مختصر خطبتي الحرمين 15 من ربيع الآخر 1438هـ                 الأسد يمنح 5 مشاريع كبرى لإيران أبرزها الهاتف المحمول                 اليمن: تأكيد أممي بعدم المساس بصلاحيات هادي                 رائد صلاح: رفضت لقاء نتنياهو وقرأت 80 كتابًا في السجن                 تقرير: 2016 أكثر الأعوام دموية في العراق                 إيران تشن حملة اعتقالات واسعة في صفوف عرب الأحواز                 التعاون الإسلامي تدعو الأمم المتحدة لإنقاذ مسلمي ميانمار                 أمريكا ترفع العقوبات عن السودان ‘لتشجيع مكافحة الإرهاب‘                 تركيا: 13 ألف سوري حصلوا على تصاريح عمل خلال 2016                 ليبيا تتحول إلى ساحة صراع بين روسيا والغرب                 العفو الدولية : قوانين الإرهاب بأوروبا تستهدف المسلمين                 لئن شكرتم لأزيدنكم                 رسالة إلى مسلمي أوروبا واللاجئين: امضوا في حياتكم                 أزمة تعليم أم أزمة تعلم؟                 الزوج الشّكّاك                 أختي.. بضعة من أمي!                 خطير.. التأثير السلبي والنفسي على المُنتقبات!!                 لا تُجهِد نفسك                 الخطاب الروحي والتنوير العقلي.. التكامل الإسلامي                 مع القرآن - في المشهد (خطيب الأنبياء)                
محرك البحث
القائمة البريدية
البريد الإلكتروني

     
دخول الأعضاء




سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله (إمام عادل) خطب مختارة
(الأقربون أولى بالمعروف) خطب مختارة
(فتنة المحاباة وتضييع الكفاءات) ملف علمي
21/3/1438هـ - الساعة 07:04 ص
وتراك الآن أدركت أن "مرزوق بك" ليس شخصًا واحدًا، وليس هذا هو اسمه الوحيد، بل إن هناك ألف "مرزوق بك"، قد تختلف أسماؤهم وألوانهم وألسنتهم ومهنهم ومناصبهم ومبرراتهم... لكنهم يشتركون جميعًا في أنهم معول هدم للحضارات، وجرثومة خراب للمجتمعات، وأداة ظلم للكفاءات، وآلة بغي وتضييع حقوق وأمنيات! ففي زماننا هذا نرتطم بمرزوق بك في كل مصلحة نسعى لقضائها، ونتعثر به عند كل اختبار وامتحان، ونحتك به عند استخلاص حق من قطاع عام أو خاص...

 

 

على الرغم من أنه قد مضى زمن "الباشوية" و"الباكوية" ومثل هذه الألقاب، إلا أن صاحبنا "مرزوق" -صاحب المنصب المرموق- ما زال يحرص أن يناديه الناس بـــ: "مرزوق بك"، لكنه كان خدومًا؛ فقد مر زمن طويل وصاحبنا "مرزوق بك" يقدم خدماته للناس، فكم ساعد في توظيف هذا في وظيفة محترمة، وكم ساهم في وصول هذا إلى مكانة مرموقة، وكم قد كان سببًا في الغنى المفرط لآخرين، وكم اشترك في قضاء مصلحة لهذا ولذاك، وكم من ممتن له؛ فلولاه -بعد الله عز وجل- ما وصلوا إلى ما هم فيه الآن من الثراء والجاه والمنصب والسلطان والوظيفة والحظوة...

 

لكن في "مرزوق بك" عيب "صغير"؛ إنه لا يقدم خدماته إلا في مقابل مال يقبضه، أو خدمة في مقابل خدمة، أو انتظارًا لهدية قيِّمة يُهديها له صاحب المصلحة... اللهم إلا أن يكون من أقاربه أو معارفه أو أصدقائه فإنه لا يتقاضى منهم نقودًا بل يفعلها "لوجه الله"، وفقط لوجه انطلاق الألسنة بالثناء عليه! وفقط لوجه التباهي بنفوذه والتفاخر بقدراته! وثم أغراض أخرى يخفيها في نفسه.

 

والمحزن أنه في طريقه لأداء تلك الخدمات "الجليلة" للأقارب والمعارف والمحبين و"للدافعين"... كم حطَّم من قلوب، وكم داس من آمال، وكم أحبط من طموحات، وكم أحزن من أفئدة، وكم دمَّر من أمنيات غاليات، وكم أفسد من أفراح، وكم سرق من حقوق، وكم تسبب في جروح، وكم وأد من عقول، وكم ضيَّع من كفاءات، وكم انتهك من حرمات... وكم كان سببًا في أخذ من لا يستحق ما لا يستحق!

 

فهذا طالب جامعي وثاب طموح، اجتهد وصابر وثابر حتى حصل على المركز الأول على صفه في الأعوام الأربع، وقد صار حلمًا وأمنية ملازمة له طوال سنوات دراسته أن يُعيَّن "أستاذًا" في جامعته، فقد حرص على ذلك وعمل له... لكن "مرزوق بك" اكتشف أن ولده أحق بذلك، مع أن ولده هذا ما نجح إلا بالكاد وبالغش! لذا فقد توسط لولده حتى عُيِّن معيدًا بدلًا من المجتهد! ولقد كان... وقد حاول الشاب كثيرًا أن يحصل على حقه فاشتكى إلى القيادات والهيئات... ولكن أنى تفلح شكواه لهم وكلهم "أهل ودٍ" لمرزوق بك! فلم يجد بدًا من أن يستسلم مجبرًا مقهورًا حاملًا في قلبه حزناً وكمدًا وقهرًا لا يعلمه إلا الله.

 

أما هذا المسن ذو العائلة والأولاد فقد وجد نفسه فجأة في العراء هو وأهله؛ بعد أن انهار المنزل الذي كانوا يعيشون فيه، وبعد أن فَقَدَ تحت الأنقاض ولده الأصغر، ولم يجد إلا أن يقيم خيمة على قارعة الطريق أمام أنقاض بيته مستخدمًا ما استطاع أن يستنقذه من قطع أخشاب ومُزَق أقمشة من تلك الأنقاض، وذهب مستغيثًا -بعد الله- بموظفي الإيواء والإسكان، الذين استقبلوا طلبه الذي بللته دموعه استعطافًا لهم أن ينقذوه بشقة تؤويه وأهله قبل دخول فصل الشتاء... وصار في كل يوم يتردد عليهم عسى أن يكون قد قُضِي الأمر... وذات مرة -وقد نفذ صبره- انهار وصرخ: "لقد صار الشتاء على الأبواب! أليست في قلوبكم رحمة! إن بناتي في العراء!"، وقد أثرت توسلاته في "مرزوق بك"، الذي اصطحبه إلى مكان منعزل ثم قال له: "لقد رقَّ قلبي لحالك، ونويت أن أساعدك في الحصول على شقة من شقق إسكان المنكوبين، والذي ستُعلن نتيجة قرعته بعد عدة أيام، ولن آخذ منك إلا عشرة آلاف دولار فقط لا غير"! وعندها صرخ الرجل المسن: "أتظنني أمتلك مثل هذا المبلغ ثم أقيم وأهلي في العراء!" وأخذ يستعطفه كثيرًا ويذكِّره بالله، عسى أن يرق قلبه، وقد وعده "مرزوق بك" خيرًا.

 

ومرت الأيام سراعًا، وحان موعد إعلان نتيجة قرعة الإسكان، وكان يومًا باردًا، وقد انهمر المطر على رأسه في خيمته، فاستيقظ وصبَّر أهله بأنه اليوم سيحصل على المأوى -إن شاء الله-، وانطلق الرجل المسن وقد غسل المطر شيب رأسه وتقاطر من لحيته وعلى ظهره المنحني إلى مكتب الإيواء، لكنه لم يجد اسمه بين المختارين، ولم يجد "مرزوق بك"، فسأل زميله عنه، فأجابه: لقد اصطحب أولاد عمته وأولاد خالته وطائفة من أصدقاء طفولته وعددًا من أقارب زوجته وثلة من جيرانه، كي يسلمهم شققهم في المساكن وقد خرجت القرعة من نصيبهم!! وعندها سقط الرجل أرضًا وقالها كلمة قد خرجت من شرايينه وأوردته ونياط قلبه قبل أن تخرج من لسانه: "حسبي الله ونعم الوكيل"! وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنه لا قُدِّست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع" (ابن ماجه).

 

أما هذا الشاب فقد كان منذ طفولته ينبض ذكاءً وفطنة وحدة عقل، وقد اخترع عدة اختراعات وهو في سن مبكرة، لكن اختراعه هذه المرة كان فريدًا وعجيبًا ومفيدًا؛ إنه جهاز مضاد للتلوث ينقي الماء والهواء والطعام من الملوثات في عصر التلوث البيئي... وقد علم "مرزوق بك" بنبوغه فقرر أن يتبنى هذا الاختراع ويبدأ في تصنيعه، وقد أعطى المخترعَ الشاب مائة من الدنانير أو الريالات أو الجنيهات مكافأة له، وانتظر الشاب أن يرى بعينيه أول جهاز مُصَنَّع من اختراعه، ولقد رآه، لكن هاله أن وجد جهازه مكتوبًا عليه: "من ابتكار مرزوق بك"! فانطلق يقطع الطريق إليه، وفي الطريق سمع الناس يتكلمون عن ذكاء "مرزوق بك" وهم يمسكون بإحدى الصحف اليومية، فأخذها منهم فإذا فيها صورة كبيرة لمرزوق بك وقد خُطَّ تحتها لقب: "المخترع العبقري"، وبجانبها صورة أخرى لوثيقة "براءة اختراع" تحمل اسم مرزوق بك، واسم اختراعه!

 

ووصل إليه وساءله، فأجابه: ألم أمنحك مائة من الريالات ثمن اختراعك!... وأسقط في يد الشاب... ولم يفق من هول الكارثة إلا وهو يعبر حواجز المطار داخلًا إلى ذلك البلد الأوربي ليبدأ من الصفر، مودِّعًا وطنه إلى الأبد...

 

وهذان زميلان يدرسان الشريعة والقانون، لكن أولهما كان بليدًا كسولًا متواضع القدرات، أما الآخر فقد كان على العكس تمامًا؛ نابهاً لماحًا متوقدًا فراسة وحكمة، وبعد التخرج تقدَّم الزميلان بأوراقهما لشغل وظيفة في القضاء، وقد كان المتفوق يدرك أنهم في كل عام يختارون صاحب الدرجات الأعلى، فتقدَّم واثقًا، وأما البليد فقد سلك مسلكًا آخر!

 

وبعد أيام فوجئ المتفوق بأنهم غيَّروا الشروط لهذا العام؛ فلم يكتفوا بالشهادات والدرجات، بل اشترطوا أن يجتاز المتقدم امتحانًا شفويًا وتحريريًا، فأما المتفوق فأحس بريبة، وأما البليد فتبسم في مكر وبدا عليه الارتياح، وحُدِّد موعد الاختبار التحريري، وشاءت الأقدار أن يكون المشرف على ذلك الامتحان هو "مرزوق بك"، وخرج منه المتفوق واثقًا، أما زميله البليد فلم يحضر الامتحان أصلًا! وفي المقابلة الشفوية أجاب المتفوق وأجاد، وعند خروجه التقى بزميله البليد الذي فاجأه قائلًا في لؤم: ألا تبارك لي؟ قال: ولما؟ قال: لقد نجحتُ وقُبلتُ؟! فتعجب المتفوق: وكيف وأنت لم تحضر الامتحان التحريري؟! والنتيجة لم تظهر بعد فنحن خارجان من المقابلة توًا؟! وظن أنه يمزح، فسكت معرضًا... وأُعلنت النتيجة، وكانت الصدمة؛ أن نجح البليد ورسب المتفوق! وصار الغشاش البليد قاضيًا! فكان الله في عون من يقضي بينهم!

 

وإن ذلك لمن علامات الساعة؛ فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة" قيل: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: "إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" (البخاري).

 

ولقد تكررت الحادثة في كلية الطب؛ فصار الغبي طبيبًا! وتكررت في كلية الهندسة فصار الغشاش مهندسًا! وتكررت حتى بين أهل العلم فصار العيي خطيبًا! وتتكرر في كل مكان يتواجد به "مرزوق بك"؛ فأُبعِد الكفء الذكي الثقة، ووُلِّي البليد الغبي العيي! وقد تنبأ بهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال: "سيأتي على الناس سنوات خداعات، يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوَّن فيها الأمين" (ابن ماجه)، فيالله لأمة هؤلاء من يملكون زمامها! ويالله لأمة دفنت أكفاءها أحياءً ووأدت خياراها وطردت أبرارها!

 

وكم فيك يا بلدي من مبكيات  ***  كـمـا قـــال فــيك أبــو الـطــيب

يعـاقَـب فيـك الـقـوي الأمــين  ***  ويكـرم فـــيـك الـبـلـيـد الغـــبي

***

 

وتراك الآن أدركت أن "مرزوق بك" ليس شخصًا واحدًا، وليس هذا هو اسمه الوحيد، بل إن هناك ألف "مرزوق بك"، قد تختلف أسماؤهم وألوانهم وألسنتهم ومهنهم ومناصبهم ومبرراتهم... لكنهم يشتركون جميعًا في أنهم معول هدم للحضارات، وجرثومة خراب للمجتمعات، وأداة ظلم للكفاءات، وآلة بغي وتضييع حقوق وأمنيات! ففي زماننا هذا نرتطم بمرزوق بك في كل مصلحة نسعى لقضائها، ونتعثر به عند كل اختبار وامتحان، ونحتك به عند استخلاص حق من قطاع عام أو خاص، ونصطدم به في كل طريق نسلكه... نقابله صاحب منصب، أو موظفًا عاديًا، أو ذا نفوذ واتصالات... يُقدِّم أقاربه، ويحابي معارفه، ويطلب الرشى، ويتبع هواه فلا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أُشرِب من هواه!...

 

فأنتج ذلك فسادًا عريضًا في شتى نواحي المجتمع، بدءًا بالفساد الأخلاقي والانحطاط القيمي، ومرورًا بالفساد الإداري والاجتماعي والاقتصادي... وما كل هذا الفساد إلا بسبب أصحاب مناصب ونفوذ نسوا الله والدار الآخرة، وعثوا في الأرض إفسادًا وتدميرًا وتخريبًا!

***

 

فويل لهم ثم ويل لهم ثم ويل لهم! أوما سمعوا قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من شفع لأخيه بشفاعة، فأهدى له هدية عليها، فقبلها، فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا" (أبو داود، وحسنه الألباني)، هذا عن الشفاعة الحسنة التي تعين بها صاحب حق على استخلاص حقه، التي ليس فيها ظلم ولا محاباة ولا محسوبية... فكيف بالشفاعة السيئة التي تُقتَطع بها الحقوق ظلمًا؟! وقد سئل ابن مسعود عن السحت ما هو؟ فأجاب: "السحت أن تطلب لأخيك الحاجة، فتُقضى، فيُهدي إليك هدية، فتقبلها منه"!

 

فويل لذلك الموظف العمومي الذي يقبل الرشى في صورة الهدايا؛ ففي الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استعمل رجلًا ليجمع الصدقة، فلما قدم قال: "هذا لكم، وهذا لي؛ أهدي لي"، قال: فقام -صلى الله عليه وسلم- على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: "ما بال عامل أبعثه، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه، أو في بيت أمه، حتى ينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده، لا ينال أحد منكم منها شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر" (متفق عليه)، واختصر النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمر قائلًا: "هدايا العمال غلول" (أحمد)، وكفى أنه ملعون على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لعنة الله على الراشي والمرتشي" (ابن ماجه، وصححه الألباني).

 

وإن كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال: "من ظلم قيد شبر من الأرض، طوقه من سبع أرضين" (متفق عليه)، فكيف بمن يأكل -عن طريق المحاباة والواسطة والمحسوبية والرشوة- حقوقًا وأموالًا وآمالًا وطموحات عمر؟!...

 

فيا من تحابي أحبابك فتعطيهم ما لا يستحقون من حقوق تسلبها من غيرهم، إنك لا تنفعهم؛ بل تطعمهم نارًا في بطونهم، ثم نارًا في آخرتهم! أوَما سمعت قول الله -عز وجل-: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [النساء: 135]؟!

 

وإلى كل وال ولاه الله من أمر المسلمين شيئًا، وائتمنه العباد عليه فخانهم: قد دعا عليك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "اللهم، من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم، فاشقق عليه" (مسلم)، بل الجنة عليك حرام؛ فعن معقل بن يسار أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من وال يلي رعية من المسلمين، فيموت وهو غاش لهم، إلا حرم الله عليه الجنة"، وفي رواية: "ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم، وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة" (متفق عليه)، فصدق -إذن- من قال: "من استعمل رجلًا من عصابة، وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين".

 

وإلى من يستولون على مال المسلمين بالباطل: أبشروا بالنار يوم القيامة؛ ففي صحيح البخاري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن رجالًا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة".

***

ويا أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-: أما حثنا ديننا وحضنا على قضاء حوائج الناس لا نبتغي الأجر إلا من الله؟! أين نحن من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اشفعوا تؤجروا" (متفق عليه)؟!

أنسينا قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (مسلم)؟!

 

لقد جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أحب الناس إلى الله -تعالى- أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد -يعني مسجد المدينة- شهرًا..." (الطبراني في الكبير، وحسنه الألباني).

***

إنها صرخة مستعيذ من المحاباة الظالمة! واستغاثة مكروب لا يخلص إلى حقه إلا برشوة! ونداء جريح أدماه ظلم من انتهبوا حقوقه! ونفثة مطحون تحت عجلات المحسوبيات! وزفرة محروم من حقه بسبب الوساطات! وآه حزين على ما أصبح عليه حالنا من تردٍ وانعدام ضمير وجرأة على محارم الله!

 

فعسى تلك الصرخات والنداءات والنفثات والزفرات والآهات أن تخترق آذانًا أصمها الهوى، وعسى أن يهدي الله -تعالى- بها سادرًا في غيه، وعسى أن يواسي الله بها قلبًا مكلومًا وفؤادًا محرومًا ونفسًا مظلومة... وقد جمعنا تلك الصرخات من أفواه الكُتَّاب والباحثين والخطباء والمحاضرين... ثم نظمناها وصنفناها في محاور خمسة، فجاءت على الصورة التالية:

 

المحور الأول: تعريف المحاباة، وصورها، وأسبابها.

- ماهية المحاباة، والألفاظ المرادفة لها.

- تاريخ المحاباة وأخواتها.

- صور المحاباة في مجتمعاتنا (الواسطة والمحسوبية والمجاملة والمداهنة...).

- أسباب انتشار المحاباة وقريناتها. (من الأسباب: الرشوة، الهوى، ضعف الوازع الديني، القرب والصحبة، تبادل المصالح ...).

 

المحور الثاني: موقف الشريعة من المحاباة وحكمها عليها.

- موقف الإسلام من الواسطة والمحسوبية والمحاباة...

- الفرق بين الواسطة والشفاعة الحسنة، ومتى تجوز الشفاعة ومتى تحرم؟

- المحاباة خيانة للأمانة.

- المحاباة والواسطة طريق إلى الظلم.

- نماذج محمودة للشفاعة ونماذج مذمومة لضدها؟

- حرمة المحاباة على حساب المال العام.

 

المحور الثالث: تقديم الكفاءات شرط قيام الحضارات.

- عوامل قيام الدول والحضارات.

- عوامل انهيار الأمم.

- العدل والمساواة أساسان لقيام الدول، والعكس هدم لها.

- تقديم الكفء حق أصيل له، وعدمه سلب لحقه.

- قيام الدولة الإسلامية على أكتاف الكفاءات.

 

المحور الرابع: الثمار المرة للمحاباة وإبعاد الكفاءات.

- التعرض لسخط الله وعقابه العاجل والآجل بالفرد والمجتمع.

- انتشار الظلم والاحباط والشعور بالقهر.

- ضياع الحقوق، وسلوك الطرق المعوجة لتحصيلها.

- ضعف الانتماء للوطن أو للبيئة التي يعمل فيها.

- هجرة الكفاءات وهروبها من وطنها.

- الفساد الاقتصادي والإداري والاجتماعي.

- انقسام المجتمعات، وانتشار صراع الطبقات.

- انخفاض مستوى الخدمات.

 

المحور الخامس: علاج فتنة الوساطة والمحسوبية والمحاباة.

- العودة إلى تعاليم الدين (تقوية الوازع الديني).

- الوعي بأهمية العدالة والمساواة في رفعة الأمم.

- الاعتناء بالأخلاقيات المهنية والوظيفية.

- إدراك مقدار ما تحدثه المحاباة من فساد في شتى المجالات.

- وضع النظم والقواعد الإدارية الصارمة التي تمنع تدخل المحاباة.

- اعتماد سياسة «المسابقات والاختبارات» في تولي المناصب؛ لضمان الشفافية.

- الترويج للنزاهة والأخذ بأسباب ترسيخها.

- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

 

 

(الترفيه والترويح عن النفس.. أمة لاهية في أوقات الشدائد) خطب مختارة
(التحايل على المحرمات .. بيع العينة نموذجًا) خطب مختارة

أضف مشاركتك
الإسم
البريد الالكتروني
عنوان المشاركة
نص المشاركة
أدخل رمز التحقق :