصَاحَبَتِهَا لَهُ فِي أَدَاءِ مَنَاسِكِهِ.

 

وَهَكَذَا -عِبَادَ اللهِ- رَأَيْنَا أَرْكَانَ الْإِسْلَامِ فِي الْقُرْآنِ تُحِيطُ بِهَا أَعْمَالُ الْقُلُوبِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْآيَاتِ، وَلَا يَحْتَمِلُ الْمَقَامُ ذِكْرَ كُلِّ آيَاتِ الْأَرْكَانِ وَمَا فِيهَا مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ؛ لِنَعْلَمَ أَنَّ رُوحَ الْعِبَادَاتِ إِنَّمَا هُوَ بِمَا قَامَ فِي الْقُلُوبِ مِنْ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ، وَكُلَّمَا كَانَ الْقَلْبُ حَيًّا بِأَعْمَالِهِ اسْتَمَدَّتِ الْعِبَادَةُ حَيَاتَهَا مِنْهُ، فَوَجَدَ الْعَبْدُ فِيهَا لَذَّةً تُزِيلُ ثِقَلَهَا وَرَهَقَهَا وَمَشَقَّتَهَا، وَتَطْرُدَ الْكَسَلَ وَوَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ عَنْهُ.

 

نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُحْيِيَ قُلُوبَنَا بِالْإِيمَانِ وَأَعْمَالِهِ، وَأَنْ يُعِيذَنَا مِنَ الشَّيْطَانِ وَوَسَاوِسِهِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.

 

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ....

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

 أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة: 197].

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: لَا لَذَّةَ لِلْعِبَادَةِ إِلَّا بِرُوحِهَا وَحَيَاتِهَا، وَهِيَ أَعْمَالُ الْقُلُوبِ قَبْلَهَا وَأَثْنَاءَهَا وَبَعْدَهَا؛ وَلِذَا حُفَّتْ آيَاتُ الْعِبَادَاتِ فِي الْقُرْآنِ بِمَا يُحْيِيهَا مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، وَأُحِيطَتْ بِهَا حَتَّى تُحَاصِرَ قَارِئَ الْقُرْآنِ فَيَنْتَبِهَ لَهَا، وَيَعْمَلَ بِمُوجَبِهَا.

 

وَالْمُنَافِقُونَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِأَجْسَادِهِمْ وَلَمْ يُقْبَلْ عَمَلُهُمْ؛ لِفَسَادِ قُلُوبِهِمْ بِالنِّفَاقِ، فَمَنْ ضَعُفَ عَمَلُ قَلْبِهِ فِي عِبَادَتِهِ خُشِيَ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ تَسَرُّبِ النِّفَاقِ إِلَيْهِ. كَمَا وَصَفَ اللهُ تَعَالَى الْمُنَافِقِينَ بِقَوْلِهِ –سُبْحَانَهُ-: (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) [الفتح: 11] قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: "وَكَذَلِكَ عَمَلُ الْجَوَارِحِ بِدُونِ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ هِيَ مِنْ أَعْمَالِ الْمُنَافِقِينَ الَّتِي لَا يَتَقَبَّلُهَا اللَّهُ" "فَإِنَّ الْأَعْمَالَ تَتَفَاضَلُ بِتَفَاضُلِ مَا فِي الْقُلُوبِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْإِخْلَاصِ، وَإِنَّ الرَّجُلَيْنِ لَيَكُونُ مَقَامُهُمَا فِي الصَّفِّ وَاحِدًا، وَبَيْنَ صَلَاتَيْهِمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ".

 

وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: "أَعْمَالُ الْقُلُوبِ أَصْلٌ لِعَمَلِ الْجَوَارِحِ، وَأَعْمَالُ الْجَوَارِحِ تَبَعٌ" "وَمَنْ تَأَمَّلَ الشَّرِيعَةَ فِي مَصَادِرِهَا وَمَوَارِدِهَا عَلِمَ ارْتِبَاطَ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ بِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَأَنَّهَا لَا تَنْفَعُ بِدُونِهَا، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْقُلُوبِ أَفْرَضُ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ... وَعُبُودِيَّةُ الْقَلْبِ أَعْظَمُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْجَوَارِحِ وَأَكْثَرُ وَأَدْوَمُ، فَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ"

 

فَلْنَجْتَهِدْ -عِبَادَ اللهِ- فِي صَلَاحِ قُلُوبِنَا وَاسْتِقَامَتِهَا، وَلْنُحْيِ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةَ بِالْأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ، وَلْنُزَكِّ نُفُوسَنَا بِهَا؛ فَإِنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ صَلَاحُ الْقُلُوبِ لَا كَثْرَةُ الْأَعْمَالِ. وَلَعَمَلٌ ظَاهِرٌ وَاحِدٌ حَيٌّ بِعَمَلِ الْقَلْبِ فِيهِ خَيْرٌ مِنْ مِئَةِ عَمَلٍ مَيِّتٍ بِخُلُوِّهِ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ فَلَا رُوحَ فِيهِ.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: 119] (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: 238].

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...

 

 

 

 
تنزيل مرفقات المادة
أضف مشاركتك
الإسم
البريد الالكتروني
عنوان المشاركة
نص المشاركة
أدخل رمز التحقق :